“الجلوم” بحلب.. حكاية حيّ حفظت أزقته ذاكرة الشهباء وروايات اختلف أهلها على أصل الاسم

بقلم: ريم ريّا
إذا سألت حلبياً عن الجلوم، غالباً لن يبدأ حديثه من كتب التاريخ، بل من الأزقة والبيوت القديمة، ومن رائحة الأسواق، ومن حكايات سمعها من أبيه أو جده عن حيّ كان له حضوره الخاص في قلب حلب القديمة. فالجلوم بالنسبة لأهل المدينة ليس مجرد اسم لمحلة داخل الأسوار، بل واحد من الأسماء التي تختصر شيئاً من شخصية حلب نفسها. مدينة تختلط فيها الحرفة بالتجارة، والجامع بالخان، والبيت العربي بالسوق، وتتحول فيها الحارة مع مرور الزمن إلى ذاكرة يعيشها أهلها أكثر مما يقرؤونها في الكتب.
يقع حي الجلوم في القسم الغربي من مدينة حلب القديمة، بين مناطق باب قنسرين وباب أنطاكية، ويمتد ضمن النسيج التاريخي للمدينة القديمة، قريباً من الأسواق والمنشآت الدينية التي صنعت مكانة حلب التجارية والثقافية عبر قرون.
الجلوم الكبرى والجلوم الصغرى.. حيان باسم واحد
للجلوم تاريخ عريق، فلم تكن منطقة حضرية واحدة، بل عُرفت تاريخياً باسم الجلوم الكبرى والجلوم الصغرى. في كتابه “نهر الذهب في تاريخ حلب”، يشير كامل الغازي، المؤرخ الحلبي، إلى الجلوم الكبرى والجلوم الصغرى كحيّين مستقلين. ويذكر أيضاً أن الأول كان يُعرف أيضاً باسم الجلوم البرانية (الجلوم الخارجية) والثاني باسم الجلوم الجوانية (الجلوم الداخلية).
كان الجلوم جزءاً لا يتجزأ من المدينة، وكانت الحياة تنبض خارج أسوارها. كانت بيوتها متلاصقة، وشوارعها الضيقة المتعرجة، وأسواقها، ومساجدها، ونوافيرها العامة، وخاناتها، جميعها تسهم في تاريخها العريق. حافظت هندستها المعمارية التقليدية على صورةٍ لحياة أهل حلب في مدينتهم القديمة.
لم يكن موقع هذا الحي هامشياً بأي حال من الأحوال، فقد كان يقع بالقرب من أحد أهم مراكز الحياة الدينية والتجارية في حلب. يقع الجامع الأموي الكبير داخل حدود المدينة القديمة، بالقرب من حي الجلوم، بجوار الأسواق التي كانت شريان الحياة الاقتصادي للمدينة لقرون.
اقرأ أيضاً: باب شرقي في دمشق.. من بولس الرسول إلى خالد بن الوليد
طيب… من أين جاء اسم “الجلوم”؟
هنا تبدأ قصة لا يمكن لأي رواية واحدة أن تجيب عنها بشكل قاطع. خضع اسم الجلوم لتفسيرات عديدة، بعضها تناقلته الأجيال حتى أصبح جزءاً من الثقافة الشعبية للحي. تشير إحدى الروايات الشائعة إلى أن الاسم مشتق من عبارة “جل القوم”، مما يدل على أن سكان هذه المنطقة كانوا من أعيان المدينة ووجهائها.
وتقول رواية أخرى إن “جلوم” تحريف لعبارة “جلا القوم”، أي أن مجموعة من السكان هاجروا أو انتقلوا من موطنهم الأصلي واستقروا في هذه المنطقة. كما توجد رواية تربط الاسم بـ”سلوم”، التي ذكرها كامل الغازي عند حديثه عن هذا الحي، حيث أشار إلى أن “جلوم” تحريف لـ”سلوم”.
مع ذلك، فإن الرواية الأكثر دقة لغوياً ومهنياً تربط الاسم بالفعل “جَلَم”، أي نتف الصوف. ينسب هذا التفسير إلى الغازي في بعض المصادر التي تتناول أسماء الأحياء القديمة في حلب، مما يثير احتمال أن يكون الاسم مرتبطاً بمهنة قديمة مارسها أو عرفها سكان المنطقة. تبقى هذه التأويلات في نطاق التقاليد والاحتمالات، ولا يمكن تقديم أي رواية على أنها الحقيقة المطلقة بشأن أصل الاسم.
قصة “جاء اللوم”… قصة شائعة بين رواة القصص
من الحكايات الشعبية المسلية المرتبطة باسم هذا الحي، أن “جالوم” مشتق من عبارة “جاء اللوم”. بحسب هذه القصة، كان هناك شخصية بارزة في هذا الحي، ذات نفوذ ومكانة، قادرة على إلقاء اللوم على أصحاب السلطة والحكام. ارتبط هذا الاسم أو اللقب به، ومن خلال الاستخدام الشائع، أصبح اسم الحي.
لا تعد هذه القصة ذات أهمية تاريخية تضاهي المراجع الواردة في كتب مؤرخي حلب، لكنها تكشف عن أمر آخر لا يقل أهمية، كيف حاول أهل حلب تفسير أسماء أحيائهم من خلال قصص تعكس طبيعة المدينة وسكانها. لا يبقى الاسم القديم مجرد كلمة، بل يسعى الناس إلى ربطه بشخص وقصة وموقف. لعلّ هذا هو السبب في استمرار الروايات المختلفة المحيطة بحي الجلوم حتى يومنا هذا.
حيّ برز منه رجال تركوا بصمتهم في حلب
لا تقتصر رمزية الجلوم على اسمه فحسب. يرتبط هذا الحيّ بشخصيات بارزة من حلب كان لها حضور بارز في ثقافتها وفنونها وتاريخها. من أبرز سكانه خير الدين الأسدي، المؤرخ والعالم الذي كرّس جزءاً كبيراً من حياته لجمع تفاصيل مدينته، من لغتها ولهجتها وأمثالها وحرفها وعاداتها إلى أسماء شوارعها ومعالمها التاريخية.
وُلد الأسدي في الجلوم مطلع القرن العشرين، ونشأ في بيت زاخر بالعلم والتقوى. وأصبح فيما بعد أحد أبرز الشخصيات التي حفظت ذاكرة حلب من خلال الكتابة والتوثيق. المفارقة الجميلة تكمن في أن هذا الرجل، الذي ينحدر من أحد أحياء حلب القديمة، أمضى سنوات طويلة في محاولة الحفاظ على تفاصيل المدينة وهي تتغير وتتطور من حوله. يرتبط حي الجلوم أيضاً بشخصيات بارزة أخرى في ثقافة وفنون حلب، مما جعله يذكر أحياناً كواحد من البيئات التي احتضنت الأدباء والفنانين والمثقفين.
الجلوم.. صورة مصغرة عن حلب
ربما تكمن أهمية الجلوم الحقيقية في أنها تختصر الطريقة التي تشكلت بها حلب القديمة. في مساحة محدودة، اجتمعت البيوت والأسواق وأماكن العبادة والحرف والعائلات، وعاش إلى جانب بعضهم سكان من خلفيات دينية واجتماعية مختلفة. وتظهر سجلات الغزي للجلوم الكبرى والصغرى تنوعاً في سكان المحلة، بما يعكس التنوع الذي عرفته حلب القديمة عموماً.
ولذلك فإن الحديث عن الجلوم لا يتعلق بحجارة قديمة فقط. الحي يمثل جزءاً من ذاكرة مدينة كان اسم الحارة فيها يكفي أحياناً ليخبرك عن أهلها وحرفهم ومكانتهم، وعن الطريق الذي ستسلكه، والسوق الذي ستصل إليه، والبيت الذي ربما يعرفه والدك أو جدك. وهذه هي قيمة الجلوم اليوم، أن اسماً عمره قرون ما زال حاضراً في كلام الحلبيين، حتى لو اختلفوا على أصل حروفه الأولى.
فبين “جلّ القوم” و”جلا القوم” و”سلوم” و”جَلَم” و”جاء اللوم”، بقي حيّ الجلوم، حياً من أحياء حلب القديمة، يحمل في اسمه أكثر من رواية، وفي أزقته أكثر من زمن، وفي ذاكرة أهله حكاية مدينة لا تزال تحاول أن تتذكر نفسها.









