أزمة الخبز في دير الزور: ثغرات أعمق من مجرد طحين رديء.. ما القصة؟

بقلم: ديانا الصالح
أثارت مسألة إغلاق معظم الأفران الحكومية في ريف دير الزور الشرقي وفقاً لما أكدته مصادر إعلامية، جدلاً واسعاً لدى الشارع السوري، في ظل نقص المحروقات والدعم الحكومي إلى جانب ارتفاع أسعار المادة ضمن الأفران الخاصة لا سيما بعد منع الحراقات النفطية البدائية، دون ورود تأكيد رسمي حتى الآن.
وتأتي تلك الأنباء وسط اتهامات لما يصفه ناشطون محليون “بالتهميش والتقصير الحكومي” في اتخاذ الخطوات الجدية لانتشال المحافظة من واقعها الخدمي القاتم، مما يثير عدة تساؤلات ملحة: هل تتحول كسرة الخبز في دير الزور إلى ضحية دائمة لصراع الموارد في المنطقة؟ وماذا عن المهمة المؤسساتية في كبح جماح المحتكرين من استغلال حاجة الناس؟ وما دور القطاع الزراعي والمائي في صياغة المشكلة؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
جدل الخبز في دير الزور
أفادت تقارير محلية بشلل غالبية الأفران العامة في الريف الشرقي لمحافظة دير الزور، مشيرة إلى بقاء عدة مناطق دون خبز لمدة يومين، إلى جانب الشكاوى المتصاعدة من قبل الأهالي حول رداءة رغيف الخبز وعدم مطابقته للمواصفات.
وفي هذا السياق، يؤكد الناشط المحلي أحمد الحسن توقف معظم الأفران الحكومية في دير الزور نتيجة لعدة أسباب أبرزها غياب الدعم الحكومي، مشيراً إلى رفع أسعار الخبز لدى الافران الخاصة ضعفي سعرها الأصلي، مستغلة حاجة الناس وتوقف الأفران العامة.
كما ينقل الحسن الواقع الخدمي المتأزم ضمن أرياف دير الزور، في ظل التأخير في صرف أجور الموظفين والعاملين في الدولة، إلى جانب توقيف العمل بالحراقات النفطية التي تمثل دخلاً رئيسياً لمعظم سكان الأرياف.
يُذكر أن سعر ربطة الخبز في دير الزور تم تخفيضه منذ بداية الشهر الماضي من قبل المؤسسة السورية للمخابز بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى 3000 ليرة عبر المعتمد بدلاً من 4500 ليرة، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً وفقاً للتقارير المحلية التي أكدت حرمان عدة مناطق من المادة وسط ارتفاع سعر الربطة الواحدة إلى 10 آلاف ليرة سورية ضمن الأفران الخاصة، الأمر الذي يثير الريبة من ضعف القدرة على ضبط السوق وفرض الرقابة الفعلية لضمان الأمن الغذائي للمواطن الذي يعاني أصلاً من تدهور حاد إلى درجة الانعدام، وفقاً لما يراه مراقبون.
طحين بجودة رديئة
أما المسألة الأكثر جدلاً، هي ما أثاره ناشطون محليون من المدينة حول فرض مديرية التموين كميات من الطحين، الذي وُصف بأنه غير مطابق للمواصفات الفنية ورديء الجودة، مما يجعله غير مناسب للإنتاج.
ويؤكد هؤلاء الناشطون عبر تقارير محلية توجيه المديرية إنذارات للمستثمرين بسحب مخصصاتهم ورفع الدعم عنهم، في حال عدم الالتزام بإنتاج خبز بجودة عالية، مما أشعل سخط العاملين ضمن القطاع، لما رأَوه من تناقض واضح بين نوعية المواد الإنتاجية المخصصة لهم ومعايير الجودة.
وهذا ما توثقه شكوى القائمين على “فرن الفرات التعاوني” في بلدة غرانيج بريف دير الزور، حيث استنكروا رداءة الطحين المورد إليهم من مديرية التموين، معززين شكواهم بمقطع فيديو يُظهر بوضوح وجود قطع من الخشب والنشارة داخل الأكياس، الأمر الذي اعتبره البعض محاولة من الجهات المعنية لوضع المستثمرين في مواجهة مباشرة مع المواطن كمسؤول عن النتيجة، دون النظر في أسبابها الجوهرية.
وإلى ذلك، قسمت تلك الشكاوى المتكررة الشارع السوري إلى قسمين، الأول يضع اللوم على التقصير الحكومي في تفعيل الرقابة الصارمة على الأفران وكل من له علاقة بترهل معايير الجودة اللازمة للإنتاج، فيما يذهب فريق آخر لاستحضار المشاريع الاستثمارية الموجهة للمحافظة والتي تغفل بشكل جلي قطاعي المياه والزراعة.
سخط شعبي في حضرة الغياب الرسمي
على الرغم من ارتفاع الأصوات الشعبية والشكاوى على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنه لم يرد حتى لحظة إعداد التقرير أي رد أو تعليق رسمي، حول موضوع جودة المخصصات أو إغلاق الأفران العامة، في خطوة يراها مراقبون انعداماً للمسؤولية وتهميشاً للحياة الخدمية في دير الزور، الذي أُثبتت مظلوميته بالاستثمارات التي طالت مشاريع نفطية مع إغفال أولوية قطاعي الزراعة والمياه، وفقاً لرأيهم.
ويستند هؤلاء في موقفهم، إلى ضرورة النهوض بهذين القطاعين الحيويين لتعزيز الاستثمار النفطي، كسبيل لانتشال المحافظة من تدهور أمنها الغذائي، في ظل ما يسمونه بسياسات التهميش الممنهجة.
يتضح مما سبق، أن أي إهمال للجوانب الزراعية والمائية، سينعكس بشكل سلبي ومباشر على الغذاء وتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار، مما يعرقل أي خطوة استثمارية لاحقة، فالمشاريع التنموية تحتاج قاعدة شعبية مستقرة لا يشوبها احتقان اجتماعي وكبت معيشي متردّ، وبما أن دير الزور كانت مصدراً غذائياً لملايين السوريين، والعمود الفقري لزراعة البلاد، لا بدّ من الوقوف بشكل جدي عند أي مشكلة تعرقل طريقها الغذائي، فتعافيها يعني دفعاً جديداً لعجلة تحسين الواقع السوري بشكل عام، حسبما يعتقد سياسيون محليون.
أرقام تكشف عمق الأزمة
وفي هذا الصدد، يشير رئيس اتحاد الفلاحين في دير الزور حمد عبود الخضر، إلى خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في المحافظة من دائرة الإنتاج بشكل كامل، وتُقدر مساحتها بأكثر من 70 ألف دونم، مما يشكل تحدياً حقيقياً للقطاع الزراعي، مؤكداً تضرر عدد كبير من الجمعيات الفلاحية التي اضطرت إلى التوقف عن العمل نتيجة لقلة الدعم وشحّ الإمكانيات.
فيما تشير بيانات محلية إلى إهمال الأراضي الصالحة للري والزراعة، والتي يصل مجموع مساحتها إلى حوالي 19,400 هكتار، مؤكدة ضرورة التوجه نحو إصلاح وإعادة تأهيل 43 محطة ري إلى جانب شبكة ري، فضلاً عن الحاجة الماسة أيضاً إلى صيانة مباني خدمية هامة ويقدر عددها بحوالي 13 مبنى، إضافة إلى 16 مركزاً زراعياً.
هذه الأرقام تكشف عمق الأزمة الزراعية التي تُعد مرآةً للمشكلة الغذائية لا سيما أزمة الخبز في دير الزور، مما ينعكس بشكل مباشر على السلل الغذائية للمواطنين السوريين بكافة أرجاء البلاد، بالتالي يعزز موقف الناشطين برفع الصوت لتوجيه استثمارات حقيقية تنتشل القطاع الزراعي والمائي من واقعهما المتردي على حدٍّ سواء.
حلول ومقترحات
عدة مقترحات طرحها ناشطون محليون على مواقع التواصل الاجتماعي، للحد من الغش في مادة الطحين وتحسين جودة إنتاج الخبز في دير الزور، أبرزها تحسين شفافية سلاسل التوريد لضمان متابعة سير عملية الإنتاج بشكل سليم دون غش أو تلاعب عبر تعقبها من مصدر الدقيق وصولاً للمرحلة النهائية، إضافة إلى وضع معايير ورقابة صارمة للتأكد من توافق المنتجات مع المواصفات اللازمة، فضلاً عن تثقيف المستهلك وإجراء الاختبارات والفحوصات المستقلة (المحايدة) للكشف المبكر عن أي حالة غش.
أما بالنسبة لزراعة دير الزور التي تُعتبر جوهراً رئيسياً لتفاقم الأزمة الغذائية وتراجع الطحين، فيشير رئيس اتحاد الفلاحين إلى مجموعة من المقترحات، نذكرها كما يلي:
- إصلاح السواقي الترابية التي تشكل عائقاً رئيسياً في طريق وصول المياه إلى الأراضي، وذلك يتم من خلال تحويلها إلى إسمنتية.
- دعم الفلاحين عبر تقديم قروض طويلة الأمد دون فوائد
- تخفيف أعباء الجمعيات الفلاحية عبر إعفائهم من الديون المترتبة عليهم لصالح مؤسسة الكهرباء.
- ضرورة تزويد المحافظة بمعدات هندسية لتنظيف “مجارير الصرف” بالتالي الحد من ظاهرة تملح الأراضي.
- دعم الفلاحين بالأسمدة ذات الأسعار المناسبة، مع إصدار تسعيرة موحدة وعادلة قبل الموسم الزراعي.
- تزويد الفلاحين بالمبيدات العامة وتوفير البذور الشتوية والصيفية.
- ضرورة دعم اتحاد الفلاحين بآليات ثقيلة لتتماشى مع مساحات الأراضي الواسعة.
تبقى مسألة أزمة الخبز في دير الزور اختباراً حقيقياً لنجاعة السياسات الحكومية في تخطي المشكلة، عبر دمجها للحلول قصيرة المدى والخطط الاستراتيجية طويلة الأجل، للنهوض بواقع الأمن الغذائي وإنقاذ ما تبقّى من كنوز زراعية يمكن إصلاحها واستغلالها قبل فوات الأوان.
اقرأ أيضاً: القمح السوري: مواصفات عالمية تحجبها التحديات!









