الجامعات الخاصة في سوريا… هل من جديد بعد تحديثات وزارة التعليم العالي؟

تعد الجامعات الخاصة في سوريا خياراً تعليمياً مهماً إلى جانب الجامعات الحكومية، إذ ساعدت منذ تأسيسها على استيعاب أعداد أكبر من الطلاب وتوفير تخصصات حديثة لهم تواكب التطور العلمي وتغطي متطلبات سوق العمل. لكن مع ذلك تبقى هذه الجامعات محط نقاش في الأوساط الأكاديمية والطلابية، خاصةً بسبب رسومها الدراسية المرتفعة مقارنةً بالجامعات الحكومية، ما يجعل الالتحاق بها محصوراً بفئات معينة من المجتمع. بالرغم من جودة برامجها التعليمية وبيئتها الجامعية المتطورة، إلاّ أن التحدي الأكبر أمامها يبقى في الموازنة بين تقديم تعليم نوعي وبين توفيره لشريحة أوسع من الطلبة السوريين. في هذا المقال سنناقش الجامعات الخاصة من حيث الانتشار، والفرق بينها وبين الحكومية، إضافةً إلى إشكالية الرسوم وتصريحات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حولها.
عدد الجامعات الخاصة في سوريا.. وأين تتوزع
الجامعات الخاصة في سوريا، تتوزع بين دمشق ودرعا وحمص وحلب، كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق. وجامعات ما كان يعرف باسم شمال حلب المحرر وإدلب وحماه وبعض الفروع لهذه الجامعات في الجزيرة السورية.
تم إيجاد الجامعات الخاصة كبديل لسفر الطلاب غير المقبولين في الجامعات الحكومية إلى دول أوروبا الشرقية بشكل خاص ولجامعات العالم بشكل عام، حيث وجد فيها الطلاب فرصة لإكمال تعليمهم الجامعي بشروط في متناول الكثيرين في سوريا.
شهدت هذه الجامعات نمواً ملحوظاً في عددها (من 32,000 طالب عام 2017 إلى 50,000 بحلول عام 2021، بزيادة قدرها 56%)، وهي تتنافس من خلال توفير مرافق أكثر حداثة، وفصول دراسية أصغر حجماً، وبرامج متخصصة. في حين تؤكد هذه الجامعات على جودة التعليم، والمرونة، ودعم الطلاب بشكل أفضل، مما يجذب أولئك الذين يستطيعون تحمل رسوم الدراسة الأعلى. كما أصدرت وزارة التعليم العالي قائمة بأسماء الجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد العليا السورية المعترف بها من قبل الحكومة في البلاد.
شملت القائمة أسماء 29 جامعة خاصة في مختلف المحافظات السورية، مثل: جامعة إيبلا، جامعة الشمال، جامعة ماري، جامعة المعارف، جامعة الحياة للعلوم الطبية، والجامعة الإسلامية في محافظة إدلب، ومن الجامعات الخاصة الأخرى التي شملها الاعتراف: الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في اللاذقية، جامعة القلمون بريف دمشق، الجامعة العربية الدولية في درعا، الجامعة السورية الخاصة بريف دمشق، الجامعة الدولية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا بدرعا، جامعة الوادي الدولية بحمص، وجامعة الرشيد الدولية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا بدرعا.
وتضمنت القائمة كذلك: جامعة اليرموك الخاصة بدرعا، الجامعة الوطنية الخاصة في حماة، جامعة قرطبة الخاصة بحلب، جامعة الاتحاد الخاصة في الرقة، جامعة الشهباء الخاصة بحلب، جامعة الجزيرة في دير الزور، الجامعة العربية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا في حماة، وجامعة الأندلس للعلوم الطبية بطرطوس. وشمل القرار جامعات أخرى مثل: جامعة الحواش الخاصة بحمص، جامعة الشام الخاصة بريف دمشق، جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية بدمشق، جامعة قاسيون الخاصة في درعا، جامعة المنارة في اللاذقية، الأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية في حلب، جامعة أنطاكية السورية الخاصة بريف دمشق، وكلية اللاهوت في دمشق.
لكن قائمة الوزارة استثنت تسع جامعات خاصة في الشمال السوري، هي: جامعة المعالي، جامعة الشام، الجامعة الدولية للعلوم والنهضة، جامعة باشاك شهير، جامعة آرام للعلوم، جامعة الرواد للعلوم والتقانة، جامعة الزهراء، الجامعة السورية للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة الأمانوس.
أصدرت هذه الجامعات بياناً مشتركاً أعربت فيه عن ترحيبها بالاعتراف بجامعات إدلب وحلب، لكنها انتقدت بشدة الاعتراف ببعض الجامعات التي وصفتها بـ”المشبوهة بالفساد المالي” والمحسوبة على رموز النظام السابق.

أشار البيان، إلى ما وصفه بالظلم والتمييز الذي تعرّض له أساتذة وطلاب تلك الجامعات، معتبراً أن استثناءها غير مبرر رغم شراكتها مع جامعتي إدلب وحلب الحرة في حل مشكلات الطلاب. لترد وزارة التعليم العالي على الجامعات الخاصة المستثناة وتدعوها إلى تقديم ملف اعتماد أكاديمي خاص بها ليتم دراسته والتأكد من استيفاء المعايير قبل إعلان الاعتماد، تحديداً الواقعة في الشمال السوري.
اقرأ أيضاً: شروط للاعتراف بشهادات العديد من الجامعات السورية.. ما هي؟!
ما الفرق بين الجامعات الحكومية والجامعات الخاصة في سوريا
الجامعات الحكومية تعاني من نقص التمويل، بعد انكماش الميزانيات الحكومية للتعليم بنسبة 70% تقريباً منذ العام 2011، حسب تقارير عن البنك الدولي في العام 2024، كما يتراوح متوسط رواتب الأساتذة بين 60 و130 دولاراً شهرياً. هذا الانخفاض بالأجور يؤدي إلى سفر الأساتذة إلى الخارج، كما حصل في العام الماضي 2024 حيث وقع العشرات من أساتذة جامعة دمشق المتميزين عقوداً مع الجامعات الخاصة والعامة العراقية مقابل أجر شهري قدره 1500 دولار في المتوسط.
من نقاط الضعف للجامعات الحكومية، تدهور البنية التحتية، وافتقارها للمختبرات الحديثة والمكتبات الضخمة الحديثة المواكبة للتطورات، كما أن المساكن الجامعية بحاجة إلى صيانة وتحديث لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسابقة فيما بينها. رغم ما سبق، ما زالت الجامعات الحكومية تحتضن أهم الأساتذة وأكثرهم خبرة، فهم مستمرون بتقديم مادة علمية راقية ونوعية رغم كل الظروف، وقد دخلت جامعة دمشق الحكومية العديد من التصنيفات العالمية بمراتب متقدمة.
أما الجامعات الخاصة، فهي تتنافس فيما بينها من خلال توفير المرافق الجامعية الأكثر حداثة، والفصول الدراسية ذات القدرة الاستيعابية العالية، تضع برامج متخصصة تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي. وتعمل معظمها على الموازنة بين المرونة وجودة التعليم.
عيب الجامعات الخاصة يكمن في رسومها وأقساطها المرتفعة قياساً على متوسط الدخل في سوريا، ما يجعلها متاحة للبعض وليس للكل. رغم التطور لكنها تعاني من ضعف البنية التحتية بشكل كبير مقارنةً مع الجامعات الحكومية، إلى جانب ضعف التحصيل العلمي ومستوى الخبرات مقارنة مع طلاب الجامعات الحكومية.
كما يشتكي الأساتذة المتعاقدون مع هذه الجامعات من قلة الأجور والتأخر في صرفها، مما يجعل العديد من الأساتذة المميزين في الجامعات الحكومية يعزف كثير من الأساتذة عن التدريس في هذه الجامعات، لكن بمقارنة بسيطة مع جامعات الشمال نرى أن متوسط دخل الأساتذة من حملة درجتي الماجستير والدكتوراه هناك هو 700- 1000 دولار شهرياً مع وعود برفعها.
من اللافت على مستوى الجامعات الخاصة تحديداً في الشمال، دخول إحدى الجامعات الخاصة، ومقرها مدينة إعزاز شمال حلب، في تصنيف راوند Round لأفضل 600 جامعة عالمية مع جامعة دمشق، مما يظهر مستوى جيداً ومتطوراً في العديد من المجالات، مشيرين إلى أن هذا التصنيف يتضمن 30 معياراً للجودة.
اقرأ أيضاً: وزارة التعليم العالي تلغي اختبارات القبول لبعض الأقسام والكليات الجامعية
الجامعات الخاصة بعد سقوط النظام السابق
عقب سقوط نظام الأسد، انتقلت ملكية عدد من الجامعات الخاصة وإداراتها، إلى وزارة التعليم العالي التابعة للحكومة الجديدة، في إطار عملية إعادة هيكلة للمؤسسات التعليمية. فقد عادت جامعة الشام الخاصة، التي كانت مملوكة سابقاً لحزب “البعث”، إلى إشراف الوزارة، ولحقت بها جامعة المنارة، التي كانت تُدار من قبل “الأمانة السورية للتنمية” التابعة لأسماء الأسد.
في السياق ذاته، عادت الجامعة السورية الخاصة، التي كانت ملكيتها تعود إلى إيهاب مخلوف ابن خال بشار، بنسبة 99% إلى وزارة التعليم العالي، بينما تبقى 1% من الملكية قيد النزاع بين الوزارة والملاك السابقين (عبد المجيد سعدون وأولاده).
منذ نشأة الجامعات الخاصة، ارتبط اسمها بفضائح متعلقة ببيع الشهادات، والتلاعب بمعدلات القبول الجامعي، وشراء النجاح في بعض المواد من دون الحاجة إلى التقدم الفعلي للامتحانات، إلى جانب فرض أقساط دراسية مرتفعة بشكل مبالغ فيه (قد تصل إلى 700 ألف ليرة سورية أي ما يقارب 65 دولاراً للساعة الواحدة).
بالرغم من التغييرات السياسية والإدارية التي شهدتها البلاد بعد زوال حكم الأسد، لا يزال مصير هذه الجامعات مبهماً، إذ لم تُطرح حتى الآن أي خطط إصلاحية واضحة متعلقة بتخفيض الأقساط، أو حتى اقتراحات لتحسين جودة التعليم، وتعزيز العدالة في معايير القبول.
في سياق متصل، رغم إدراج جامعات إدلب ضمن قائمة الجامعات المعترف بها محلياً، غير أن غياب الاعتراف الدولي الرسمي بها حتى اللحظة، بما في ذلك من دول الجوار مثل تركيا، يجعل شهاداتها بلا وزن خارج سوريا، ما يؤثر سلباً على ترتيبها الأكاديمي، وفرص خريجيها في متابعة الدراسة أو العمل خارج البلاد في حال أرادوا ذلك.
قرارات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات الخاصة
شهدت الأيام الماضية في سوريا تداولاً لعدد من الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول تحديد أقساط مرتفعة للجامعات الخاصة للعام الدراسي القادم، ما أثار قلقاً بين الطلاب وأولياء الأمور. لتؤكد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في سوريا أن أسعار الجامعات الخاصة لم تحدد بعد.
حسب قناة الإخبارية السورية الرسمية، قال وزير التعليم العالي “مروان الحلبي”: “إن ما يتم تداوله على بعض صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي حول تحديد أسعار أو أقساط الجامعات الخاصة هو مجرد شائعات غير صحيحة وغير رسمية ولا يُعتدّ بها”.
كما أشار الوزير إلى أن الوزارة ستقوم خلال الأسبوع الجاري بإصدار قرار مركزي يحدد السقف الأعلى للأقساط الدراسية في جميع الجامعات الخاصة على امتداد أراضي الجمهورية العربية السورية، بحيث يكون هو المرجع الوحيد والملزم لكل الجامعات الخاصة.
في سياق متصل، ناقش الوزير مع رؤساء الجامعات الخاصة اليوم سبل تعزيز هذا القطاع في البلاد، مع تأكيده على ضرورة تغيير الصورة النمطية السائدة عن قطاع التعليم في سوريا، والتي تشكلت خلال السنوات الـ 14 الماضية نتيجة لسياسات النظام السابق التي أثرت سلباً على جودته.
كما شدد الوزير على أهمية معيار الجودة في التعليم الجامعي الخاص، وضرورة السعي نحو إنشاء جامعات سورية حديثة. كما شدد على العلاقة التكاملية بين هذه الجامعات والوزارة، وأهمية العمل كفريق واحد، معتبراً أن نجاح الجامعات هو نجاح للوزارة، وأشار الوزير إلى ضرورة التزام الجامعات الخاصة بالقوانين واللوائح المنظمة لعملها، وأهمية عودة الجامعات إلى مقراتها الرئيسية.
ناقش الاجتماع كذلك، آليات تسديد الرسوم الدراسية، وسياسة الاستيعاب، وبحث إمكانية زيادة أعداد الطلاب ومعدلات القبول، بالإضافة إلى موضوع الأجور ونقل الطلاب، ونسبة الطلاب إلى عدد الأساتذة، وآلية تسعير المواد الدراسية.
من جانبهم، أكد معظم رؤساء الجامعات على أهمية التنافسية الشفافة في رفع مستوى التعليم، وأكدوا على ضرورة تحديد آلية واضحة للتعامل مع المنح الدراسية القديمة، إلى جانب العمل على معالجة الفجوة في الأسعار السابقة ورفعها لتغطية تكاليف التشغيل، بالإضافة إلى آلية التعاقد مع الكوادر التدريسية.









