الحسكة تحت ضغط الكهرباء: أزمة ممتدة وحلول ما زالت على الورق

بقلم هلا يوسف
تواجه محافظة الحسكة أزمة خدمية متصاعدة خصوصاً في قطاع الكهرباء لكونه من أكثر القطاعات تأثراً وأشدها ارتباطاً بالحياة اليومية للسكان. فمع الانقطاع شبه الكامل للتيار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة، ازدادت معاناة الأهالي، وتراجعت قدرة المؤسسات الخدمية على أداء مهامها، كما تأثرت القطاعات الاقتصادية والإنتاجية بصورة مباشرة.
ولا تقتصر آثار أزمة الكهرباء على الإنارة المنزلية فقط، بل تمتد إلى تشغيل محطات المياه والمشافي والأفران والمنشآت الزراعية والصناعية، ما يجعل من هذا الملف قضية حيوية ترتبط بالاستقرار المعيشي والخدمي في المحافظة. وفي الوقت الذي تعاني فيه البنية التحتية من نقص الإمكانيات، تتزايد الدعوات المطالبة بإعادة تأهيل الشبكات الكهربائية وتفعيل المؤسسات الحكومية المعنية.
تراجع المنظومة الكهربائية في الحسكة
وفي هذا الخصوص، أكد مدير عام كهرباء محافظة الحسكة، المهندس صالح إدريس، أن واقع الكهرباء في المحافظة سيئ جداً، موضحاً أن السبب الرئيسي يعود إلى غياب مصادر التوليد المحلية والاعتماد شبه الكامل على خطوط تغذية خارجية.
وتعتمد المحافظة حالياً على خط كهربائي وحيد بجهد 230 كيلوفولت قادم من سد الطبقة في محافظة الرقة، وهو المصدر الأساسي لتغذية الشبكة الكهربائية. ويجعل هذا الاعتماد الأحادي المنظومة الكهربائية شديدة الهشاشة، حيث يؤدي أي عطل أو انقطاع في الخط إلى توقف التغذية عن مناطق واسعة.
كما أشار إدريس إلى توقف خطوط رئيسية أخرى كانت تغذي المحافظة سابقاً، من بينها خط سد تشرين القادم من محافظة حلب، إضافة إلى خط حقل التيم القادم من محافظة دير الزور، وكلاهما يحتاج إلى أعمال صيانة وإعادة تأهيل قبل إعادتهما إلى الخدمة.
وقد تسبب خروج هذه الخطوط عن العمل في فقدان مصادر تغذية مهمة كانت تساهم في استقرار الشبكة الكهربائية، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في ساعات التغذية الكهربائية داخل المحافظة.
ضعف التوليد المحلي وانعكاساته
تعد محطة السويدية الغازية المنشأة الرئيسية الوحيدة للتوليد الكهربائي في الحسكة، وهي محطة أُنشئت عام 1981 وتبلغ قدرتها التصميمية نحو 150 ميغاواط. إلا أن المحطة لا تعمل حالياً بكامل طاقتها، إذ تضم خمس عنفات توليد، بينما تعمل عنفة واحدة فقط في الوقت الراهن.
وأوضح المهندس صالح إدريس أن كمية الطاقة المنتجة لا تتجاوز 20 ميغاواط، وهي كمية محدودة للغاية مقارنة بحجم الطلب الفعلي داخل المحافظة، حيث يقدر استهلاك الكهرباء السنوي بنحو 500 جيجاواط ساعة، مع توقعات بارتفاع الطلب بنسبة تتراوح بين 3 و5 بالمئة سنوياً نتيجة النمو السكاني والنشاط الاقتصادي.
وتخصص الطاقة المنتجة حالياً لتغذية بعض الخطوط الخدمية في مدينة القامشلي، في حين تعاني معظم مناطق المحافظة من انقطاع كامل للكهرباء منذ أكثر من شهر، بينما تحصل بعض المناطق الجنوبية على تغذية جزئية من عنفات الجبسة بمعدل يتراوح بين 6 و8 ساعات يومياً.
الآثار الاقتصادية والخدمية للأزمة
أدى استمرار انقطاع الكهرباء إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والخدمية في الحسكة، حيث تضررت القطاعات الزراعية والصناعية بشكل واضح، وارتفعت تكاليف المعيشة نتيجة الاعتماد على البدائل المكلفة مثل مولدات الديزل.
كما انعكست الأزمة بشكل مباشر على تأمين مياه الشرب، نظراً لاعتماد العديد من محطات الضخ على الطاقة الكهربائية. وأصبحت أزمة المياه مرتبطة بشكل وثيق بأزمة الكهرباء، الأمر الذي زاد من الضغوط اليومية على السكان.
إلى جانب ذلك، تواجه المحافظة تحديات بيئية متزايدة بسبب الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري في توليد الطاقة، حيث تشير التقديرات إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الحسكة تصل إلى نحو مليون طن سنوياً، معظمها ناتج عن تشغيل محطات الكهرباء العاملة بالنفط والغاز.
واقع الخدمات في مدينة الشدادي
ومن ناحية أخرى، كشف رئيس مجلس مدينة الشدادي، عبد الله سليمان المحمد، عن حجم التحديات التي تواجه المدينة والبلدات المحيطة بها.
وأوضح أن المجلس تسلم مهامه في ظل أوضاع صعبة، حيث كانت البنية التحتية شبه مدمرة، والمرافق العامة تعاني من التخريب والإهمال، إضافة إلى فقدان العديد من الآليات والمعدات نتيجة الفوضى التي رافقت المرحلة السابقة.
وأشار المحمد إلى أن المجلس تمكن، ضمن إمكانيات محدودة، من إعادة تشغيل ثلاثة صهاريج مياه وأربعة جرارات كانت متوقفة عن العمل، كما جرى تفعيل قطاع النظافة تدريجياً وإزالة السواتر الترابية وفتح الطرقات بين الأحياء.
كما عمل المجلس على تشغيل الأفران بطاقة جزئية لتأمين مادة الخبز للمواطنين، والإشراف على شبكات المياه والكهرباء بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
وهنا أكد رئيس المجلس أن ضعف الدعم الحكومي ونقص الآليات الهندسية الثقيلة يمثلان أبرز العقبات أمام تحسين الواقع الخدمي، خاصة أن معظم شوارع المدينة لا تزال ترابية، ولم تُنفذ فيها مشاريع تزفيت كافية.
كما أشار إلى استمرار مشكلة تأخر صرف الرواتب للعاملين في المجالس المحلية نتيجة تعقيدات إدارية وإغلاق الحسابات المالية السابقة في محافظة دير الزور قبل فتح حسابات بديلة في الحسكة.
وطالب المحمد بمنح الوحدات الإدارية صلاحيات أوسع لإدارة الشؤون المالية وتسريع إجراءات صرف الرواتب، إضافة إلى زيادة الدعم الحكومي وتفعيل دور المنظمات الإنسانية والخدمية للمساهمة في تحسين البنية التحتية والخدمات العامة.
وعلى الرغم من التحديات الكبيرة، تمتلك محافظة الحسكة فرصاً واعدة في مجال الطاقة المتجددة، خاصة في قطاع الطاقة الشمسية، بسبب ارتفاع معدلات سطوع الشمس في المنطقة، حيث يمكن الاستفادة من هذه الميزة عبر إنشاء محطات شمسية صغيرة ومشاريع “الميكروغريد” لتغذية المشافي ومحطات المياه والمؤسسات الخدمية، إضافة إلى استخدام بطاريات التخزين الكهربائية لتحسين استقرار التغذية.
كما أن تزايد الاهتمام الدولي والإقليمي بدعم مشاريع الطاقة المتجددة في سوريا قد يفتح المجال أمام استثمارات جديدة تسهم في تخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
ختاماً، عل الرغم من صعوبة الواقع الحالي، فإن إعادة تأهيل خطوط النقل ومحطات التوليد، وتفعيل المؤسسات الخدمية، إلى جانب التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، يمكن أن تسهم في تحسين الوضع تدريجياً. كما أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بوجود دعم حكومي وفني مستمر، وتعاون بين الجهات المحلية والمنظمات المعنية، بما يضمن استقرار الخدمات الأساسية وتخفيف معاناة السكان في المحافظة.
اقرأ أيضاً: إضراب أفران الحسكة يكشف ضعف الأمن الغذائي وضغوط التكلفة المعيشية









