الجمباز في سوريا يواجه أزمته.. بين تراجع مؤلم وفرص للإنقاذ

بقلم: ريم ريّا
الجمباز في سوريا من أكثر الألعاب الفردية التي تمتلك تاريخاً عريقاً وإمكانات كامنة، إلا أن هذه الرياضة التي اعتادت أن ترفد المنتخبات العربية بلاعبين موهوبين شهدت تراجعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة لظروف عديدة بعضها كان خارج إرادة القائمين عليها. يعود هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها ضعف البنية التحتية، وغياب الرعاية والتمويل، وتراجع البرامج التدريبية الحديثة، إضافة إلى هجرة الكوادر الفنية نتيجة ظروف إدارية ونتيجة الحرب في سوريا، وابتعاد المواهب الشابة عن اللعبة. ورغم كل التحديات، ما يزال الجمباز السوري يمتلك فرصة حقيقية للعودة إذا ما توفرت الإرادة والدعم لتحديث رؤيته وإعادة بناء أسسه.
تاريخ الجمباز حول العالم وفي سوريا
تاريخ ممارسة رياضة الجمباز يعود إلى 4000 سنة مضت، برأي بعض المؤرخين أن رياضة الجمباز مستوحاة من البهلوانات في مصر القديمة، حيث أظهرت الرسوم التي وجدت على الجدران قيام البهلوانات بحركات مثل التشقلب والقفز في الهواء وحركات أخرى تحتاج إلي لياقة بدنية كبيرة للقيام بها.
عرف القدماء المصريين رياضة الجمباز منذ 3000 سنة قبل الميلاد، وهذا ما تؤكده النقوش التي وجدت على جدران الأهرامات والعديد من المعابد والمقابر، مثل: مقبرة “ميراكوا” في سقارة، ومقبرة “بتاح حتب”.
أما عن وصف النقوش التي تدل على بداية رياضة الجمباز منذ عصر المصريين القدماء، فقد كانت نقوش تظهر بعض الأشخاص من الرجال والنساء يقومون بحركات بهلوانية رشيقة بطريقة فردية وجماعية تتماثل مع الحركات التي تمارس الآن في رياضة الجمباز على مستوى العالم.
ذكر كذلك، أن رياضة الجمباز بدأت في اليونان وأنها قد استوحت من طريقة إعداد المقاتلين اليونانيين قديماً، وكانت هذه التمارين تشتمل على المصارعة ورمي الأثقال والسباحة. وبعد غزو اليونان للرومان طور الرومان الجمباز، واستخدموا صالات الرياضة لإعداد جنودهم جسدياً للحرب.
دخل الجمباز إلى سوريا وفقاً للتقارير عام 1956، ودخلت رياضة الجمباز الإيقاعي إلى البلاد مع بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث شهدت تطوراً متواتراً إلى أن دخلت مع نهاية عقد التسعينيات إلى محافظة طرطوس لأول مرة، إذ استطاعت هذه الرياضة أن تحجز لنفسها مكانةً على الساحة الرياضية في المحافظة عبر فريقها الذي حقق أفضل النتائج على مستوى الجمهورية وخارجها.
اقرأ أيضاً: من التسييس إلى التأسيس.. خارطة طريق أيمن جاده لإنقاذ الرياضة السورية
أنواع الجمباز.. وأشكال ممارسته بين الرجال والنساء
الجمباز ليس صنفاً واحداً أو مجرد شقلبه ولهو في الهواء، بل له أنواع وبعضها حكر على النساء دون الرجال. النوع الأول: الجمباز الفني، جزء من الألعاب الأوليمبية منذ اعتماد الجمباز كرياضة مستقلة، وفي البداية كان يقتصر على الرجال فقط، ولكن فيما بعد تم تضمين النساء، ويتنافس لاعبو الجمباز الفني في ست مسابقات، وهي: الأرضية، حصان الحلق، الحلقات، القبو، القضبان المتوازية، القضيب الأفقي. ويتم التنافس فيها على الألقاب الفردية والجماعية. ويختبر هذا النوع من الجمباز قوة اللاعبين وخفة حركتهم وسرعتهم وقدرتهم على التحمل والتوازن.
النوع الثاني: الجمباز الإيقاعي، يتم فيه أداء التمارين الجسدية المنتظمة بمساعدة أجهزة يدوية، مثل: الأطواق، الحلقات، الحبال، الكرات، الشرائط. ويرتبط هذا الشكل من أشكال الجمباز بالجمباز الفني بالنساء، وتقام بطولات الجمباز الإيقاعي مرتين في السنة منذ عام 1963، ويعتمد هذا الشكل على تعبيرات الوجه وانسيابية الحركة أكثر من الحركات وقوتها.
النوع الثالث: الجمباز البهلواني، هو نظام حديث وفني، يشترك فيه فريق من اللاعبين، ويعتمد الجمباز البهلواني على تحلي الفريق الواحد بالشجاعة والثقة المتبادلة بين بعضهم البعض، يتم تقديم هذا النوع من الجمباز على مساحة تبلغ 12 متر مربع على أنغام موسيقية، ويتم اختيار اللاعبين على أساس شروط جسدية ونفسية، كما يجب أن يتمتع أفراد الفريق بخفة الحركة والثبات والمرونة والمهارات البهلوانية.
النوع الرابع: الجمباز الأرضي، هذا النوع من الجمباز يقوم اللاعبون فيه بأداء الحركات على أرض مساحتها 12 متر كذلك، وتكون هذه الأرض مغطاة بنوع معين من القماش أو الحصير والوسادات، ولا يستخدم في الجمباز الأرضي أي نوع من الأدوات والأجهزة، ويكون التمرين فيه عبارة عن سلسلة من الحركات التي تجمع بين المرونة والقوة والقفز والقدرة على التوازن والحفاظ على وضعيات الجسم، كما يجب أن تتم كل الحركات في تناغم منتظم واستخدام كامل لكل المساحة المخصصة له والاتجاه في كل اتجاهات المساحة عند الحركة.
النوع الخامس: جمباز القفز، يعتمد هذا النوع من الجمباز على القيام بحركات أثناء القفز، ويتم تقييم اللاعبين فيها على حسب طول اللاعب أثناء القفز، وأنه قادر على الهبوط بعد القفز بشكل ثابت خالي من الاهتزاز.
النوع السادس والأخير: جمباز الأيروبيكس، أو ما يعرف بالجمباز الهوائي، ويجمع هذا النوع بين مهارات الجمباز المختلفة والرقص فينتج عن هذا الاندماج نوع ممتع من الحركات السريعة المتزامنة والمتناسقة، من الممكن أداء هذا الشكل من الجمباز بصورة فردية أو جماعية.
واقع الجمباز في سوريا وأبرز تحدياته
واقع الجمباز في سوريا هو نتاج التحديات التي تواجهها هذه الرياضة في بلاد أنهكتها الحرب من جهة والإهمال الإداري من جهة أخرى. يعاني الجمباز السوري في السنوات الأخيرة، من تراجع كبير في النتائج وغياب أسماء جديدة تعيد لهذه الرياضة رونقها. واقعه متخبط ومترنح في ظل التحديات المتمثلة في غياب أو ضعف الصالات المجهزة للتدريب واستضافة البطولات، ونقص التمويل والدعم المالي وحتى اللوجستي، إلى جانب غياب البرامج التدريبية الحديثة والمتطورة والتي تواكب آخر التحديثات العالمية، إضافة إلى هجرة عدد من المدربين واللاعبين نتيجة الإهمال وضعف الإمكانيات وظروف الحرب. كل تلك العوامل جعلت عملية التطوير بطيئة وصعبة.
بالرغم من مشاركة بعض الفرق واللاعبين في بطولات خارجية مؤخراً، يبقى الطريق نحو استعادة المستوى التنافسي مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على توفير بيئة تدريب مستقرة وتجهيزات مناسبة تساعد المواهب الشابة على الظهور من جديد.
وعود بخطط للنهوض .. وعرض لآخر الإنجازات
قال رئيس اتحاد الجمباز السوري “يوسف الطباع“، أنه تم وضع خطة استراتيجية شاملة، لإعادة هيكلة اللعبة محلياً، وتوسيع القاعدة الجماهيرية والفنية، وتطوير البنية التحتية، مع التركيز على إعادة الثقة بين كوادر اللعبة، والابتعاد عن كل ما يعوق تطور اللعبة.
كذلك سيتم العمل وفق الخطة على استعادة الخبرات التي تم استبعادها سابقاً وتوظيف تلك الخبرات كلٌ حسب اختصاصه، في اللعبة والاستفادة من تجارب المخضرمين الكبيرة في الجمباز، والعمل على صنع بطل حقيقي باللعبة. وأضاف الطباع قائلاً: كما إننا سنعمل على أهمية تمكين الشباب، وتطوير الكوادر الفنية والإدارية والتنظيمية، عبر برامج صقل وتدريب شاملة، بالإضافة إلى تنظيم وأتمتة العمل، بالتشارك والتعاون مع جميع أبناء أسرة رياضة الجمباز.
كذلك تشمل الخطة، توسيع قاعدة اللعبة من خلال تطوير المواهب، بالتركيز على المراكز التدريبية التابعة للاتحاد، والعمل على توفير الدعم والتسهيلات اللازمة للمدربين والمواهب فيها، وافتتاح تجمعات للمنتخبات الوطنية حسب المستوى الفني، كما يدرس الاتحاد إطلاق نظام خاص بالأكاديميات الخاصة، يربطها فنياً وتنظيمياً بالاتحاد، لتتحول من مشاريع ربحية إلى مصانع حقيقية للأبطال.
إلى جانب السعي لإطلاق حملات توعوية وتثقيفية للاعبين والمدربين والأهالي، والإضاءة على أهمية الشراكة مع وزارتي التربية والرياضة والشباب، لإحياء البطولات المدرسية بجميع المراحل، إضافةً إلى العمل على إقامة دورات دولية ومحلية، بالتعاون مع الاتحاد الدولي والاتحادات الآسيوية والعربية، بهدف رفع كفاءة المدربين والحكام، وتعزيز الخبرة الفنية واطلاعهم على كل ما هو جديد في عالم رياضة الجمباز، لمواكبة التطورات الإقليمية والدولية.
أما عن آخر إنجازات المنتخب في العام الجاري 2025، حقق المنتخب الوطني السوري للجمباز الإيقاعي ستة ميداليات متنوعة بواقع (ذهبيتين، وفضيه، وثلاث برونزيات) في بطولة كأس ماليزيا الدولية (اترينا كاب) للسيدات والشابات. فقد أحرزت البطلة تاليا الخياط الميدالية الذهبية في اداة الإطار والميدالية الذهبية في اداة الشريطة والميدالية الفضية في الفردي العام في جميع الأدوات. وحققت البطلة حلا غنوم الميدالية البرونزية في أداة الكرة والميدالية البرونزية في أداة الشريطة والميدالية البرونزية في الترتيب العام بجميع الأدوات.
حقق اللاعب السوري في شهر أيار ستيفن جبور إنجازاً لافتاً في بطولة غرب آسيا للجمباز للفئات العمرية المقامة في الأردن، حيث تمكن من الفوز بأربع ميداليات برونزية. شهدت البطولة مشاركة واسعة تجاوزت المئة لاعب من مختلف دول غرب آسيا. حيث تألق جبور في مختلف الأجهزة، محققاً الميداليات البرونزية على جهاز حصان الحلق، وجهاز المتوازي، وجهاز الثابت، بالإضافة إلى ميدالية برونزية في المجموع العام، ليؤكد بذلك على المهارات العالية التي يتمتع بها لاعبو الجمباز السوريون.
في شهر تشرين الثاني حقق منتخب سوريا لجمباز الباركور ميدالية ذهبية وميدالية برونزية، ضمن منافسات بطولة آسيا الأولى للرجال لجمباز الباركور المقامة في العاصمة الأردنية عمان. وحصد الميدالية الذهبية اللاعب محمد البرغش، بينما حقق الميدالية البرونزية اللاعب وسام العابد ضمن منافسات السرعة.









