الجمعيات السكنية التعاونية: توضيحات للمشاكل الموجودة

بقلم هلا يوسف
تتصدر أزمة المشاريع السكنية المعلقة قائمة الملفات التي تسعى الحكومة السورية لحلها، بدءاً من المشاريع الاستثمارية الضخمة كمشروع ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، وصولاً إلى الجمعيات السكنية التعاونية التي كانت الطريق الأقرب لحلم امتلاك منزل بالنسبة للكثير من السوريين. لكن هذا الحلم الذي يعد حق من حقوق أي مواطن، لم يكتمل في بعض الجمعيات، بينما شهدت جمعيات أخرى عمليات تسليم الشقق لمكتتبيها دون أي مشاكل.
لذلك في هذا المقال سنحاول فهم طريقة عمل الجمعيات السكنية التعاونية، وأسباب نجاح بعض المشاريع بينما بقيت أخرى معلقة منذ سنوات طويلة. ودور الحرب والأزمة الاقتصادية في وجود هذه المشاكل، ومعرفة الضمانات القانونية للمشتركين، وما إذا كان هناك حلول حقيقية لإنهاء هذا الملف.
فكرة قطاع الإسكان التعاوني
في البداية لا بد من معرفة طريقة عمل الجمعيات السكنية التعاونية، وهنا يشرح رئيس مجلس إدارة إحدى الجمعيات السكنية، أصيل طعّان، “لسوريا اليوم 24” أن فكرة الجمعيات تقوم على جمع مجموعة من الأشخاص مدخراتهم بشكل شهري، ثم تشترى قطعة أرض ويبدأ البناء عليها بشكل تدريجي، وبعد سنوات يحصل كل عضو على شقته بسعر أقل من أسعار السوق.
ويطرح مثالاً بسيطاً، فالشخص الذي يمتلك مبلغاً صغيراً، مثل 10 ملايين ليرة سورية، لا يستطيع شراء أرض أو بناء منزل بمفرده. لكن عندما يجتمع 40 شخصاً، يساهم كل واحد منهم بالمبلغ نفسه، عندها يصبح بالإمكان شراء أرض والبدء بمشروع سكني. وبعد ذلك يلتزم الأعضاء بدفع أقساط شهرية، قد تختلف من جمعية لأخرى، ويستمر البناء على مراحل حتى يحصل كل عضو على شقته بعد نحو 10 إلى 15 عاماً.
ويوضح طعّان فكرة أن كثيراً من الناس يعتقدون أن الجمعية السكنية هي شركة عقارية، بينما هي في الحقيقة تقوم على مبدأ التعاون بين مجموعة من الأشخاص. مع العلم أن الجمعيات السكنية كانت ولا تزال جانب مكمل لوزارة الإسكان، وأسهمت خلال السنوات السابقة في بناء آلاف المساكن، إلا أن ذلك لا يعني أن جميع الجمعيات تعمل بالطريقة نفسها.
ويضيف أن لكل جمعية هيئة عامة تضم جميع الأعضاء، وهي صاحبة القرار النهائي في كثير من القضايا، كما يتم انتخاب مجلس الإدارة كل أربع سنوات. ولا يستطيع المجلس اتخاذ القرارات المالية الكبرى أو شراء الأراضي أو تنفيذ المشاريع دون العودة إلى الهيئة العامة، بالإضافة إلى أن مديريات التعاون السكني في المحافظات تراقب أعمال الجمعيات وتدقق في محاضر اجتماعاتها بشكل مستمر.
ويؤكد طعّان أن الجمعية لا يديرها شخص واحد، وإنما يتم انتخاب مجلس الإدارة من قبل الأعضاء أنفسهم. ففي كل عام تعقد الجمعية اجتماع الهيئة العامة، الذي يشارك فيه جميع المنتسبين، ويتم الإعلان عنه مسبقاً في الصحف، مع إرسال دعوات للأعضاء وبيان جدول الأعمال.
أما الانتخابات فتجري مرة كل أربع سنوات، ويحق لأي عضو الترشح، ثم يصوت أعضاء الجمعية لاختيار مجلس إدارة يتكون من خمسة إلى سبعة أعضاء، بينهم رئيس المجلس، ونائب الرئيس، وأمين السر، وأمين الصندوق، وعدد من الأعضاء.
الأزمة الاقتصادية قلبت الحسابات
لكن ما يحدث اليوم في بعض الجمعيات السكنية التعاونية من وجود عمليات نصب واحتيال، جعل من الضروري السؤال عن حقيقة هذه العمليات، وهنا يوضح طعّان المسألة، ويؤكد وجود حالات احتيال أو فساد أو سوء إدارة في بعض الجمعيات، لكنه يرفض في نفس الوقت تعميم هذه الحالات على جميع الجمعيات، لأن هناك جمعيات أنجزت مشاريعها بالكامل، وأخرى وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ، وما تزال تعمل بشكل طبيعي.
في حين أن واحدة من أكبر المشاكل التي واجهت الجمعيات في المرحلة الماضية، ولا تزال سارية إلى الآن، بحسب طعّان، هي الانهيار الكبير في قيمة الليرة السورية، التي ترافقت مع سوء الإدارة.
ويضرب مثالاً على ذلك، فيقول إن شخصاً دفع قبل عشر سنوات مليون ليرة سورية، وكان هذا المبلغ يعادل في ذلك الوقت آلاف الدولارات، أما اليوم فأصبحت قيمة المليون ليرة لا تتجاوز عشرات الدولارات فقط. لذلك، إذا قرر العضو الانسحاب من الجمعية، فإن القانون يلزم الجمعية بإعادة المبلغ المدفوع بالليرة السورية، وليس بقيمته الحقيقية الحالية، وهو ما يجعل كثيراً من المنتسبين يشعرون بأنهم خسروا أموالهم.
ويضيف أن الحرب أدت أيضاً إلى توقف مشاريع كثيرة لسنوات، وعندما حاولت الجمعيات إعادة العمل بعد ذلك، كانت أسعار مواد البناء قد تضاعفت مرات عديدة، في حين لم يعد كثير من الأعضاء قادرين على دفع الأقساط الجديدة.
مشاريع توقفت بسبب توقف الأعضاء عن الدفع
يقول طعّان “لسوريا اليوم 24” أن الجمعية تعتمد على التمويل الجماعي، ولذلك فإن توقف عدد من الأعضاء عن دفع الأقساط ينعكس مباشرة على المشروع كله.
ويضرب مثالاً بمشاريع سكن الاصطياف في منطقتي بلودان والزبداني، التي ضمت مئات المنتسبين. فقبل الحرب كان الجميع يسدد الأقساط بصورة طبيعية، لكن بعد توقف العمل لسنوات تغيرت الظروف الاقتصادية، ولم يعد جميع الأعضاء قادرين على الاستمرار بالدفع، فتعثرت المشاريع.
ويضيف أن بعض الجمعيات واجهت مشكلة أخرى، وهي غياب عدد من الأعضاء عن اجتماعات الهيئة العامة أو تأخرهم في دفع المستحقات، الأمر الذي أثر أيضاً على سير العمل.
التضخم جعل الأقساط القديمة بلا قيمة
ويستشهد طعّان بتجربة عملية عاشتها الجمعيات في ضاحية الفيحاء. ففي عام 2021 كانت معظم الجمعيات تفرض أقساطاً شهرية تتراوح بين مليون ومليوني ليرة سورية، وكان هذا المبلغ يكفي لتنفيذ جزء من أعمال البناء. لكن مع نهاية عام 2023، لم تعد هذه الأقساط تكفي لإنجاز أي مرحلة حقيقية، فاضطرت الجمعيات إلى رفعها لتتراوح بين خمسة وعشرة ملايين ليرة شهرياً.
ويقول طعّان أن الجمعيات التي رفعت الأقساط استطاعت متابعة البناء، بينما بقيت الجمعيات التي استمرت بتحصيل مليون أو مليوني ليرة عاجزة عن تنفيذ أكثر من الأعمدة أو جزء بسيط من هيكل البناء طوال عام كامل.
ويضيف أن الجمعيات تستطيع شراء الأراضي من الدولة أو من القطاع الخاص، لكن الوضع تغير بعد عامي 2021 و2022، إذ أصبحت الأراضي الحكومية تباع وفق القيمة الرائجة، بعد أن كانت في السابق تباع بأسعار مدعومة مع إعفاءات من بعض الرسوم والضرائب، وهو ما رفع تكلفة المشاريع الجديدة بشكل كبير.
مشاريع تعثرت منذ عام 2010
ويتحدث طعّان عن إحدى التجارب التي يصفها بأنها من أكثر القضايا المعقدة، وتتعلق بمشروع بدأ عام 2010 في منطقة جعيلة الواقعة بين مشروع دمر وضاحية قدسيا.
وبحسب قوله، اشترت هذه الجمعية جزءاً من الأراضي من أصحابها، بينما بقي جزء آخر غير مستملك بالكامل بسبب وجود مواقع عسكرية عليها، وكان من المقرر انسحاب القطعات العسكرية من الأراضي لكن لم يحدث ذلك.
ويقول أن هذه الجمعية استمرت ببيع العضويات للمواطنين، ووصل عدد الأسماء إلى نحو 2400 منتسب، كما جرى تداول هذه العضويات في المكاتب العقارية، حيث كانت بعض عمليات البيع تتم بمبالغ موثقة رسمياً، وأخرى بمبالغ إضافية خارج السجلات، وهي أموال لا يوجد ما يثبتها قانونياً.
ويرى أن هذه القضية أصبحت من أكثر الملفات تعقيداً، لأن المشروع لم ينطلق فعلياً حتى الآن، ولا تزال هناك تساؤلات حول أوضاع الأراضي وإجراءات نقل الملكية.
اقرأ أيضاً: مشروع “شمال السكة” في الرقة: إعادة إعمار أم اختبار جديد لحقوق السكن؟
لماذا تختلف أسعار الشقق بين جمعية وأخرى؟
يوضح طعّان “لسوريا اليوم 24” أن الجمعية لا تهدف إلى تحقيق الربح، بل إلى تأمين الشقة بسعر التكلفة. وتختلف تكلفة الشقة بحسب سعر الأرض، وموقع المشروع، وطريقة التنفيذ، سواء عبر شركة متعهدة أو بتنفيذ مباشر من الجمعية بإشراف مهندسين.
ويضرب مثالاً بأن أحد المقاسم في ضاحية الفيحاء كان سعره عامي 2016 و2017 نحو 100 مليون ليرة سورية، بينما أصبحت القيمة الرائجة للمقسم نفسه اليوم تقارب 1.8 مليار ليرة سورية، وهو ما يعني أن أي مشروع جديد ستكون تكلفته أعلى بكثير من المشاريع القديمة.
ويشير أيضاً إلى أن نحو 80% من مشاريع ضاحية الفيحاء وصلت إلى مرحلة الهيكل، في حين لا يزال نحو 15% منها قيد الإنشاء، بينما بدأت بعضها بمرحلة الإكساء الخارجي.
ويرى أن أحد أسباب بطء الإنجاز هو عدم استكمال البنية التحتية، مثل تعبيد الطرق وبعض الخدمات التي كانت وزارة الإسكان متكفلة بها، الأمر الذي جعل كثيراً من الأعضاء يترددون في دفع الأقساط المتبقية.
أما أسعار بيع العضويات حالياً، فيقول إنها تختلف من مشروع إلى آخر، لكنها تتراوح في ضاحية الفيحاء بين 10 آلاف و40 ألف دولار، بحسب موقع الجمعية، ومساحة الشقة، ومرحلة تنفيذ المشروع، وحجم الدفعات التي سبق أن سددها العضو.
كما يلفت إلى أن بعض المشاريع، مثل مشاريع في الغزلانية والحرجلة التي بدأت عام 2007، أصبحت تواجه مشكلة مختلفة، إذ إن تكلفة استكمال البناء اليوم أصبحت أعلى من القيمة السوقية للشقق، وهو ما دفع كثيراً من المنتسبين إلى عدم استكمال دفع الأقساط، لأنه لم يعد مجدياً اقتصادياً. وهذا ما جعلها معلقة.
الضمانات القانونية للمشترين
يرى كثير من المنتسبين أن أكبر مخاوفهم هي ضياع حقوقهم في حال تعثر المشروع، إلا أن أصيل طعّان يؤكد، في تصريحه “لسوريا اليوم 24″، أن هناك ضمانات قانونية تحفظ حق العضو. فبمجرد تسجيل الشخص في الجمعية، يتم تثبيت اسمه رسمياً لدى مديرية التعاون السكني في المحافظة، وبعد ذلك يدخل ضمن سجلات المشروع الرسمية.
وعندما تصل الجمعية إلى مرحلة التخصيص، يتم تحديد رقم الشقة الخاصة بكل عضو، ويصبح بإمكانه الحصول على وثيقة رسمية تثبت أنه مالك لتلك الشقة داخل المشروع.
ويضيف أن الأقساط كان يتم دفعها في السابق عبر المصرف التعاوني السكني التابع للمصرف العقاري، وكانت جميع الدفعات موثقة مصرفياً، لكن بعد التغييرات التي طرأت على عمل المصارف بعد التحرير، سمحت وزارة الإسكان للجمعيات بتحصيل الأقساط نقداً، مقابل منح المنتسب إيصالاً رسمياً مختوماً وموقعاً يثبت قيمة المبلغ الذي دفعه.
كيف تحل القضايا المعلقة؟
بعد عرض واقع الجمعيات السكنية التعاونية والمشاكل التي تجعلها معلقة بين التوقف والتنفيذ، يأتي سؤال طريقة حل هذه القضايا في مقدمة التساؤلات. وهنا يوضح أحد المحامين أن حالات التعثر في الجمعيات السكنية تختلف من حالة لأخرى. فإذا اتضح أن الجمعية خالفت نظامها الداخلي أو خالفت المراسيم والقوانين الناظمة لعملها هنا يعد هذا مخالفة قانونية.
وأشار المحامي إلى أن التلاعب في جداول الأفضليات، أو تعديل مخططات التخصيص بصورة غير قانونية، تشكل مخالفة صريحة للقانون، لكن إثباتها يكون معقد أمام القضاء.
وهنا يقدم المتضررون شكوى خطية إلى الاتحاد التعاوني السكني في المحافظة، حيث يتم تشكيل لجنة تحقيق لدراسة الملف، ثم يتم رفع نتائج التحقيق إلى وزارة الإسكان لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
بينما يقول طعّان “لسوريا اليوم 24″، إن حل كثير من الملفات العالقة لا يرتبط فقط بمحاسبة المخالفين، بل يحتاج أيضاً إلى طرح أراضٍ جديدة للجمعيات، وإيجاد حلول للمنتسبين الذين تعود مدة انتظار بعضهم إلى عام 1996 للحصول على مشروع سكني، بالإضافة إلى معالجة القوانين التي تنظم بيع العضويات بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
وعود حكومية بإعادة التنظيم
مثلما أوضحنا في بداية المقال، أن أزمة السكن تعد من أبرز الأزمات التي تعاني منها المحافظات السورية، لذلك أخذ ملف الجمعيات السكنية التعاونية حيزاً كبيراً من أعمال وزارة الأشغال العامة والإسكان، التي قالت أنها بدأت العمل على خطة جديدة لإعادة تنظيم قطاع الجمعيات السكنية.
وقال مدير التعاون السكني في الوزارة، أسامة شعباني، إن الوزارة بدأت بتطبيق آلية تعتمد على الشفافية والحوكمة، وتهدف إلى تسريع إنجاز المشاريع المتعثرة بعد سنوات طويلة من التأخير.
وأوضح أن الوزارة صنفت الجمعيات إلى جمعيات فعالة وأخرى متعثرة، كما قسمت الجمعيات الفعالة إلى ثلاث فئات هي A وB وC بحسب نسبة الإنجاز، بدءاً من مرحلة الأساسات وصولاً إلى الإكساء النهائي.
وأضاف أن الوزارة وضعت مواعيد زمنية لإنهاء المشاريع، بحيث يتم استكمال مشاريع الفئة A خلال عام 2026، والفئة B خلال عام 2028، والفئة C قبل نهاية عام 2030.
وأشار إلى أن الجمعيات المتعثرة ستخضع لمعالجات مختلفة وفق أحكام قانون التعاون السكني رقم 99 لعام 2011، والذي يسمح بحل الجمعية أو دمجها أو تصفيتها إذا كانت غير قادرة على استكمال المشروع.
وأكد أن الهدف من هذه الخطة هو الانتقال من المتابعة الإدارية التقليدية إلى نظام يعتمد على إنجازات واقعية واضحة، ومساءلة قانونية لمجالس الإدارات، مما يساهم في حل مشكلة المنتسبين الذين ينتظرون شققهم منذ سنوات طويلة.
في الختام، من المؤكد أن ملف الجمعيات السكنية التعاونية معقد، لكن حلولها ما زالت موجودة إذا توفر دعم حكومي من شقين، الأول الشق القانوني الذي يضمن حقوق الجميع، والثاني الشق الاقتصادي (مثل أسعار الأراضي) الذي يحل أزمة هذه الجمعيات التي لا ذنب لأعضائها إذا خسرت أموالهم قيمتها نتيجة التضخم، وينتهي بحلول مرضية لجميع الأطراف.
اقرأ أيضاً: الاستثمار السكني في يعفور: هل يعود رأس المال إلى سوريا عبر العقار أولاً؟









