الحمضيات في اللاذقية بين التهميش والتراجع .. ما علاقة تركيا؟

بقلم: ديانا الصالح
مشكلة قديمة بتفاقمٍ متجدد، دون آذانٍ صاغية، تلك هي حال إنتاج الحمضيات في اللاذقية، الذي يعيل عشرات آلاف الأسر في المنطقة، حيث يشهد تراجعاً شديداً في ظلّ تضافر الظروف والعوامل التي تثقل كاهل الفلاحين والسوق المحلي على حدٍّ سواء، وفي هذا السياق يُطرح تساؤل هام: متى ستنتهي حقبة تهميش كنوز الأرض؟ وما دور الجهات المعنية في إنقاذ ما تبقى من أعمدة الإنتاج الزراعي في المحافظة؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
الحمضيات في اللاذقية تترنّح
عدّة عوامل مناخية وخدمية تتضافر لتشكل خيبة أمل باتت مألوفة لمزارعي سوريا عموماً واللاذقية خصوصاً، أبرزها ندرة المياه، فقلة الهطولات المطرية أدت إلى موجة جفاف طالت السدود والآبار على حدٍّ سواء، فضلاً عن انعدام وصول مياه الري الرئيسية، الأمر الذي أسفر عن لجوء الفلاحين نحو شراء المياه بتكاليف باهظة.
كما تشكل أزمة مصانع العصير والتحويل ضمن المنطقة، سبباً رئيسياً لانعدام المردود الإنتاجي لمحصول الحمضيات في اللاذقية، حيث حصرت بيع غالبية المحصول بشكله الخام، لتقف كجدار فصل بين الفلاح وربحية التحويل إلى منتجات متنوعة بعمر تخزيني أطول (كالعصائر والمربيات وغيرها).
علاوة على ذلك، تأتي العقبات الاقتصادية واللوجستية المتعلّقة بالتصدير كضربة قاسمة لظهر الإنتاج، منها تكاليف الشحن المرتفعة، وقيود تحويل العملات فضلاً عن صرامة نقاط التفتيش الحدودية، والسمعة المضروبة لحمضيات سوريا نتيجة ربطها بتهريب المخدرات.
وعلى الرغم من عقد عدة اجتماعات حكومية لمناقشة المشكلات المتعلقة بتسويق محصول الحمضيات في سوريا، إلا أنها لم تفضِ إلى أي نتائج إيجابية ملموسة وفقاً لتقارير محلية، حيث أكدت انعدام الحلول الجدية وسيادة حالة من التشتت بالخطط والرؤى الاقتصادية الواضحة تجاه الإنتاج الزراعي السوري، بالتالي انعكست سلباً على الواقع المعيشي للفلاح والسوق المحلية، نتيجة لارتفاع تكاليف الدورة التسويقية المعتادة (الجمع، التعبئة، التخزين، النقل والتوزيع، البيع).
أرقام صادمة تعكس ضرورة الحلّ
يشير مدير الزراعة في محافظة اللاذقية عبد الفتاح السمر إلى انخفاض إنتاج الحمضيات لموسم 2025 ليبلغ 440 ألف طن حسب التقديرات الإنتاجية، مقارنة بعام 2024 الذي سجل قيمة إنتاج بـ 540 ألف طن، والذي يُصنّف هو الآخر ضمن خانة التراجع الملموس بالمقارنة مع إنتاج موسم 2023 الذي بلغ أكثر من 841 ألف طن.
وتعود أسباب التراجع وفقاً لما أفاد به مدير الزراعة إلى موجة الصقيع خلال شهر شباط الفائت، إضافة إلى ما تبعها من ارتفاع بدرجات الحرارة، فضلاً عن الآثار السلبية للحرائق التي طالت عدداً من مناطق الإنتاج في المحافظة.
فيما تُقدر المساحات المزروعة بمحصول الحمضيات في اللاذقية بما يقارب 31 ألف هكتار، لتزود البلاد بنحو 77% من إجمالي الإنتاج المحلي للحمضيات، ويصل عدد الأشجار الإجمالي إلى حوالي 10.2 مليون، تشكل مصدر رزق نحو 44 ألف عائلة، وفقاً للإحصائيات الرسمية.
بالتالي، تعكس هذه الأرقام الرسمية، الضرورة القصوى للتعامل مع الأزمة التي تمرّ بها محاصيل الحمضيات في اللاذقية، فأي تهديد يعترضها، سيشكل خطراً على 77% من إنتاج البلاد، بالتالي تؤثر سلباً على الأمن الغذائي الذي يقف أصلاً على حافة الهاوية وفقاً لبيانات برنامج الأغذية العالمي لعام 2024، حيث أكد أن ما يقارب 12.1 مليون سوري، أي ما يزيد عن 50% من السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم 3.1 مليون يُصنفون بخانة الجوع الشديد، فيما سجل معدل سوء التغذية للرضع والأمهات السوريات مستويات غير مسبوقة.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أهمية توجيه الاستثمارات الموعودة بإعادة إعمار سوريا نحو القطاع الزراعي باعتباره الأساس الذي يُبنى عليه اقتصاد أي دولة، لما يوفره من فرص عمل مُستدامة وانعكاس مباشر على الأمن الغذائي، صحيح أن هناك بعض الخطوات الاستثمارية ولكنها ليست بالقدر المنشود مقارنةً بما يتم توجيهه لقطاعات السياحة والنقل وفقاً للتقديرات التحليلية، ما يعكس فجوة عميقة بين الحاجة الفعلية وتوجهات الاستثمار المُعلنة.
حلول مقترحة
يمكن لسوريا الاستفادة من التجربة الإسبانية التي رفعت جودة محاصيلها الحمضية في المناطق ذات الصفات المناخية القاسية، عبر اعتمادها أنظمة الري الحديثة التي باتت ضرورة لا بدّ منها لإنقاذ مقومات البلاد الزراعية، إضافة إلى تقديم دعم حكومي قادر على انتشال المزارع من محنته لتبقى عزيمته متّقدة نحو الإنتاج دون فتور ما ينعكس إيجاباً على الكينونة الاقتصادية للبلاد.
وتتجلى أشكال الدعم المطلوب بالإجراءات التركية التي عززت القطاع الزراعي مثل توسيع برامج الدعم، وتقديم الحوافز المادية لسكان الأرياف، فضلاً عن اعتمادها هي الأخرى على تقنيات الري الحديثة، إلى جانب دعم المستشارين الزراعيين والمواد الزراعية كالأسمدة.
يبدو أن أهمية الفلاح والزراعة السورية محصورة بالأناشيد والكتب المدرسية، كلحن نتغنى به عن الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، فمنذ الثمانينيات وحتى وقتنا الحاضر الزراعة تُظلم والفلاح يُقهر، حيث بدأ التحول التدريجي نحو سياسة تهميش ممنهجة أقصت دور القطاع الزراعي السوري، لتحول الاقتصاد عن مساره المعتمد على الزراعة كعصب إنتاج قوي إلى جهة مجهولة تُلغي دور أحد أهم أعمدة الإنتاج المحلي، فهل نشهد في الأيام القادمة حلولاً جدية تعيد قيمة الزراعة السورية إلى سابق عهدها؟
اقرأ أيضاً: الاستثمار السياحي في سوريا: مطلب أم مهرب؟









