المجتمع السوري

الحرية الرقمية في سوريا الجديدة: تعبير عن الرأي أم فوضى مؤسساتية؟

بقلم هلا يوسف

كلمة “حرية”، هذه الكلمة التي أشعلت ثورات وخاضت الشعوب من أجلها حروباً طويلة، لم تكن يوماً خطأ بحد ذاتها، بل إن الخطأ كان دائماً في طريقة توظيفها داخل سياقات سلطوية محددة، أو في استغلالها من قبل قوى خارجية لفرض أجندات سياسية معينة. ومع بروز المجتمع الرقمي، الذي لعب دوراً محورياً في قيادة الحركات الثورية في العديد من البلدان، ومنها سورية، بدأت الحرية تأخذ شكلاً جديداً أكثر تأثيراً وقدرة على التعبير عن الواقع، رغم الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة وما رافقه من تضليل للمعلومات. ومن هنا، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على مفهوم الحرية الرقمية قبل سقوط النظام السابق وبعده، والتساؤل عما إذا كان ينبغي لهذه الحرية أن تخضع لحدود وضوابط.

على مدى عقود طويلة، وقبل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، كان صانع أو قائد الرأي العام غالباً ما يقتصر تأثيره على مجتمع محدود أو نطاق جغرافي ضيق، وكان اسمه عادةً مرتبطاً بمنصب رسمي أو بعلاقات اجتماعية واقعية واسعة. لكن الفضاء الرقمي، وعلى الرغم من أنه منح الصوت لمن لا صوت له، أفرز في المقابل قادة رأي جدد، كثير منهم لا يعبرون عن قناعاتهم الحقيقية بقدر ما ينفذون ما يُطلب منهم، ويوجهون الرأي العام نحو مسارات تخدم مصالحهم أو مصالح الجهات التي يعملون لصالحها.

وفي الحالة السورية، يمكن القول إن الحرب كانت، في شقّ كبير منها، حرباً إعلامية بامتياز. ففي ظل الانقسام الحاد بين مؤيد لسلطة النظام ومعارض لها، كانت الكلمة الرقمية مصادَرة؛ إذ كان لزاماً عليك أن تكون مع النظام كي تبقى في مأمن، رقمياً وواقعياً. ومع تعاقب سنوات الحرب، وفرض العقوبات على البلاد، وتصاعد السخط الشعبي نتيجة الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتردية، ظهر هامش ضيق من الحرية الرقمية، يتيح للمواطن انتقاد أداء وزير أو مدير، دون الاقتراب من شخص رأس السلطة أو من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. فمجرد منشور على “فيسبوك” يوجه الاتهام بشكل صريح إلى شخصيات من الأمن أو المخابرات، أو حتى من مستويات أعلى في السلطة، كان كفيلاً بأن يؤدي إلى الاعتقال والتهديد.

ومن تابع ما جرى في الفترة التي سبقت سقوط النظام بقليل، يلاحظ كيف استُخدمت ورقة كشف ملفات الفساد لبعض الوزراء السابقين أو مديري الشركات، كحقنة تخدير لتأكيد وجود رقابة ومساءلة بعد انتقادات شعبية لأداء السلطة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كشف في ذلك الوقت عن ضابط فاسد واحد؟ أو عن مدير فرع أمني متورط بالاختلاس؟

الإعلام والحرية الرقمية قبل الثورة السورية

لم يكن المجال الإعلامي في سورية قبل عام 2011 سوى امتداد مباشر لسلطة النظام، حيث كانت السيطرة لا تقتصر على المحتوى، بل تشمل الفكرة قبل أن تكتب، والكلمة قبل أن تنشر. أي منشور رقمي كان يمكن إيقافه أو حجبه بقرار أمني، أما الإذاعة والتلفزيون كانت حبيسة الخطاب الرسمي، بلا أي هامش للتعددية أو الاستقلال. وحتى حين سمح بظهور ما سمي بالإعلام الخاص، لم يكن ذلك سوى إعادة إنتاج للخطاب السياسي نفسه لكن بواجهات مختلفة، كما حدث مع قناة الدنيا التي تم إنشاؤها بتمويل رجال أعمال مقربين من النظام، قبل أن تصبح بالكامل لمحمد حمشو.

في تلك المرحلة، لم تكن الصحافة مهنة حرة تستطيع أن تنتقد وتشير إلى مواضع الفساد وتسمح باختلاف الآراء، بل كانت امتياز مشروط بالولاء للحزب الحاكم. فبموجب قانون نقابة الصحافيين الصادر عام 1990، حصر العمل الصحافي بالمنتسبين إلى النقابة، التي كانت بمثابة آلة فلترة لضبط الخطاب الإعلامي وإلزامه بأهداف حزب البعث. وكل خروج عن هذا المسار كان يقابَل بالعقاب، كما حدث مع صحيفة الدومري التي أغلقت بقرار أمني بسبب لهجتها النقدية. أما الوصول إلى المعلومات، فكان حقاً محتجزاً بيد الدولة عبر المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات، التي مارست رقابة مسبقة على كل ما يطبع، ومنحت نفسها صلاحية التحكم بالكميات الموزعة أو تقليصها أو منعها كلياً دون الرجوع إلى الناشرين. وفي هذا السياق حجبت الكثير من الكتب السياسية التي كانت توقظ وعي الشعب اتجاه حرياته كافة ومن ضمنها الحرية السياسية.

اقرأ أيضاً: بعد عام على التحرير.. كيف نتفادى استمرار البنية التي صنعت الاستبداد؟

تغير المشهد مع اندلاع الثورة السورية

تغير المشهد بشكل كلي مع اندلاع الثورة السورية. إذ وجد النظام نفسه أمام موجة احتجاجات لم يستطع احتواءها إعلامياً، فلجأ إلى إغلاق مكاتب كبرى المؤسسات الإعلامية، ومنع الصحافيين الأجانب من دخول البلاد، وفرض تعتيماً شبه كامل على ما يجري. عندها لم يعد أمام السوريين سوى البحث عن بدائل، فانبثقت مبادرات إعلامية مستقلة حملت على عاتقها نقل صوت الشارع وتوثيق ما يحدث. وخلال فترة قصيرة، ظهرت عشرات المنصات والمطبوعات التي غطّت أخبار المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وعكست تطلعات الناس إلى الحرية والكرامة.

في ظل هذا الواقع، أصبح الإنترنت نافذة السوريين شبه الوحيدة إلى العالم. انتشرت منصات مثل فيسبوك وتويتر وسكايب، وأُطلقت مشاريع إعلامية رقمية من داخل سورية وخارجها. غير أن هذا الفضاء لم يكن آمن، فقد رافقه انقطاع متكرر للكهرباء، وبنية تحتية متهالكة، ورقابة أمنية مشددة، وتعقب مستمر للناشطين انتهى في كثير من الأحيان بالاعتقال. ومن هنا ظهرت التنسيقيات المحلية وصفحات بأسماء مستعارة، في محاولة للالتفاف على الملاحقة الأمنية وتفادي المداهمات.

كان التفاعل داخل سورية محدوداً مقارنة بحجم التفاعل من السوريين في الخارج والمتضامنين حول العالم. ومع تصاعد الضغط الأمني والإلكتروني، وظهور صفحات سميت بأسماء من قبيل الجيش السوري الإلكتروني، موالية للنظام، بدأت هذه الصفحات تفقد زخمها شيئاً فشيئاً. ساهم في ذلك اعتقال معظم القائمين عليها، أو انخراط بعضهم في مسارات المصالحة والتسويات الأمنية، وتراجعهم عن النشاط الثوري، لتتحول تلك الصفحات تدريجياً إلى منصات تهتم بشؤون الخدمات والمشكلات المحلية.

استمر هذا الواقع إلى أن جاءت عملية ردع العدوان. عندها عاد السوريون من الداخل والخارج، إلى التفاعل والانخراط من جديد في العمل الثوري، لكن هذه المرة بوعي مختلف وتجربة أثقل، وبتحولات واضحة في المواقف السياسية والأمنية، ولا سيما بعد الخلاص من النظام السابق.

فوضى الآراء والتعبير عن الرأي

مع سقوط نظام الأسد، دخلت سورية مرحلة جديدة بدت للوهلة الأولى وكأنها انفراج واسع في حرية التعبير، لكن هذا الانفراج لم يكن نتيجة مسار ديمقراطي واضح أو إصلاحات قانونية ومؤسساتية حقيقية. بل جاء في سياق فراغ سياسي وقانوني، غابت فيه المرجعيات الناظمة للحياة العامة، فانعكس ذلك مباشرة على الفضاء الرقمي الذي تحوّل إلى الساحة الأكثر نشاطاً وتأثيراً.

خلال فترة قصيرة، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بكمّ هائل من الآراء والتحليلات والمنشورات، صدرت عن فئات مختلفة من السوريين، من نشطاء ومؤثرين ونخب سياسية وشعبوية. هذا التدفق غير المنظم للكلام خلق حالة يمكن وصفها بـ«فوضى التعبير»، حيث أصبح من الصعب التمييز بين حرية الرأي بوصفها حقاً مشروعاً، وبين الفوضى الناتجة عن غياب الضوابط المهنية والقانونية. فالانهيار المفاجئ للرقابة المركزية لم يترافق مع بناء بدائل ديمقراطية تحمي هذا الحق وتنظمه.

زاد من حدة هذه الفوضى غياب سلطة مركزية قادرة على تنظيم العمل الإعلامي، وظهور عشرات المنصات والحسابات الرقمية التي تعمل دون معايير تحريرية أو أخلاقية واضحة، وغالباً بدوافع سياسية أو بحثاً عن التمويل والحضور. ومع الوقت، تحول الفضاء الرقمي من مساحة للتعبير الحر إلى ساحة صراع، يمارس فيها التخوين والإقصاء والاصطفاف الطائفي والمناطقي، لكن هذه المرة بأدوات شعبية لا أمنية، وفي ظل فراغ قانوني لم تُسدّ فجواته حتى الآن.

في هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين حرية التعبير والانفلات الإعلامي. فالأولى تحتاج إلى مؤسسات، وقضاء مستقل، وتعددية إعلامية، وضمان الوصول إلى معلومات دقيقة وآمنة. أما ما تشهده سورية اليوم، فهو انفجار تعبيري لا يستند إلى هذه الشروط، ما يجعله أقرب إلى رد فعل على عقود من القمع، لا إلى مؤشر على ديمقراطية ناشئة.

كما كشفت وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت منبر للسوريين هشاشتها. فانتشار الأخبار الكاذبة والمضللة بحسب مؤشرات التحقق الإعلامي، بلغ مستويات غير مسبوقة، خاصة بعد نهاية عام 2024، مع استخدام أساليب منظمة تشبه عمل الجيوش الإلكترونية. وتنوعت هذه الأخبار بين السياسية والأمنية والاقتصادية، وصولاً إلى محتوى طائفي تحريضي ظهر بوضوح خلال أحداث أمنية حساسة، ما ساهم في تعميق الانقسام المجتمعي وتوجيه الرأي العام.

ضمن هذه الفوضى، عادت إلى الواجهة حسابات وشخصيات مثيرة للجدل، أعادت إنتاج خطاب طائفي وإقصائي، وتحدثت باسم جماعات كاملة، وسط تفاعل شعبي مشحون بالكراهية والاستقطاب. هذا المشهد رغم كثرته لا يعكس بالضرورة توسع حقيقي في الحريات الرقمية، بقدر ما يكشف هشاشة المرحلة الانتقالية، وغياب البنية السياسية والقانونية القادرة على تحويل حرية التعبير من فوضى مفتوحة إلى حق فعلي يخدم المجتمع ويحصنه.

مؤشرات الحرية الرقمية في سوريا الجديدة

بالنظر إلى واقع الحريات في سوريا منذ كانون الأول 2024 أي عقب سقوط النظام السابق، برزت بصيغة غير مستقرة وغير منظمة، حيث اختلطت الأصوات وتعددت السلطات، في ظل غياب مؤسسات قادرة على تنظيم المجال العام. ورغم الاتساع الكبير في التفاعل السياسي عبر الإنترنت، فإن هذه الحرية الرقمية لا تعني بالضرورة نشوء ديمقراطية، بل تعكس مرحلة انتقالية يغلب عليها فرط التعبير غير المنظم، وهو أقرب إلى رد فعل طويل على القمع أكثر من أنه نضوج لمعنى الحرية، ما خلق مناخ من الشك والريبة تجاه أي نشاط عام.

كما أن كثرة التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي لا تعد معيار حقيقي لتحسن الحريات. فالمؤشرات الدولية مثل بيت الحرية ومراسلون بلا حدود، تعتمد على معايير أعمق، من بينها وجود إعلام مستقل ومهني، وحماية للصحافيين والنشطاء من العنف والتهديد، وغياب التدخل السياسي في الإعلام، ووجود قوانين واضحة تحمي حرية الرأي، إضافة إلى قدرة المجتمع المدني على العمل والتنظيم بحرية.

وبحسب المعايير السابقة لم تحقق سورية بعد سقوط النظام السابق تقدم كبير في مجال حرية التعبير على الرغم من محاولات العديد من المنظمات المدنية الدفع نحو هذا الاتجاه. فالانفتاح الرقمي لم يترجم إلى مؤسسات إعلامية مستقلة ذات توجهات مختلفة أو إلى قضاء يحمي العمل الصحافي. كما لا تزال الصحافة الاستقصائية ضعيفة ومحاصرة بخطابات التخوين والاتهام بالعمالة وتهديد أمن الدولة، إلى جانب هيمنة العشوائية والانقسامات السياسية والطائفية على الخطاب الإعلامي، وهو ما يعكس هشاشة المرحلة أكثر مما يدل على تحول ديمقراطي حقيقي.

وتؤكد تقارير بيت الحرية لعام 2025 هذه الخلاصة، إذ ما تزال سورية في مراتب متأخرة عالمياً على مؤشرات حرية الصحافة والحريات السياسية والمدنية، مع توصيف عام للحالة بأنها تحرر فوضوي غير مؤسسي. وبناءً عليه فإن ما يعرف بفرط الحرية بعد سقوط النظام لا يشكل دليلاً على تحسن فعلي في واقع الحريات، بل يكشف غياب آليات التنظيم والحماية القانونية، لتبقى حرية التعبير في سورية ممارسة فردية محدودة، لا حق مضمون بقانون ومؤسسات.

باختصار، تحولت الحرية الرقمية في سوريا من قمع للحريات في عهد النظام السابق إلى انفتاح كامل دون قيد أو شرط بعد سقوط النظام، مترافق بخطابات واستقطابات وتخوين، مما يدفع بالكثير إلى تفضيل الحياد على الصدامات سواء مع أفراد أو مؤسسات.

اقرأ أيضاً: الإعلام والسياسة في سوريا الجديدة: من يصنع الرأي العام فعلاً

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى