الجامعات التركية في الشمال السوري: تعليم عابر للحدود أم اختبار جديد لسيادة الدولة؟

الكاتب: أحمد علي
من يضع المنهاج؟ من يعترف بالدرجة؟ من يقرر مستقبل الطالب إذا تغيّرت السلطة أو تبدلت الحدود الفعلية على الأرض؟ هذه الأسئلة الثقيلة عادت دفعة واحدة مع بحث دمشق وأنقرة مستقبل فروع الجامعات التركية في الشمال السوري. وفي هذا المقال سنخوض فيها قليلاً…
الخبر في ظاهره تعليمي، فقد بحث وزير التعليم العالي والبحث العلمي السوري مروان الحلبي مع السفير التركي لدى سوريا نوح يلماز في 18 حزيران 2026 آليات اعتماد شهادات الجامعات التركية العاملة في الشمال، وإمكان إنشاء جامعة سورية تركية مشتركة. لكن التعليم في بلد خرج من سنوات انقسام لا يبقى تعليماً فقط. يصبح اختباراً لعودة الدولة، ولحدود النفوذ، ولحقوق آلاف الطلاب الذين لا يجوز أن يدفعوا ثمن الفراغ السياسي.
الجامعات التركية في الشمال السوري وسؤال الاعتراف
أعلنت وكالة سانا أن اللقاء تناول التعاون في التعليم العالي، وآليات اعتماد ومعادلة الشهادات الصادرة عن الجامعات التركية في سوريا، وفق آلية يُتفق عليها مع الجانب التركي. وتحدثت الوكالة عن بحث إمكانية دمج الطلاب الحاليين في جامعة حلب بعد إعداد تعليمات تنفيذية بالتنسيق مع مجلس التعليم العالي التركي، إضافة إلى التحضير لاجتماع مشترك في تموز المقبل لمعالجة الملفات العالقة.
الأهم في الخبر أن مجلس التعليم العالي السوري، بحسب سانا، وافق في جلسته الأخيرة على اعتماد وتصديق الشهادات الممنوحة لخريجي فروع الجامعات التركية في شمال سوريا، والاعتراف بالشهادات التركية، وإتاحة تصديقها عبر جامعة حلب والالتحاق بالدراسات العليا. هذه ليست خطوة شكلية. إنها نقل لملف عاش سنوات في منطقة رمادية إلى طاولة الدولة.
الطالب هنا هو الحلقة الأضعف. آلاف الشباب درسوا في مؤسسات نشأت داخل مناطق خارجة عن إدارة دمشق لسنوات، وبعضها ارتبط بجامعات تركية مثل غازي عنتاب وجامعة العلوم الصحية في الراعي. الطالب لم يختر غالباً معادلة السيادة والنفوذ. اختار مقعداً جامعياً لأنه يريد شهادة وعمل وحياة أقل ضيقاً. لذلك لا يمكن معالجة الملف بمنطق العقوبة، ولا بمنطق التطبيع السريع الذي يمر فوق الأسئلة.
تعليم أم نفوذ؟
الجامعات التركية في الشمال السوري أدت وظيفة حقيقية في فترة غياب المؤسسات السورية الرسمية عن تلك المناطق. فتحت أبواباً أمام طلاب لم يكن أمامهم طريق سهل إلى جامعات الداخل، وربطت التعليم المحلي بنظام جامعي تركي أكثر استقراراً من الواقع السوري المفكك. هذا جانب لا ينبغي إنكاره.
لكن الوظيفة التعليمية لا تلغي السؤال السياسي. أي جامعة تعمل فوق أرض سورية يجب أن تجد مكانها داخل قانون وطني واضح. لا يكفي أن تمنح دروساً أو تخرّج طلاباً. يجب أن يكون موقعها معروفاً، ومرجعيتها الأكاديمية محددة، وشهادتها قابلة للتدقيق، ومناهجها منسجمة مع الحد الأدنى من السيادة التعليمية للدولة. السيادة هنا لا تعني رفع شعار مجرد. تعني أن الطالب يعرف من يحمي حقه بعد التخرج.
المشكلة أن شمال سوريا لم يكن مساحة تعليمية طبيعية خلال السنوات الماضية. كان منطقة نفوذ عسكري وإداري وخدمي متداخل. التعليم دخل ضمن هذا التداخل. المدارس، المجالس، العملة، البريد، المستشفيات، ثم الجامعات. كل خدمة كانت تحل مشكلة مباشرة، لكنها في الوقت نفسه كانت تضيف طبقة جديدة إلى سؤال الدولة. هل تستطيع دمشق أن تستعيد هذه القطاعات عبر الإدارة والقانون، لا عبر الإلغاء؟ هذا هو الامتحان.
الاختبار في طريقة الدمج
أي حل متسرع قد يضر بالجميع. إغلاق الملف بقرار إداري قاسٍ سيعاقب الطلاب والخريجين، وتركه بلا تنظيم سيبقي التعليم جزءاً من نفوذ خارجي مفتوح. لذلك تبدو فكرة آلية مشتركة للتصديق والمعادلة أقل الخيارات سوءاً، إذا تحولت إلى قواعد واضحة لا إلى تسوية غامضة.
المطلوب أولاً تدقيق البرامج والمناهج وسنوات الدراسة وسجلات الطلاب، ثم تحديد مسارات معادلة لا تساوي بين كل الحالات آلياً، ولا تترك الخريج معلقاً. والمطلوب ثانياً تحديد مستقبل الفروع القائمة. هل ستتحول إلى مؤسسات سورية بشراكة تركية؟ هل ستدمج في جامعة حلب أو جامعة مشتركة جديدة؟ هل ستبقى كفروع أجنبية مرخصة وفق قانون سوري؟ لكل خيار كلفته السياسية والأكاديمية.
إنشاء جامعة سورية تركية مشتركة قد يبدو حلاً جذاباً. لكنه لن يكون حلاً إذا جاء فوق المشكلة لا داخلها. الجامعة المشتركة تحتاج إلى قانون، وتمويل، وحوكمة، ولغة تدريس، ونظام قبول، وضمان استقلال أكاديمي، وضمان ألا تصبح طريقاً جانبياً لتثبيت نفوذ سابق باسم التعاون. التعاون مطلوب. لكن التعاون بين دولتين لا يكون بديلاً عن الدولة.
الخلاصة أن ملف الجامعات التركية في الشمال السوري ليس نزاعاً على ختم شهادة فقط. إنه اختبار لطريقة عودة سوريا إلى مناطق خرجت طويلاً من إدارتها. إذا عولج الملف بعقلية انتقامية، سيخسر الطلاب. وإذا عولج بعقلية تسليم الأمر الواقع كما هو، ستخسر الدولة. الطريق الصعب هو الثالث. اعتراف يحمي حق الطالب، وتنظيم يعيد التعليم إلى قانون وطني، وتعاون لا يبتلع السيادة. هنا يبدأ المعنى الحقيقي لأي حل.
اقرأ أيضاً:المنافذ والجمارك تعفي سيارات السوريين المقيمين في تركيا من الرسوم









