الحرب في سوريا… كيف أثرت على الحياة البرية في البلاد؟

الحياة البرية في سوريا شهدت خلال السنوات الماضية تحولات كبيرة نتيجة عوامل متعددة، أبرزها الحرب والنزاعات المسلحة، وانتشار فوضى السلاح، والتغيرات البيئية التي أضرت بالكثير من الحيوانات. هذه العوامل أفضت إلى انقراض بعض الأنواع وتهديد أخرى بالانقراض، مما شكل تحدياً كبيراً للتنوع البيولوجي في البلاد. مع ذلك، جاءت بعض الأخبار الإيجابية أثارت الفرح مثل ظهور طائر “البو لوي” النادر في محافظة طرطوس بعد غياب طويل دام قرابة 15 سنة، ليعكس إمكانية تعافي الحياة البرية في مناطق محددة وعودتها تدريجياً إلى الحياة.
الحياة البرية في سوريا والأنواع المهددة بالانقراض
فقدت الحياة البرية في سوريا العديد من أنواع الحيوانات البرية بسبب النشاط البشري والتغيرات البيئية والنزاعات الحربية. من أبرز الأنواع المهددة بالانقراض: الدب البني السوري الذي كان يسكن جبال الساحل السوري ومناطق جبل حرمون ويسكن أجواف الأشجار والكهوف ويعتمد على الغذاء الموجود في المروج والغابات ويتغذى على الحبوب والبندق. أعلن مشروع حماية الحيوان في سورية “سبانا” بالتعاون مع وزارة الثقافة خلال الاحتفالية الرابعة لليوم العالمي للحيوان “الدب البني السوري” حيوان عام 2010، وجاء اختيار الحيوان على اعتبار أنه يعيش في سوريا، ومهدد بالانقراض.
كذلك غزال اليحمور الذي أصبح نادراً جداً بسبب تدمير الغابات الساحلية والحرائق المستمرة، والنمر السوري (المسالم) فقد سلالته الفارسية والأناضولية تماماً، في حين بقيت بعض السلالات العربية بأعداد قليلة في المناطق الجنوبية، مما يجعل بقائه على المحك. هناك اعتقاد سائد بأن النمر السوري قد انقرض، وأنه كان موجوداً قبل 30 عاماً شمال شرق طرطوس.
نقلت صحيفة “الثورة” السورية عام 2012، عن مواطنين مشاهدتهم النمر السوري في منطقة “مقامات بني هاشم” شرق جبلة عام 2002، كما شوهدت في المنطقة عام 2005 أشلاء خنزير بري منهوش معلقة على جذع شجرة بارتفاع مترين، وهذا الأمر لا يقدر عليه إلا النمر السوري.
النمر السوري “المسالم” أخذ اسمه لأنه لا يفترس البشر ولا يتعرض لهم، وهو حيوان له أهمية بالغة للإرث البيئي العالمي، لأنه مختلف عن النمر الإفريقي وكذلك الآسيوي، وكانت غابة الشوح والأرز في منطقة صلنفة في اللاذقية موطناً لأعداد كبيرة من النمور السورية والدب السوري.
في سياق متصل، انخفضت أعداد الماعز الشامي بشكل كبير بسبب فقدان موائلها الطبيعية والصيد المستمر. يمثل هذا الانقراض فقداً غير قابل للتعويض في التنوع البيولوجي، ويشير إلى هشاشة النظام البيئي في سوريا أمام الضغوط البشرية والطبيعية، ويعتبر الماعز الشامي من أفضل خمسة عروق ماعز عالمية منتجة للحليب والتوائم، وكان ينتشر قبل عام 2011 في الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق.
يتميز هذا العرق عن غيره بصفات خاصة، كسعة العينين وبياضهما، إلى جانب الحجم وتناسق الأعضاء، إضافة إلى اختلاف ألوانه، فالغالب هو اللون الدبسي (البني الغامق جداً المقارب للسواد)، الذي يشكل 98% من لون الماعز.
اقرأ أيضاً: النحل السوري بين نار الحرائق وشبه انعدام الإنتاج
تأثير الحرب على الحياة البرية في سوريا
أثرت الحرب في سوريا بشكل حاد على الحياة البرية، إذ زادت التهديدات التي واجهت الأنواع المهددة بالانقراض. هذه الأنواع البرية تعتبر جزءاً لا يتجزأ من النظام البيئي. فمع تزايد النزاعات المسلحة، تعرضت هذه الحيوانات لمخاطر متزايدة تتعلق بفقدان الموطن، ومحاولات الصيد الجائر غير المشروع، والتلوث. من أكثر الأنواع تأثراً بالصراع هي الأنواع التي تعيش في الموائل الطبيعية المتنوعة، مثل الغابات والصحاري.
كما شهدت العديد من المناطق حرائق ضخمة نتيجة للعمليات العسكرية، ما أدى إلى فقدان المواطن الحيوية للعديد من الأنواع، وتم تدمير الموائل الطبيعية، مثل الغابات والمناطق الزراعية، بسبب الاقتتال المستمر والتوسع العمراني الناتج عن النزوح. بالإضافة إلى ذلك، شهدت الحياة البرية انخفاضاً حاداً في أعداد الحيوانات المحلية، حيث تعرضت أنواع عديدة مثل الصقور والذئاب للتهديد بسبب الصيد غير المشروع وفقدان المأوى.
ساهم النزاع كذلك في زيادة مستويات التلوث في البيئة، نتيجة استخدام الأسلحة والذخائر خلال الصراع وتسرب مواد كيميائية وملوثات إلى التربة والمياه، ما انعكس بالسلب على الحياة البرية. في فترة تصاعد العمليات العسكرية، تحولت العديد من المناطق إلى بيئات ملوثة وغير قابلة للاستخدام للكائنات الحية.
اقرأ أيضاً: وزارة الزراعة تكشف عن خطتها لإعادة تأهيل الغابات المحترقة في ريف اللاذقية
كيف نحمي الحياة البرية ونساعد على الحفاظ على التنوع البيئي
من أجل حماية الحياة البرية في سوريا والحفاظ على الحيوانات من الانقراض، ينبغي أن نُدرك جميعاً أهمية البيئة المحيطة بنا، والمساهمة في ذلك من خلال زراعة الأشجار والحفاظ على الغابات، والحد من الصيد الجائر، واحترام المواطن الطبيعية للكائنات البرية دون التدخل فيها أو تدميرها.
إلى جانب المحافظة على نظافة الطبيعة بعدم إلقاء النفايات في الأنهار والسهول، لأن جميع عناصر البيئة مترابطة: النباتات والحيوانات والإنسان. فإذا بدأ كل فرد في تقدير قيمة الطبيعة والعمل على صونها، سنضمن مستقبلاً أفضل للتنوع البيئي ولكافة الكائنات الحية.
في السياق ذاته، على المعنيين في الشأن البيئي التأكيد على أن المحافظة على الحياة البرية وحماية الحيوانات مسؤولية جماعية ومجتمعية. فعلى الدولة والجهات الحكومية تعويض فاقد الغابات الناتج عن الحرائق، لأن الغابات هي الموطن الأساسي للحيوانات لاسيما النادر منها، إلى جانب تنظيم حملات مجتمعية ومحلية توعوية متعلقة بالجانب البيئي من حيث الحافظ على حياة الحيوانات فيه ومنع الصيد الجائر والحفاظ على البيئة مما يسمح للتنوع البيئي الحيوي بالتطور بشكل تلقائي.
التعاون مع المنظمات غير الحكومية والدولية لوضع خطط تساعد على حماية الحيوانات المهددة بالانقراض، وتحفظ البيئات التي تتواجد بها، وتقديم برامج تحمي التنوع الحيوي في سوريا والأخذ بآراء الخبراء البيئيين والمختصين الدوليين.
ختاماً، الحياة البرية في سوريا، عانت كما البشر من سنوات الحرب والنزاعات، وواجهت خسائر عديدة، وعودة بعض الحيوانات المختفية للظهور أمر مبشر باستمرار هذا التنوع الحيوي في البلاد. يتحتم على الجهات المعنية المحافظة على البيئة وتنوعها في سوريا لما لها من انعكاس على شؤون الحياة في البلاد.









