أعمال واستثمار

الحسكة.. وفرة الخضراوات تخفض الأسعار وتضع المزارعين أمام تحدي التسويق

بقلم: ريم ريّا

تشهد أسواق محافظة الحسكة حالة حركة كثيفة في مبيعات المنتجات الزراعية خلال موسم الخضراوات الصيفية. فقد تجاوزت المساحة المزروعة المساحة المتوقعة لهذا الموسم، حيث بلغت 48 ألف طن. وقد أدى ذلك إلى وفرة في الخضراوات واستقرار في الأسعار، ولكنه فرض في الوقت نفسه تحدياً آخر على المزارعين: بيع محاصيلهم وتحقيق دخل كافٍ لتغطية تكاليف الزراعة.

حسب بيانات مديرية الزراعة في الحسكة، بلغت المساحة المزروعة بالمحاصيل الصيفية هذا الموسم حوالي 5968 هكتاراً، مقارنةً بالمساحة المتوقعة البالغة 4142 هكتاراً. وهذا يعني أن المساحة المزروعة تجاوزت الهدف المحدد بشكل كبير.

في الحسكة.. إنتاج أعلى من المتوقع

بدأ تسويق الخضراوات الصيفية في المحافظة مطلع شهر حزيران واستمر طوال الموسم الزراعي، مدفوعاً بتفضيل المزارعين للزراعة في المناطق التي تتوفر فيها مصادر المياه بكثرة وتكون أقل عرضة للآفات الزراعية. من أبرز المحاصيل الطماطم والخيار والكوسا والباذنجان والبامية، بالإضافة إلى البطيخ والشمام. وتتركز زراعتها في عدة مناطق ريفية قريبة من المراكز الحضرية، لا سيما في مناطق الحسكة والقامشلي وعامودا.

قد ساهم ازدياد الإنتاج في تزويد الأسواق المحلية بكميات كبيرة من الخضراوات، مما أثر بشكل مباشر على الأسعار. كما ساهم العرض الوفير في الحد من ارتفاع الأسعار الذي قد يحدث خلال فترات انخفاض الإنتاج.

بالنسبة للمستهلكين، الوضع أكثر إيجابية. فوفرة الإنتاج تعني استمرار وصول الخضراوات إلى الأسواق بأسعار منخفضة بشكل نسبي، مع تنوع أكبر في المنتجات وانخفاض احتمالية النقص خلال موسم الذروة. وتستفيد الأسواق المحلية من تدفق المنتجات الزراعية من المناطق المحيطة بالمدن. حيث تصل كميات كبيرة إلى أسواق الجملة قبل توزيعها على أسواق الحسكة والمناطق الأخرى حسب الطلب.

يوفر هذا التدفق للمستهلكين خيارات أوسع، ويربط الأسعار بشكل أوثق بالعرض اليومي، خاصةً بالنسبة للسلع سريعة التلف التي لا يمكن تخزينها لفترات طويلة.

اقرأ أيضاً: خضار حماة.. وفرة الإنتاج تضغط على المزارعين

عندما يصبح وفرة المحاصيل عبئاً على المزارعين

انخفاض الأسعار لا يعني الشيء نفسه لجميع المشاركين في السوق. فالمزارعون الذين استثمروا في البذور والأسمدة والمبيدات والري والعمالة يحتاجون إلى سعر بيع عادل لضمان استمرارية الموسم. ومع وصول كميات كبيرة من المحاصيل في وقت واحد، قد يُضطر المنتجون إلى البيع بسرعة، حتى بأسعار منخفضة، لتجنب التلف والخسارة الكاملة للقيمة.

تتفاقم هذه المشكلة بشكل خاص مع الخضراوات التي تتطلب أن توزع بأسرع وقت، حيث لا يملك المزارعون بشكل دائم القدرة على تخزينها وانتظار تحسن الأسعار. وهكذا، يصبح موسم الوفرة سلاح ذو حدين، فالمستهلكون يستفيدون من انخفاض الأسعار، بينما يحتاج المزارعون إلى استراتيجيات تسويقية أفضل لمنع زيادة الإنتاج من تقليص هوامش أرباحهم.

يرتبط الحصاد الوفير بعدة عوامل، منها أحوال الطقس والمياه في الموسم، بالإضافة إلى توافر المياه الجوفية في مناطق الإنتاج. بحسب تقرير منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، ساهمت أمطار الشتاء الماضي في رفع منسوب المياه الجوفية والآبار، مما مكّن المزارعين من ضمان ري محاصيلهم طوال فصل الصيف. كذلك، ساهمت التحسينات في بعض الممارسات الزراعية، مثل تنظيم الري ومكافحة الآفات واستخدام الأسمدة والمبيدات حسب احتياجات المحاصيل، في تعزيز الإنتاج وزيادة الكفاءة الزراعية للعديد من المنتجين.

تسويق الخضراوات هو الاختبار الحقيقي

في حين أن تجاوز الخطة الزراعية وزيادة الإنتاج مؤشران إيجابيان على النشاط الزراعي في الحسكة، فإن الفائدة الاقتصادية لهذا الإنتاج تعتمد على قدرة الأسواق على استيعاب الكميات وبيعها. ثمة حاجة ماسة إلى قنوات تسويقية أكثر تنظيماً قادرة على توزيع الإنتاج بين المناطق والأسواق حسب الطلب. من شأن ذلك أن يساعد في الحد من تقلبات الأسعار الحادة ويمنح المزارعين فرصة أفضل لتغطية تكاليفهم.

حقيقةً وفي الختام، لا يقاس نجاح الموسم الزراعي في أي مكان بكمية المحصول فقط، بل بقدرة “المُنتج” على بيع محصوله بسعر يضمن استمرار الزراعة. في الحسكة، يبدو أن وفرة الخضراوات قد أفادت المستهلكين بشكل واضح، ولكن لتحويل هذه الوفرة إلى ربح مستدام للمزارعين، يلزم وجود سوق مستعد لاستيعاب الإنتاج وتنظيم عملية التسويق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى