لماذا منعت دمشق مؤتمر النسوية السورية؟

بقلم: ديانا الصالح
أثار رفض وزارة الخارجية إقامة مؤتمر الحركة السياسية النسوية السورية في دمشق، نقاشاً واسعاً حول واقع المشاركة السياسية في المرحلة الانتقالية، ودور الأطر القانونية الناظمة للعمل الحزبي والمدني. وتباينت الآراء بين من رأى في القرار مؤشراً على تحديات تنظيمية وقانونية لم تُحسم بعد، وبين من اعتبره خطوة مقلفة تستدعي مزيداً من التوضيح الرسمي.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
رفض مؤتمر الحركة النسوية السورية
خلال كلمة لها في مجلس الأمن الدولي في مدينة نيويورك في 13 شباط 2026، أشارت العضو في الحركة السياسية النسوية، مزنة دريد، إلى أن وزارة الخارجية السورية لم تمنح الحركة الإذن الرسمي لعقد مؤتمرها السابع في دمشق، ما دفعها إلى تنظيمه في العاصمة اللبنانية بيروت.
وأوضحت دريد أن قرار الرفض جاء في ظل غياب قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية في سوريا، معتبرة أن هذا الفراغ التشريعي ينعكس على إمكانية تنظيم الفعاليات ذات الطابع السياسي. كما تساءلت عن آليات تطوير قوانين شاملة للحياة السياسية في وقت لا تزال فيه بعض الأنشطة تنتظر إطاراً قانونياً واضحاً.
من جهته، رأى المحامي والناشط ميشال شماس أن المرحلة الانتقالية تتطلب خطوات تعزز الثقة العامة، معتبراً أن توسيع المساحات المدنية يسهم في ترسيخ الاستقرار السياسي. وفي المقابل، يلفت متابعون إلى أن المؤسسات الرسمية قد تتعامل بحذر مع أي نشاط سياسي إلى حين استكمال المنظومة القانونية المنظمة له.
الإطار الدستوري والقانوني
تنص المادة 14 من الإعلان الدستوري السوري الصادر في 14 آذار 2025 على أن حرية تشكيل الأحزاب مكفولة وفقاً لقانون جديد ينظمها. وبذلك، فإن ممارسة هذا الحق تبقى مرتبطة بصدور التشريع الناظم لآليات الترخيص والعمل الحزبي، وهو ما لم يصدر بعد.
ويرى مراقبون أن هذا الواقع القانوني يخلق حالة انتقالية تتسم بعدم الوضوح، حيث يجري الحديث عن ضمانات دستورية من جهة، وانتظار تنظيمها التشريعي من جهة أخرى.
تحليلات في ظل غياب التوضيح الرسمي
تعددت القراءات حول خلفيات القرار في ظل غياب بيان رسمي مفصل يوضح أسبابه. بعض السياسيين المحليين يشيرون إلى أن المشهد الحالي يتسم بإعادة ترتيب للحياة الحزبية بعد حلّ الأحزاب المرتبطة بالنظام السابق، ما أدى إلى محدودية القنوات السياسية المنظمة في الوقت الراهن.
كما استُحضر في هذا السياق تعميم صادر عن وزارة السياحة يمنع إقامة نشاطات ذات طابع سياسي دون إذن مسبق من الجهات المختصة، وهو ما اعتبره البعض جزءاً من سياسة تنظيم مؤقتة ريثما تكتمل البنية القانونية، بينما رآه آخرون مؤشراً على تضييق المجال السياسي.
وفي هذا السياق، ينتقد المحامي والناشط المحلي ميشال شماس خطوة المنع الأخيرة، معتبراً أنها تحمل رسالة سلبية لا ينبغي أن تُبعث خلال الوضع السوري الراهن، الذي يحتاج إلى خطوات فعالة لزيادة الثقة في المرحلة الانتقالية، بدلاً من تضييق المساحات المدنية والخشية من أي تنظيم أو عمل سياسي مستقل، وفقاً لقوله.
كما يتساءل شماس حول صلاحيات وزارة الخارجية السورية في التدخل بقرار مدني داخلي بحت، لا سيما أنه ينضوي تحت إطار القرارات الثقافية والاجتماعية أيضاً، مشيراً إلى أن مثل هذه الإجراءات تفتح نقاشاً واسعاً حول أولويات ومهام المؤسسات الرسمية في سوريا.
تمثيل المرأة في المرحلة الجديدة
سلطت مزنة دريد الضوء، في إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، على محدودية تمثيل المرأة في مؤسسات الدولة بعد انتخابات 2025، حيث تقل نسبة النساء في البرلمان عن 5%، مع وجود وزيرة واحدة في مجلس الوزراء، بحسب ما ذكرت. وأكدت أهمية تعزيز مشاركة النساء في مواقع القرار خلال المرحلة المقبلة.
وترى عضو الحركة النسوية السورية أن عقد زميلاتها للمؤتمر في بيروت بدلاً من دمشق، يعكس التحديات والمعيقات التي لا تزال تحيط بالعمل السياسي والمدني في سوريا، على حدّ قولها.
وفي إشارة غير مباشرة على رجعية القوانين السورية، تستحضر عضو الحركة النسوية زمن الأربعينات، مشيرةً إلى أنها مرحلة أفضل من الوقت الحالي في البلاد، مستشهدةً بتعيين “أليس قندلفت” ضمن الأمم المتحدة، موضحة أن المشكلة لا تكمن بالكفاءة بل بالإرادة السياسية.
في المقابل، يرى محللون أن مسألة التمثيل النسوي ترتبط بإصلاحات أوسع تشمل النظام الانتخابي، والقوانين الحزبية، وآليات الترشح، ما يجعلها جزءاً من عملية إصلاح سياسي شاملة لم تكتمل بعد.
لوضوح الصورة لا بد من العودة إلى المادة 14 من الإعلان الدستوري السوري الذي أُقر في 14 آذار عام 2025، الذي يؤكد أن حرية تشكيل الأحزاب مضمونة ولكن وفقاً لقانون جديد، أي أنه يكفل الحق في تكوين الأحزاب السياسية، ولكن الأمر مرهون بصدور القانون الذي ينظم آلية العمل والتراخيص وغيرها، بالتالي تؤجل ممارسة هذا الحق إلى حين إصدار التشريع المُرتقب.
من هي الحركة السياسية النسوية؟
تعرّف الحركة السياسية النسوية السورية نفسها بأنها إطار سياسي يعمل على إدماج المنظور النسوي في العملية السياسية السورية. تأسست في باريس في 13 تشرين الأول 2017، وتعلن سعيها إلى دعم الانتقال نحو دولة ديمقراطية تعددية، والعمل على رفع نسبة تمثيل المرأة في مراكز القرار إلى ما لا يقل عن 30%.
ويُعدّ مؤتمرها العام محطة تنظيمية دورية لمراجعة برامجها وانتخاب هيئاتها القيادية، بمشاركة عضوات من الداخل السوري وخارجه.
يعكس قرار منع انعقاد المؤتمر في دمشق تداخلاً بين اعتبارات قانونية وتنظيمية من جهة، وتطلعات القوى السياسية والمدنية إلى توسيع فضاء المشاركة من جهة أخرى. ومع استمرار المرحلة الانتقالية، يبقى تطوير الأطر القانونية للحياة السياسية عاملاً أساسياً في تحديد مسار المشاركة العامة ومستقبل التعددية في البلاد.
وفقاً لما سبق، يبدو أن منع مؤتمر الحركة السياسية النسوية سيكون اختباراً حقيقياً لمدى نجاعة المرحلة الجديدة، في تخطي إرث العهد الماضي والتطلّع نحو إشراق عهد جديد يترجم تطلعات التعددية والديمقراطية، فهل يمكن تحقيق ذلك بأبواب مُغلقة في وجه أبسط أشكال الاجتماعات المستقلة؟
اقرأ أيضاً: الإعلان الدستوري: ما له وما عليه.. تساؤلات وتأملات!









