التنمر الإلكتروني: صورة تكشف الوجه القاسي للسخرية خلف الشاشات

بقلم هلا يوسف
من ينظر إلى الواقع السوري يرى الكثير من الانقسامات المبنية على الطائفية والعرقية والمناطقية، غير أن أكثر ما يستفز أي شخص يتابع مواقع التواصل الاجتماعي أن أصابع التنمر تذهب في الغالب إلى أشخاص فقراء المظهر، أثرياء الأخلاق. فعبر تعليق صغير، يتعرى من يدعي الأخلاق أمام من يمتلكها حقاً. ولعل هذه الهفوة اللاإنسانية، إن أردنا تجميلها، تقسمنا نحن السوريين إلى طبقات قد لا تخطر في بال الكثيرين منا، لتسلط صورة شاب بسيط الضوء على مجتمع مقسوم هذه المرة بين متنمر وجيش من المحاربين للتنمر، وموثقين بالصوت والصورة أن الوعي أساس المجتمعات.
لم يكن في حسابات الشاب وسيم حماد أن صورته أمام السيف الدمشقي في ساحة الأمويين ستكون سبباً في تقسيم المجتمع السوري. فالتنمر الإلكتروني تحول إلى عادة يومية عند الكثير من الصفحات السورية. فخلال وقت قصير تحول الانتباه من صورته الطبيعية إلى تعليقات على ملابسه ومظهره، حيث اختار بعض المعلقين السخرية لتتحول إلى موجة من التنمر، وأصبح وسيم حديثاً على منصات التواصل الاجتماعي.
القصة دفعت كثيرين إلى التساؤل عن الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا على الإنترنت. فكم من مرة شاهدنا صورة لشخص عادي وقرأنا تعليقاً يسخر من شكله أو ملابسه أو طريقة كلامه؟ وكم مرة تحولت الاختلافات في الرأي أو المنطقة أو الوضع الاجتماعي إلى سبب للهجوم؟
غير أن ما حدث بعد السخرية كان كفيلاً بأن يعطينا أملاً بأن الشعب السوري قادر على نبذ طباع ليست متأصلة فيه، فقد تحولت موجة التنمر إلى موجة تضامن مع الشاب وسيم، لتكون بذلك رسالة واضحة بأن أي مواطن سوري لا يجب عليه أن يشعر بالغربة داخل حدود بلده.
كيف تحولت صورة الشاب إلى مادة للسخرية؟
وسيم الحماد شاب من مدينة رأس العين بريف الحسكة، وصل إلى دمشق بهدف العلاج، وخلال وجوده في العاصمة التقط صورة أمام نصب السيف الدمشقي في ساحة الأمويين.
بالنسبة إلى وسيم، لم تكن المسألة، على ما يبدو، أكثر من صورة عفوية أراد من خلالها توثيق وجوده في دمشق والاحتفاظ بذكرى من العاصمة، في لحظة تحمل بالنسبة إليه الكثير من المشاعر، خصوصاً بحسب ما وصفه ناشطون بأنه شعور بالفرح بمرحلة جديدة من التحرير والنصر.
لكن الصورة أخذت اتجاهاً مختلفاً بعدما ركز بعض مستخدمي مواقع التواصل على ملابس الشاب ومظهره، وبدأت التعليقات الساخرة تنتشر.
هذه التصرفات جعلت الكثير من السوريين أمام ارتباك بسبب نظرة البعض إلى الآخرين القائمة على تقييمات الملابس والماركات التي تعطي لأي شخص قيمة وهمية تسقط عند أول كلمة يتلفظ بها.
ناشطون سوريون رفضوا الطريقة التي جرى التعامل بها مع وسيم، واعتبروا أن السخرية من شخص بسبب مظهره أو ظروفه المعيشية ليست أمراً يمكن تبريره باعتباره “مزاحاً”.
فقد أشار الناشط السوري ماهر يونس إلى أن وسيم نشر صورته ببساطة وفخر، منتقداً التعليقات التي ركزت على ملابسه، في حين قال الناشط صهيب اليعربي إن وسيم من أبناء رأس العين وشارك في مظاهرات شهدتها مدينته خلال السنوات الماضية، وإن وجوده في دمشق كان مرتبطاً بالعلاج ورغبته في توثيق زيارته للعاصمة.
ومع انتشار القصة، ظهرت معلومات حول الحالة الصحية لوسيم، قبل أن يظهر في مقابلة متداولة على منصات التواصل، تحدث خلالها عن معاناته من الشد العصبي ومرض السكري.
القصة لم تنتهِ عند موجة التنمر
انقلب السحر على الساحر، لتتحول الهجمة التنمرية على الشاب وسيم إلى حملة تضامن، بعد أن عرضت المؤسسة العربية للإعلان التابعة لوزارة الإعلام على إحدى الشاشات الكبيرة في ساحة الأمويين عبارة: “ابن الحسكة نورت الشام”.
كانت الجملة قصيرة، لكنها حملت معنى أكبر من كلماتها. فبعد أن حاول البعض اختزال وسيم في ملابسه وشكله، جاءت الرسالة لتعيد التركيز إلى شيء آخر، وهو أنه سوري جاء إلى دمشق، وأن مدينته الأصلية لا تجعله غريباً عنها.
اقرأ أيضاً: الإعلام والسياسة في سوريا الجديدة: من يصنع الرأي العام فعلاً
من السخرية من الملابس إلى التنمر بسبب الشكل والرأي والمنطقة
من يتابع الصفحات السورية على مواقع التواصل الاجتماعي سيرى الكثير من القصص التي تشبه قصة الشاب وسيم، غير أن الكثير منها لا تأخذ صدى.
فمثلاً، قد ينشر شخص ما صورة شخصية، فيجد من يسخر من ملامحه. وآخر يشارك صورة لعائلته، فتبدأ التعليقات على ملابسه أو منزله أو طريقة ظهوره. وشخص ثالث يكتب رأياً اجتماعياً أو سياسياً، فيترك البعض مناقشة الفكرة وينتقلون مباشرة إلى مهاجمة صاحبها.
هذا ما يسمى بالتنمر الإلكتروني وأشكاله، فقد يكون مجرد تعليق جارح أو سخرية مباشرة، وقد يأخذ شكلاً أقسى من خلال الشتائم والتهديد والتشهير ونشر معلومات كاذبة أو خاصة عن شخص ما. وفي بعض الحالات، قد يصل الأمر إلى انتحال الشخصية عبر حسابات مزيفة، أو استبعاد شخص بشكل متعمد من مجموعات إلكترونية، أو ابتزازه ببياناته وصوره، وفي بعض الحالات تصبح هناك حملات جماعية تستهدف شخصاً واحداً.
وعلى الرغم من أن السخرية موجودة في حياتنا اليومية في الواقع، إلا أن سرعة انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي تحولها إلى تنمر إلكتروني قادم من جمهور لا يعرفه الشخص، وخلال دقائق قصيرة.
كما أن وجود حسابات مجهولة أو وهمية يجعل بعض الأشخاص أكثر جرأة في كتابة عبارات ربما لن يقولوها لو كانوا يقفون أمام الشخص نفسه.
وهنا لا يمكن فصل هذه الظاهرة عما يحدث في المجتمع السوري، فالحرب خلفت انقسامات سياسية واجتماعية ومناطقية عميقة، وتراكمت معها أزمات اقتصادية وضغوط يومية، بينما تحولت مواقع التواصل إلى مساحة واسعة للتعبير عن الغضب والخلاف.
وترى الكاتبة الصحفية إيمان سرحان أن الضغط الاقتصادي وتراكم الأزمات قد يدفع بعض الأشخاص إلى تفريغ غضبهم على الإنترنت، إلى جانب ضعف ثقافة الحوار الرقمي والشعور بأن الحسابات المجهولة توفر نوعاً من الحماية لمن يكتب التعليقات المسيئة.
وهذا لا يعني بالطبع أن الظروف تبرر الإساءة، لكنها تساعد على فهم بعض الأسباب التي تجعل التعليقات الجارحة منتشرة بهذا الشكل.
والأخطر أن التنمر لا ينتهي بمجرد إغلاق الهاتف، لأن الشخص الذي يتعرض للسخرية قد يبقى يفكر في الكلمات التي قرأها، وقد يبدأ بمراجعة صورته أمام الآخرين أو يشعر بالخجل من الظهور مجدداً على المنصات.
وقد يؤدي تكرار الإساءة إلى القلق وفقدان الثقة بالنفس والعزلة والابتعاد عن المشاركة، كما يمكن أن يؤثر في الدراسة أو العمل والحياة الاجتماعية. وتصبح هذه الآثار أكثر صعوبة عندما يكون الشخص أصلاً تحت ضغط صحي أو مادي أو اجتماعي.
هذا ما يجعل إدراج التنمر تحت عبارة “مجرد مزحة” مرفوضاً، لأنه بالأساس لا يلغي التأثير النفسي على الأشخاص المتنمر عليهم. فالمشكلة ليست فقط في نية الشخص الذي كتب التعليق، وإنما في النتيجة التي يمكن أن يتركها هذا التعليق على الطرف الآخر.
كيف نوقف التنمر قبل أن يصبح أمراً عادياً؟
ربما يكون أصعب ما في مواجهة التنمر الإلكتروني هو أنه أصبح في بعض الحالات سلوكاً عادياً. يكتب أحدهم تعليقاً مسيئاً، يضحك آخرون، ثم ينتقل الجميع إلى منشور آخر وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن بالنسبة إلى الشخص المستهدف، قد لا تكون المسألة بهذه البساطة. لذلك تبدأ المواجهة من الوعي، فعلينا أن نتعلم أن وجود الشخص أمام شاشة الهاتف لا يعني أنه بلا مشاعر، وأن اختلافه عنا في الشكل أو الملابس أو المنطقة أو الرأي لا يعطي أحداً الحق في إهانته.
كما لا يمكننا نسيان دور الأسرة في هذا الموضوع، خصوصاً في تعليم الأطفال والمراهقين منذ سن مبكرة كيف يختلفون مع الآخرين من دون إساءة. والمدرسة يمكن أن تساهم من خلال التوعية بأخلاقيات استخدام الإنترنت وأهمية احترام الآخرين، بينما يستطيع الإعلام أن يسلط الضوء على خطورة التنمر بدلاً من التعامل معه باعتباره مادة للضحك.
أما منصات التواصل والصفحات المحلية، فلها أيضاً دور في الحد من التعليقات المسيئة، من خلال مراقبة المحتوى والإبلاغ عن الحسابات التي تكرر الإساءة واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقها.
وربما أكثر ما ينظم أدوار الجهات السابقة هو القانون، فإلى الآن لا يوجد لدينا قانون يحاسب المتنمر على كلامه، على الرغم من وجود قانون خاص بالتشهير والتهديد والابتزاز والإساءة الإلكترونية، لكنه لا ينطبق على التنمر الإلكتروني. لذلك، فوجود مثل هذا القانون يساعد على منع تحول الفضاء الرقمي إلى مساحة بلا ضوابط.
ومن الواجب التذكير بأن الشخص الذي يتعرض للتنمر غير مجبور على مواجهة الأمر لوحده، وما عليه سوى حظر الحسابات المسيئة مع جمع الأدلة في حال تعرضه للابتزاز أو التهديد، والحصول على الدعم من المقربين.
غير أن حلقة التنمر الإلكتروني لا تنكسر إلا في حال قيام المجتمع بدوره، عن طريق عدم إعادة نشر صورة شخص للسخرية منه، أو الإعجاب بتعليق جارح، أو المشاركة في موجة جماعية من التهكم، إذ كلها أفعال تساعد على استمرار التنمر حتى لو لم يكتب الشخص بنفسه العبارة المسيئة.
في النهاية، قصة الشاب وسيم الحماد حملت رسالة مهمة مفادها أن كل بقعة داخل الجغرافية السورية هي لكل السوريين، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، والجميل في قصته أن موجة التنمر الإلكتروني تحولت إلى رسالة تضامن، عبّر فيها جزء كبير من الشعب السوري عن رفضه ممارسات السخرية بحق الآخرين، وتقييمهم من خلال مظهرهم.
اقرأ أيضاً: «الفجوة بين الآباء والأبناء».. كيف أعادت الحرب تشكيل الأسرة السورية؟









