التوقيف بسبب تشابه الأسماء: كابوس السوريين بين الماضي والحاضر

بقلم هلا يوسف
لطالما كان التوقيف بسبب تشابه الأسماء مصدر قلق كبير للسوريين وهاجساً يومياً عند تنقلهم وإجراء معاملاتهم أيام حكم سلطة الأسد، فقد دفع هذا التشابه الكثيرين إلى مواقف صعبة، وتبعات قاسية وصلت أحياناً للاعتقال أو التعذيب أو الابتزاز، رغم براءتهم الكاملة. لكن المشكلة لم تنته بانتهاء النظام السابق، بل ما زالت تلقي بظلالها على حياة البعض حتى اليوم.
تواصل أبو محمد (فضّل عدم الإفصاح عن اسمه) مع “سوريا اليوم24″، وهو مواطن من إحدى المحافظات السورية يسكن دمشق، كان يبتغي بيع منزله لتلبية احتياجاته، لكن معاملته توقفت عند حاجته لمراجعة جهة أمنية بحجة أن هناك إشكالاً يجب حلّه.
بعد محاولاته للاستفسار عبر وسيط خارجي، تبين له عبر معارفه أن الأمر لا يتعدى كونه تشابهاً في الأسماء. غير أن المفارقة المؤلمة ظهرت عند التحقق من وضعه رسمياً، ففي مدينته سجل اسمه على أنه مطلوب، بينما أظهرت نتيجة التحقق في دمشق أنه غير مطلوب ولا يوجد بحقه أي إجراء.
وجد أبو محمد نفسه بين واقعين متناقضين: لا يدري أيهما يعكس الحقيقة، ولا يعرف إن كان المضي في استكمال معاملته سيقوده إلى حل آمن، أم إلى مواجهة مجهولة العواقب. هذا التضارب الإداري تركه في حالة من القلق والتردد، مما شكل عبئاً نفسياً عليه.
والجدير بالذكر أن أبو محمد اضطر إلى البحث والسؤال بطرق غير رسمية قبل الإقدام على تصحيح وضعه القانوني، مدفوعاً بهواجس تتعلق بانتمائه الطائفي، خشية أن يتحول الخطأ الإداري إلى توقيف لا يمكن تداركه. وبين هذا وذاك، يبقى الشعور بالظلم حاضراً، ويظل السؤال معلقاً في أذهان كثيرين: إلى متى سيبقى المواطن يدفع ثمن أخطاء لا يد له فيها؟
تشابه الأسماء في زمن النظام السابق ومحاولات التخلص منه
في زمن النظام السابق، كان تشابه الأسماء يمثل مصدر قلق دائم للمواطنين، إذ كثيراً ما يُعامل الشخص على أنه “مطلوب” أو متورط في قضايا لم يرتكبها، لمجرد أن اسمه مشابه لاسم آخر. هذه الأخطاء الإدارية كانت تؤدي في بعض الحالات إلى الاعتقال أو الابتزاز المادي أو الضغوط النفسية الشديدة، خاصة عند التعامل مع الأمن أو دوائر الخدمة الاحتياطية.
حاول النظام السابق معالجة هذه المشكلة عبر إصدار تعميمات رسمية، مثل تعميم وزارة الداخلية عام 2017 الذي منع استخدام الاسم الثنائي وحده كمعيار لإصدار مذكرات الإحضار أو القبض، ثم تعميم وزير العدل أحمد السيد عام 2021 الذي أكد عدم جواز إصدار أي مذكرات استناداً إلى الاسم الثنائي إلا في حالات محددة، مع التأكيد على ضرورة الاعتماد على بيانات دقيقة قبل اتخاذ أي إجراء. كما تم إنشاء بوابة إلكترونية مرتبطة بإدارة الشؤون المدنية، تضم بيانات مفصلة لجميع المواطنين السوريين والفلسطينيين، وتعتمد على مقارنة المعلومات في الحاسب مع سجلات الشؤون المدنية والتدقيق وفق الأصول، بهدف تسريع معالجة حالات تشابه الأسماء وتقليل الأخطاء.
مع ذلك، كانت هذه الإجراءات الرسمية غير كافية، إذ بقي المواطن عرضة للبيروقراطية والفساد وتأخر المعاملات والتغول الأمني، ما اضطر البعض للبحث عن طرق تحقق إضافية أو متابعة معاملاتهم شخصياً بطرق خارج الدوائر الرسمية.
قصة “أمجد” (اسم مستعار) تجسد هذا الواقع الذي عاشه السوريون أيام النظام السابق، إذ قدم جميع أوراقه لإزالة اسمه من الخدمة الاحتياطية قبل عدة أشهر من عودته، لكنه عند نزوله في مطار دمشق تفاجأ بأنه “مطلوب”.
اضطر لدفع مبالغ للموظفين ليتمكن من المرور، ثم تابع رحلته إلى شعبة التجنيد في حمص، حيث أُبلغ لاحقاً أن الورقة المطلوبة وصلت، لكنه عند عودته إلى بلد عمله على الحدود السورية اللبنانية مُنع من المغادرة، واضطر للعودة ودفع المبلغ مرة أخرى للشعبة، ومع ذلك لم يُحذف اسمه إلا بعد أربعة أشهر، بعد أن خسر عمله في الخارج وتعرض للابتزاز المادي. علماً أن أمجد كان ينتمي إلى الأقليات الدينية في سوريا، ما يظهر أنّ سلوك الابتزاز لدى أجهزة النظام السابق كانت تطال الجميع دون استثناء، والغاية هي المال.
باختصار، هذه القصص وغيرها من الحالات تظهر أن مشكلة تشابه الأسماء لم تكن مجرد مسألة تقنية، بل كانت نتيجة تراكم أخطاء إدارية، وتطبيق غير متسق للقوانين، وانتشار الفساد، مما جعل المواطن يعيش في خوف دائم من الخطأ والابتزاز، رغم الإجراءات الرسمية التي وضعت لتقليل هذه الأخطاء.
اقرأ أيضاً: من النشرات السعرية في عهد النظام السابق إلى السوق الحر: تحديات ضبط الأسعار









