ثقافة وتراث

الحميدية والسقطية وغراند بازار.. ما القاسم المشترك بين الأسواق الثلاثة؟

عند التنقل في رحاب أسواق مثل الحميدية في دمشق والسقطية في حلب، أو الغراند بازار في إسطنبول، يلفت نظر المرء الشبه العميق بين هذه الأسواق الشعبية، على الرغم من اختلاف البلد و المدن والثقافات المحلية، لكن هناك خيط مدهش وعجيب يربط بين الفضاءات الشعبية الثلاثة. عند النظر بينهم نلمح ذات الطراز العمراني العثماني، والأسقف التي تظلل أرضية الأسواق، وذات التوزع في الدكاكين على جانبي أرضية السوق. في مقالنا هذا سنعرض لمحة عن تاريخ الأسواق الثلاثة، ونستخرج الأشياء المشتركة بينها.

لمحة عن الأسواق الثلاثة (الحميدية – السقطية – غراند بازار)

  • سوق الحميدية

يبدأ سوق الحميدية عند نهاية شارع النصر مع شارع الثورة عند منطقة الدرويشية ويمتد لمسافة تقارب الميلين. الجزء الأول منه يقع بجوار قلعة دمشق وبه العديد من المساجد والمباني التاريخية العريقة وتصطف على جانبية المحلات التجارية من كل نوع وصنف على طابقين، وتتفرع منه أسواق كثيرة، وينتهي سوق الحميدية عند بوابة معبد جوبيتر الدمشقي وأعمدته الباسقة ومنه إلى الساحة أمام الجامع الأموي في قلب المدينة القديمة.

يعتبر أشهر أسواق دمشق في سوريا وأهم وأشهر أسواق الشرق على الإطلاق وأكثرها جاذبية وجمال، وقد وصفه المؤرخون بأنه فسيح رائع البناء، ووصف كذلك بأنه مدينة تجارية صناعية في قلب دمشق القديمة، ووصفه الباحثون بأنه درة الأسواق وأجملها، لا يوجد عدد تقريبي لزائريه بشكل سنوي، لكن من المعروف أنه لا أحد يزور دمشق ولا يمر بالحميدية.

سوق الحميدية

  • سوق السقطية

أحد أشهر أسواق المدينة القديمة في حلب ويعد واحداً من بين 37 سوقاً يحيط بقلعة حلب الأثرية، وكان يستقطب آلاف التجار والسياح قبل عام 2011، يمتد على طول نحو مئة متر في المدينة القديمة التي أدرجتها اليونيسكو على قائمة التراث المهدد بالخطر بسبب جرائم الدمار والأضرار التي لحقت بها خلال الحرب.

يعود تاريخه للقرن الرابع قبل الميلاد، يتألف اليوم من 53 محلاً تجارياً تباع فيه مختلف أنواع الأطعمة والمواد الأولية التي تدخل في صناعة الحلويات، والعديد من المواد الأخرى.

سوق السقطية

  • غراند بازار

إنّه “قلب ودماغ وروح إسطنبول” بهذه الكلمات وصف الشّاعر الحائز على جائزة نوبل “جوزيف برودسكي” السوق الكبير ضمن كتابه “رحلة إلى إسطنبول”. كما وصفه بأنَّه مدينة داخل مدينة، يتميز بموقعه في منطقة “بيازيد”، قلب مدينة إسطنبول وعلى مسافة قريبة من مسجد “آية صوفيا” والجامع الأزرق، إلى جانب عدد من المعالم السياحية الشهيرة في المدينة.

وتشير الإحصائيات، أنه يدخل إليه 91 مليون و250 ألف زائر في العام الواحد، وتقدر بعض الدراسات الأخرى العدد بقرابة 400 ألف زائر بشكل يومي.

غراند بازار

اقرأ أيضاً: ثلث بضائع الأسواق السورية “سم في الدسم”: كيف يشتري المواطن الخطر بماله؟

العوامل المشتركة بين الأسواق الثلاثة

لا يخفى على من زار تلك الأسواق وتجول فيها وجود عوامل مشتركة بينها تكاد تشير إلى أن بانيها سار على نهج عمراني واحد، فالأسواق الثلاثة مسقوفة وحجر البازلت الأسود يزين جنباتها، حتى توزع المحلات على جنباتها مثير، وأشياء أخرى سنأتي على عرضها في مقالنا.

لكن اللافت أيضاً في الأشياء المشتركة بين الأسواق الثلاث هو تعرضها للحرائق والكوارث الطبيعية وتم ترميمها على إثر ذلك. لنبدأ بعرض الأشياء المشتركة ومناقشتها.

  • لمسة البناء والتأسيس العثمانية

عند النظر للأسواق الثلاثة نستخلص أنها ذات أصل عثماني في البناء، وأن الباني العثماني كان له طابع خاص ببناء الأسواق إذ يحرص على أن تكون مسقوفة لتقي من حرّ الصيف وبرودة الشتاء، ويحرص على أن يكون هناك سوق مسقوف مركزي ويتفرع عنه العديد من الأسواق، كما أن هيكلية البناء تعتمد على توزع المحلات على جانبي أرضية الأسواق بشكل متلاصق، ونوعية مواد البناء في الأسواق الثلاثة تعتمد على الحجر اعتماداً كبيراً، أكثر من الأخشاب على خلاف أنماط بناء أسواق أخرى. واللافت أن الأسواق الثلاث محاطة بأبواب ومنافذ كثيرة.

فغراند بازار في اسطنبول، يوصف بالسّوق بالمسقوف لأنه مغطى من الأعلى بسقوف على شكل أقواس تظهر كتحفة معماريّة وفنّية تلفت الانتباه، وتثير إعجاب الناظرين بهندستها الفريدة، وألوانها الجميلة. والسوق محاط بأحد عشر باب رئيسي من بينها باب بايزيد، وباب محمود باشا، وباب نور عثمانيّة، وباب أورجو، وباب السّوق، وباب المنجّدين. يعد البازار الكبير، الذي تم بناؤه بين عامي 1451 و 1481 في عهد السلطان محمد الثاني “الفاتح” ، أحد أكبر وأقدم الأسواق أو الأسواق المغطاة في العالم، وتبلغ مساحته 30,700 متر مربع.

أما سوق الحميدية، فأمر ببنائه السلطان العثماني عبد الحميد الأول، وإليه نُسب. وهو مغطًّى بالكامل بسقف من الحديد مملوء بالثقوب الصغيرة التي تنفُذ منها أشعَّة الشمس في النهار، ومبلَّط بحجر البازلت الأسود، وكان يعتقد أن الثقوب الموجودة بالسقف لدخول ضوء الشمس، لكن الروايات المحلية تقول بأن هذه الثقوب ناتجة عن رصاص العراضات الشامية في الأفراح.

يعتبر سوق السقطية في حلب بمحاله ذات الأبواب الخشبية من أقدم الأسواق في المدينة، مميز بتراص محاله التجارية الصغيرة على جانب ممر حجري، تعلوهم بقبة حجرية، ويمتد السوق على طول يقارب مئة متر في قلب المدينة القديمة.

اللافت كذلك أن هذه الأسواق الثلاثة محاطة بالعديد من الأماكن الأثرية والنقاط المهمة في المدن التي تتواجد فيها، أبرزها القلاع، فسوق الحميدية تجاوره قلعة دمشق، وسوق السقطية تجاوره قلعة حلب والمسجد الأموي الكبير، وغراند بازار يجاوره مسجد “آية صوفيا”، وكأن المعماري العثماني كان يتعمد وجود هذه الأسواق الشعبية المسقوفة بجانب نقاط هامة في المدن التي تجاورها لجعلها مركز شعبي جامع.

الأسواق الثلاثة أسواق شعبية لكن كل منهم يتميز بمنتج شعبي خاص فيه، فسوق الحميدية يتميز ببوظة “بكداش” العريقة والشهيرة والتي تعتبر أصل البوظة العربية وتشكل جزء من هوية السوق، وسوق غراند بازار يتميز بالقهوة التركية التي تفوح منه عند دخول السوق وكذلك تشكل هوية السوق والمنتج الأبرز من جملة المنتجات المعروضة فيه، أما سوق السقطية فمميز بالتوابل الحلبية الرائعة والصابون الحلبي ذو الرائحة العطرة.

  • الكوارث الطبيعية والحرائق والحروب

من النقاط المشتركة تعرض هذه الأسواق الجميلة لكوارث إما طبيعية أو بشرية بفعل الصراعات والحروب، ما تطلب ترميمها بعد كل حادثة.

أبرز الأحداث التي أصابت سوق الحميدية، هو الحريق الذي نشب في عام 1912، والذي اعتبر لحظة فريدة في تاريخ السوق. تسبب هذا الحريق في دمار أجزاء واسعة من السوق وأثر على التجار والسكان المحليين، مما دفع المجتمع إلى العمل معاً لإعادة بناء السوق واستعادة نشاطه،  كما تعرض السوق للقصف خلال أحداث ما يعرف بثورة الجبل، مما أدى إلى تدمير جزء آخر من السوق، وترك القصف أثراً طويل الأمد على هيكل وأساسيات السوق، وتعرض سوق السقطية في حلب لأعمال تدمير وحريق هائل نتيجة القصف أبان الأحداث السورية، ألحق أضراراً كبيرة فيه خرّبت ملامحه، مما استدعى عمليات ترميم كبيرة لإعادته كما كان.

أما غراند بازار، حلّت به كوارث وحرائق وزلازل بشكل متكرر، إذ وقع الحريق الأول عام 1515، وآخر عام 1548. دمّرت حرائق أخرى المجمع خلال سنوات متعددة. كان حريق عام 1701 ضخماً، مما أجبر الصدر الأعظم داماد إبراهيم باشا النوشهري على إعادة بناء عدة أجزاء من المجمع في 1730-1731، لعل أشهر ما تعرض له في القرن الماضي هو “الحريق الكبير” الذي التهم جزءاً كبيراً منه عام 1940.

اقرأ أيضاً: اليونسكو تدرج “القدود الحلبية” على قائمة التراث الإنساني العالمي

ختاماً، الأسواق الثلاثة ومع اختلاف مواقعها تحسبها سوقاً واحداً بسبب الطراز العمراني العثماني في هندسة الأسواق والذي يعتمد على الأسقف وتراص الدكاكين وتحلّقها حول الأرضيات التي في الغالب تكون مرصوفة بالحجارة كذلك، ويعتمد الباني العثماني على الطراز الإسلامي في البناء، وهندسة الأسواق العثمانية تبعث الراحة في نفس الزائر عند التجول فيها. إذ تشترك هذه الأسواق عدى عن أنها أسواق شعبية باللمسة المعمارية العثمانية وبحلول الكوارث والحرائق عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى