المجتمع السوري

الحياة الإلكترونية في سوريا.. تسوق وتواصل يومي وتوتر مستمر

حين تتحول الشاشات إلى مصدر ضغط.. الحياة الافتراضية الالكترونية والتوتر اليومي

بقلم: ريم ريّا

مؤخراً في سوريا، لم يعد التسوق الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي (الحياة الإلكترونية)، مجرد أدوات للراحة أو الترفيه، بل تحولاً تدريجياً إلى مصادر يومية للتوتر والضغط النفسي. فالتعرض المستمر للإعلانات، والمقارنات الاجتماعية، وتدفق الأخبار والصور، يفرض إيقاعاً متسارعاً يصعب الفكاك منه، ويخلق شعوراً دائماً بعدم الاكتفاء أو التأخر عن الآخرين.

لكن في السياق السوري، تتخذ هذه الظاهرة أبعاداً أكثر تعقيداً، إذ يتقاطع الاستخدام المكثف لهذه المنصات مع أوضاع اقتصادية ضاغطة، وتقلبات معيشية حادة، وفجوة واضحة بين ما يُعرض على الشاشات وما يمكن تحقيقه في الواقع. وبين الحاجة إلى المتابعة والبحث عن فرص أو بدائل، والرغبة في الهروب المؤقت من الضغوط اليومية، يجد كثير من السوريين أنفسهم عالقين في دائرة رقمية تزيد التوتر بدلاً من تخفيفه.

دراسات حول الحياة الإلكترونية والتوتر الناتج عنها

هناك دراسة علمية حديثة، أجراها باحثون في جامعة آلتو الفنلندية، من أن التسوق عبر الإنترنت قد يكون مرتبطاً بارتفاع مستويات التوتر النفسي، بشكل يفوق في بعض الحالات التأثير الناتج عن قراءة الأخبار أو تفقد البريد الإلكتروني.

كما أظهرت الدراسة وجود ارتباط عام بين كثافة استخدام الإنترنت وارتفاع التوتر، ولا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون أصلاً من ضغوط نفسية، مع تسجيل مستويات توتر أعلى لدى النساء مقارنة بالرجال. وبيّنت النتائج أن مستخدمي منصات البث المرئي والألعاب الإلكترونية سجلوا مستويات توتر أعلى، في حين أبلغ بعض المستخدمين الذين يقضون وقتاً أطول في تصفح البريد الإلكتروني أو مواقع الأخبار عن مستويات توتر أقل.

أشارت النتائج كذلك، إلى أن زيادة استخدام الإنترنت لأغراض التسوق أو التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ارتبطت بارتفاع معدلات التوتر المبلغ عنها بشكل ذاتي، لدى فئات مختلفة من المستخدمين، وهذا ما يتعارض مع الاعتقاد السائد بأن هذه الأنشطة تساهم في تحسين الحالة النفسية أو تخفيف الضغوط اليومية.

اقرأ أيضاً: التأخر التقني في سوريا نعمة! العالم يستبدل موظفيه بالذكاء الاصطناعي

أثر استخدام مواقع التواصل والحياة الإلكترونية على السوريين

في عام 2025، كان هناك حوالي 9.25 مليون مستخدم للإنترنت في سوريا بحلول أكتوبر، مما يمثل نسبة انتشار تبلغ 35.8% من إجمالي السكان، مع وجود اختلافات كبيرة بين المناطق الحضرية والريفية، حيث تظهر البيانات استخداماً متزايداً في المناطق الحضرية ومستويات أقل في الريف، وبلغ معدل سرعة تنزيل الإنترنت عبر الهاتف المحمول حوالي 12.68 ميجابت/ثانية.

لكن، بالرغم من هذا الكم الهائل من المستخدمين والناشطين في الحياة الإلكترونية في سوريا، لا توجد أرقام دقيقة ومُحدّثة لعدد السوريين الذين يتسوقون إلكترونياً، لكن الإحصاءات (لأواخر 2025) تظهر نمواً مع وجود حوالي 146 متجر إلكتروني، ومعظمها يبيع أقل من 100 منتج شهرياً وعدد زوارها محدود، مما يدل على أن التجارة الإلكترونية في سوريا لا تزال في مراحلها الأولى وتواجه تحديات كقلة المصداقية، لكنها تعتبر فرصة للنمو خاصة مع زيادة استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، ووجود رغبة في رقمنة الاقتصاد.

من خلال الدراسة والبيانات التي أمامنا، نلاحظ أن أثر استخدام الحياة الإلكترونية في سوريا سواءً من خلال التسوق الإلكتروني أو مواقع التواصل الاجتماعي، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي وحسب، بل يمتد ليشكل مصدراً متزايداً للتوتر النفسي لدى كثير من السوريين.

فالمستخدم  السوري يجد نفسه محاصراً بإعلانات مغرية ومنشورات ترويجية لا تتوقف، في ظل دخل محدود وارتفاع مستمر في الأسعار، ما يخلق شعوراً دائماً بالعجز والمقارنة والضغط الاستهلاكي. يضاف إلى ذلك الخشية والقلق من التعرض للغش أو الاحتيال، والخوف من خسارة المال في ظل غياب الضمانات القانونية الكافية، رغم وجود قانون خاص ينظم الجرائم الإلكترونية ويجعل الغش والاحتيال من الأفعال المعاقب عليها، إلا أنه لا يزال يفتقر إلى آليات قانونية وإجرائية فعّالة لضبط هذه الجرائم حتى الآن.

الأمر الذي يحوّل عملية الشراء من تجربة يفترض أن تكون مريحة إلى عبء نفسي مليء بالشك والتردد. كما يعزز التواصل الاجتماعي هذا التوتر عبر عرض أنماط استهلاك مثالية أو مبالغ فيها، تزيد الإحساس بالفجوة الاجتماعية والاقتصادية، وتجعل الفرد في حالة توتر دائم بين الرغبة في الشراء والحاجة إلى الحذر.

مخاطر العبث الرقمي على حياة السوريين

تواجه شريحة واسعة من لسوريين جملة من المشاكل والمخطر التي ترتبط بالتسوق والتواصل الإلكتروني، في مقدمتها نتشار صفحات وهمية وباعة مجهولين يفتقرون لأي صفة قانونية أو سجل تجاري، ما يجعل المستهلك عرضة للنصب والاحتيال دون وسيلة فعالة لاسترداد حقه. كذلك هناك انعدام للشفافية في الأسعار، وعدم مطابقة المنتجات للصور والمواصفات المعروضة، إلى جانب مخاطر صحية ناتجة عن استخدام مواد تجميلية وربما غذائية مجهولة المصدر.

أما على مستوى التواصل الاجتماعي، يبرز الاستغلال التجاري للمستخدمين من خلال الإعلانات المضللة وجمع البيانات الشخصية دون علمهم. إضافةً إلى انتشار الشائعات والتضليل، ما قد يضعف الثقة ويزيد من هشاشة الوعي الرقمي، تحديداً في ظل ضعف البنية القانونية والرقابية، فتتحول المنصات الإلكترونية من أدوات تسهيل إلى بيئة غير آمنة، تُحمل المواطن إلى جانب الأعباء المالية تبعات نفسية إضافية، هو في غنى عنها.

الحلول المتوفرة لمواجهة مخاطر الحياة الإلكترونية

لكي يتمكن السوريون، من مواجهة تحديات الإنترنت والتوتر الناجم عليهم اتباع مجموعة من الحلول الوقائية والعلاجية التي توازن بين الحياة الرقمية والواقعية.

في البداية، يجب وضع جدول زمني صارم لاستخدام الإنترنت وتحديد أوقات محددة للعمل، الدراسة، أو الترفيه. بالدرجة الثانية عليهم تنويع الأنشطة اليومية بعيداً عن الشاشات مثل ممارسة الرياضة، القراءة، والهوايات، ما يعزز من الشعور بالإنجاز ويقلل من الاعتماد الرقمي.

ولتجنب التوتر والضغط النفسي الناتج عن ما يشاهدونه، يجب تخصيص أوقات خالية من الأجهزة ومواقع التسوق وغيرها من المنصات التي تسبب لهم توتراً وضغطاً نفسياً. كذلك عليهم تعزيز الوعي الذاتي ومراقبة دوافع الاستخدام التي تساعد على منع الانغماس القهري في الإنترنت أو التسوق الإلكتروني.

في النهاية، يمكن اللجوء إلى الدعم النفسي المتخصص، بما في ذلك العلاج النفسي السلوكي (CBT)، إضافةً إلى جلسات الدعم الفردي والجماعي، والتسجيل في برامج متابعة من مراكز متخصصة، حيث توفر هذه البرامج استراتيجيات عملية للتعامل مع الضغوط الرقمية، ومنع الانتكاس، واستعادة التوازن النفسي والاجتماعي للمستخدمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى