“عودة مدارس” الحسكة: 100 ألف كتاب… هل تكفي لإغلاق فجوة التعليم؟

الكاتب: أحمد علي
لا يقرع جرس المدرسة في الحسكة وحده، فهو يوقظ أسئلة العدالة قبل أن يوقظ التلاميذ، لأن عودة الدوام لا تعني تلقائياً عودة شروط التعلم نفسها. هناك من يبدأ يومه بكتاب كامل وطريق آمن إلى الصف، وهناك من يدخل العام وهو يتقاسم كتاباً مع زميله أو يعتمد نسخة مصورة، ثم يكتشف أن المشكلة تمتد إلى نقل متعثر وكادر مرهق ومدارس متباعدة بين مدن وقرى ومخيمات.
لهذا اكتسب خبر وصول 100 ألف كتاب معنى يتجاوز الرقم، لأنه يختبر قدرة المنظومة على الوصول إلى الجميع بعدالة. وهذا المقال يقرأ الرقم في سياقه، ويسأل إن كانت دفعة كتب واحدة قادرة على تضييق فجوة تراكمت لسنوات، أم أنها تلامس طرف المشكلة وتترك جذورها قائمة.
فجوة التعليم في الأطراف تتسع
تتخذ فجوة التعليم في الأطراف في الحسكة شكلاً يومياً واضحاً، فالمسافة تتحول إلى فرق في الخدمات، والفرق في الخدمات يتحول إلى أيام دراسة ضائعة. ووفق تقارير أممية عن واقع سوريا في عام 2025، ما زال ملايين الأطفال خارج المدرسة أو معرضين للتسرب، وهي صورة عامة تجعل محافظات الأطراف أكثر هشاشة تحت ضغط النزوح والفقر وتهالك البنى.
وفي تقارير أخرى للأمم المتحدة عن الوضع الإنساني، يظهر أن نسبة كبيرة من المدارس على مستوى البلاد غير عاملة أو غير صالحة للاستخدام، ما يدفع مدارس كثيرة إلى الاكتظاظ أو الدوام على فترتين، ويجعل أي نقص في المواد أكثر تأثيراً.
عندما يتكرر الانقطاع، يضطر المعلم إلى إعادة ما فاته الطلاب بدل البناء على ما تعلموه، وحينها لا تعود المشكلة في التحصيل وحده، بل في شعور الأسرة بأن المدرسة لا تبرر كلفة النقل والقرطاسية. ولهذا يربط تربويون معالجة فجوة التعليم في الأطراف بتثبيت انتظام الدوام وتوفير المستلزمات في موعدها، وبسياسات تمنع التسرب عبر دعم النقل والقرطاسية وتعويض الفاقد.
مئة ألف كتاب وحدود
في هذا المناخ ظهر رقم 100 ألف كتاب بوصفه خبراً لافتاً، غير أن القراءة الدقيقة تبدأ من السؤال عن الحاجة الفعلية وكيفية التوزيع. تحدثت التقارير الإعلامية المحلية عن أن مدارس الحسكة احتاجت إلى نحو 400 ألف كتاب للعام الدراسي 2024 إلى 2025، وأن ما وصل لم يتجاوز 100 ألف، وهو ما يعني عجزاً واسعاً ينعكس مباشرة على الصفوف، إذ يبدأ جزء من الطلاب العام بكتب ناقصة أو بكتب متداولة بين أكثر من طالب.
حتى لو افترضنا أن الدفعة وُزعت على المدارس الأكثر نقصاً، فإن الفجوة تظل كبيرة لأن الكتاب جزء من منظومة، وعندما يتأخر وصوله أو يتراجع حجمه عن الحاجة تصبح البدائل هي التصوير أو الشراء من السوق، وهنا تنتقل فجوة التعليم في الأطراف من كونها مسألة خدمات عامة إلى عبء مالي داخل المنزل.
الأهم أن الأرقام وحدها لا تكشف العدالة، فالاختبار الحقيقي هو أن تصل النسخ في الوقت المناسب، وأن تتساوى فرص الطالب في قرية بعيدة مع فرص الطالب في مركز المدينة.
سوق الكتب وارتفاع
على الأرض تتبدى آثار النقص في سلوكيات يومية، فبعض الأسر تلجأ إلى تصوير الكتب لتقليل خسارة الوقت، بينما تتجه أسر أخرى إلى شراء نسخ من المكتبات الخاصة عندما تتوافر. وتشير تقارير صحفية إلى أن الكتب في الحسكة يمكن أن تتحول إلى سلعة تباع بأسعار مرتفعة مقارنة بقدرة كثير من العائلات، ما يجعل الحل الفردي بديلاً مكلفاً عن الحل العام.
وهذا التحول يخلق فجوة إضافية داخل المجتمع نفسه، لأن الطالب الذي تستطيع أسرته شراء نسخة سيواصل دراسته بوتيرة أفضل، بينما يتأخر طالب آخر ليس لضعف في قدراته بل لأن الموارد غير متاحة.
ومع تكرار هذه الحالة عبر سنوات، تتحول فجوة التعليم في الأطراف إلى مسار يتراكم، وتصبح المعالجة أصعب من مجرد تعويض نقص طارئ.
حلول تتجاوز شحنات
ما يطرحه خبر 100 ألف كتاب ليس سؤالاً عن الكمية فقط، بل عن شكل التدخل الأكثر فاعلية. إذ يرى مختصون أن سد فجوة التعليم في الأطراف يتطلب إدارة دقيقة لسلسلة الإمداد من الطباعة إلى التوزيع، مع بيانات واضحة حول الحاجات الفعلية لكل مدرسة لتقليل الهدر. كما تبرز الحاجة إلى دعم تعليمي يعالج الفاقد، لأن الطالب الذي حرم أسابيع من كتابه لا يستعيد ذلك تلقائياً عند وصول النسخة، بل يحتاج إلى تعويض منظم داخل المدرسة كي لا يتحول التأخر إلى رسوب أو تسرب.
في المقابل خصصت وزارة التربية رابطاً إلكترونياً لإتاحة كتب العام 2025 إلى 2026 بصيغ رقمية، وهي خطوة قد تساعد بعض الأسر والمعلمين على تجاوز النقص في النسخ الورقية. لكن الفجوة الرقمية حاضرة، فضعف الكهرباء والإنترنت وارتفاع كلفة الأجهزة يجعل الاستفادة متفاوتة، وقد تعيد إنتاج فجوة التعليم في الأطراف بصيغة رقمية إن غاب دعم النفاذ.
تطورات 2026 وخطة الجزيرة
بين 2025 و2026 عاد ملف المناهج إلى الواجهة، إذ تحدثت تقارير إعلامية دولية عن تعديلات على كتب العام 2025 إلى 2026 وما رافقها من جدل، وهو نقاش ينعكس على الأطراف لأن أي تغيير يضاعف الحاجة إلى نسخ جديدة وإلى تدريب للمعلمين.
وفي شباط 2026 أعلنت وزارة التربية والتعليم بدء تنفيذ خطة طارئة لإعادة تأهيل القطاع التعليمي في الرقة ودير الزور والحسكة، مع حديث عن ترميم مدارس وتأمين كتب ومستلزمات وكوادر وآليات لاستيعاب الطلاب المنقطعين.
سيُقاس نجاح هذه الخطوة بقدرتها على الوصول إلى القرى والمخيمات بالقدر نفسه الذي تصل به إلى المراكز، لأن فجوة التعليم في الأطراف لا تغلق بقرار واحد بل بتنفيذ يومي وتمويل ومتابعة. ويظل الاعتماد على شراكات مع منظمات أممية ومحلية ضرورياً لحماية التعليم وتوفير بيئات تعلم آمنة في مناطق واسعة.
في المحصلة، يمكن لرقم 100 ألف كتاب أن يكون خبراً جيداً إذا قيس بما سبقه من نقص، لكنه لا يكفي وحده لإغلاق فجوة التعليم في الأطراف في الحسكة أو في غيرها من الأطراف السورية. الكتاب شرط لازم لكنه ليس شرطاً كافياً، فالمعلم وتوفر الصف وسلامة الطريق والقدرة على تعويض الفاقد عناصر لا تقل أهمية.
والتطورات حتى لحظة كتابة هذا المقال تشير إلى محاولات لإطلاق خطط تأهيل وإتاحة نسخ رقمية، لكنها تذكّر أيضاً بأن الحلول السريعة تصطدم بواقع اقتصادي وإنساني معقد. لذلك يبدو الرهان الأكثر واقعية هو تحويل خبر الكتب إلى مسار مستدام يقيس أثر التدخلات على انتظام الحضور وعلى جودة التعلم، حتى لا تصبح “عودة المدارس” عودة شكلية. ويبقى طفل الأطراف هو المعيار الذي يختبر صدقية أي وعود قابلة للقياس.
اقرأ أيضاً: الحسكة تُعلن “خطة إنقاذ خدمات”: ما الذي سيتغيّر فعلياً في الماء والكهرباء والبلديات؟









