ثقافة وتراث

التوتر لدى الأطفال والمراهقين: دراسة علمية توضح العوامل المسببة وآليات المواجهة

بقلم هلا يوسف

دقت منظمات الصحة النفسية حول العالم ناقوس الخطر بسبب الإحصائيات السنوية الأخيرة الخاصة بالأطفال والمراهقين، فبحسب التقرير الصادر عن KidsRights، التي تتخذ من أمستردام مقراً لها، وبالتعاون مع جامعة إيراسموس روتردام، فإن أكثر من 14% من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عاماً يعانون من مشكلات في الصحة النفسية، بينما يبلغ متوسط معدل الانتحار عالمياً 6 حالات لكل 100 ألف شخص بين 15 و19 عاماً. وترتبط هذه الإضطرابات بمجموعة من الأسباب والتحولات الاجتماعية والأسرية، مما يبرز الحاجة إلى التطرق لها لفهم مصادر التوتر لدى الأطفال والمراهقين، ورصد علاماته، والعمل على تعزيز أساليب التعامل معه بوعي ومسؤولية.

مصادر التوتر لدى الأطفال الصغار

في دراسة علمية للجامعة الأمريكية لعلم النفس APA أكدت على وجود مجموعة من المصادر التي تسبب التوتر لدى الأطفال. إذ ينشأ الطفل في بيئة أسرية تشكل عالمه الأول، ولذلك فإن أي اضطراب داخل هذا الإطار قد ينعكس مباشرة على استقراره النفسي.

فالمشكلات العائلية أو الطلاق أو فقدان أحد أفراد الأسرة قد تزرع مشاعر القلق والحيرة في نفس الطفل. وحتى التغيرات الإيجابية، مثل الانتقال إلى منزل جديد أو استقبال مولود جديد، قد تحمل في طياتها شعوراً بعدم الأمان نتيجة التغير المفاجئ في الروتين المعتاد.

ولا تقل المدرسة تأثيراً عن المنزل في تشكيل مصادر التوتر. إذ قد يشعر الطفل بالضغط نتيجة صعوبة تكوين صداقات أو التعرض للتنمر أو القلق المرتبط بالاختبارات والتحصيل الدراسي. وقد أظهرت بيانات صادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ارتفاعاً في زيارات أقسام الطوارئ المتعلقة بالصحة النفسية للأطفال خلال فترة الجائحة مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي واجهتها هذه الفئة العمرية.

أما في مرحلة المراهقة، فتزداد حساسية العلاقات الاجتماعية وتتعمق الحاجة إلى القبول والانتماء. يصبح ضغط الزملاء والأصدقاء أكثر وضوحاً، وتتداخل معه مخاوف تتعلق بالصورة الذاتية والعلاقات العاطفية الأولى، ما يجعل هذه المرحلة غنية بالتحديات النفسية التي تتطلب دعماً واعياً ومتوازناً.

التعرف على علامات التوتر

أشارت الجامعة الأمريكية إلى علامات التوتر، حيث أكدت أن الأطفال والمراهقين لا يمتلكون دائماً القدرة على التعبير الدقيق عن مشاعرهم، لذلك يظهر التوتر غالباً في صورة تغيرات سلوكية أو جسدية. فقد يصبح الطفل أكثر عصبية أو ميلاً للجدال، أو يطرأ تغير مفاجئ على سلوكه المعتاد، كأن يميل إلى العزلة بعد أن كان اجتماعياً. كما قد تظهر اضطرابات في النوم، سواء في صورة أرق أو نوم مفرط، إضافة إلى تراجع الاهتمام بالمسؤوليات المدرسية أو الميل إلى المماطلة.

وفي أحيان كثيرة، يتجسد التوتر في أعراض جسدية متكررة مثل الصداع أو آلام المعدة دون سبب عضوي واضح. هذه المؤشرات، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، قد تكون رسائل غير مباشرة تعبر عن ضغوط داخلية تحتاج إلى انتباه واحتواء.

إدارة التوتر للأطفال والمراهقين

أكدت الجامعة أن التوتر جزء طبيعي من الحياة، لكن القدرة على إدارته هي التي تصنع الفرق الحقيقي في الصحة النفسية. ويعد النوم الجيد أحد الركائز الأساسية في هذا السياق، إذ يسهم في استعادة التوازن الجسدي والعقلي، بينما يؤدي الحرمان منه إلى تفاقم مشاعر القلق والانفعال. كما يشكل النشاط البدني وسيلة فعالة لتفريغ الضغوط وتعزيز إفراز الهرمونات المرتبطة بتحسين المزاج.

كما يلعب الحوار الصريح دوراً محورياً في تخفيف العبء النفسي، فحين يجد الطفل أو المراهق من يصغي إليه باهتمام ودون أحكام، يشعر بالأمان الذي يمكنه من التعبير عن مخاوفه. كذلك فإن تخصيص وقت للأنشطة المحببة والابتعاد المؤقت عن مصادر الضغط يمنح الذهن فرصة للراحة واستعادة التوازن.

وقد أظهرت الأبحاث أهمية قضاء الوقت في الطبيعة لما له من أثر إيجابي على خفض مستويات التوتر، إضافة إلى دور الكتابة في تنظيم الأفكار والتعبير عن المشاعر. كما أثبتت برامج تدريب اليقظة الذهنية فعاليتها في مساعدة المراهقين على التعامل مع الضغوط بوعي أكبر وقدرة أعلى على التحكم في استجاباتهم الانفعالية.

كيف يمكن للوالدين المساعدة

يقع على عاتق الوالدين دور أساسي في ترسيخ بيئة داعمة تعزز الشعور بالأمان والاستقرار. فحين يتعامل الآباء مع ضغوطهم الشخصية بطريقة متوازنة، فإنهم يقدمون نموذجاً عملياً يقتدي به الأبناء. كما أن منح الأطفال فرصة لحل مشكلاتهم البسيطة بأنفسهم يعزز ثقتهم بقدراتهم ويكسبهم مهارات التكيف الضرورية لمواجهة التحديات.

ومع اتساع حضور التكنولوجيا في حياة الأطفال، يصبح من المهم توجيههم نحو استخدام واعٍ ومسؤول لوسائل التواصل، مع توعيتهم بمخاطر التنمر الإلكتروني وضغط المقارنات الاجتماعية. كذلك ينبغي الانتباه إلى أنماط التفكير السلبي التي قد تتسلل إلى حديثهم الذاتي، ومساعدتهم على إعادة صياغة أفكارهم بطريقة أكثر إيجابية وواقعية، بما يعزز قدرتهم على الصمود أمام الضغوط.

باختصار، مع تنامي معدلات مشكلات الصحة النفسية وخصوصاً التوتر بين الأطفال والمراهقين يفرض ضرورة التحرك الواعي على مستوى الأسرة والمجتمع. فالتوتر ليس ظاهرة يمكن تجنبها كلياً، لكنه قابل للإدارة حين تتوافر المعرفة والدعم والاحتواء. وبالتالي تعليم الأطفال كيفية إدارة التوتر يساهم في توازن حياتهم النفسية.

اقرأ أيضاً: هل نتعرض للاستغلال من قبل الأطفال؟ هذه المرة من وجهة نظر العلم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى