التملك الأجنبي في سوريا .. إصابة للهدف أم وقوع في فخّ التبعية؟

بقلم: ديانا الصالح
سنوات عجاف عاشتها سوريا على مدار 14 عاماً، فمن الاقتصاد المتهالك، مروراً بالبنية التحتية المدمرة، وصولاً إلى الوضع المعيشي المتردي، هكذا يبدو المشهد السوري، حيث ينتظر السوريون طرقة بابٍ تحمل دعماً حقيقياً، يُترجم على أرض الواقع بعيداً عن حبر الاتفاقيات على الورق، وهنا يبرز قرار الحكومة السورية الأخير حول السماح للأجانب بالتملك الكامل للمشروعات الاستثمارية، فهل يغدو هذا القرار مفتاحاً نحو الانطلاقة النهضوية الموعودة أم أن للإدارة والسياسات الاقتصادية المحلية رأي آخر؟
للمزيد من التفاصيل حول التملك الأجنبي في سوريا وتبعاته، تابع مقالنا التالي..
التملك الأجنبي في سوريا
تفتح سوريا أبوابها للاستثمار الأجنبي بتملك كامل دون شركاء محليين، مع تقديمها لتسهيلات وإعفاءات ضريبية، وفقاً لما أشار إليه رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، حيث أكد منح المستثمرين الأجانب الحق في تملّك مشاريعهم بنسبة 100%، مشيراً إلى اعتبار القانون الجديد من أكثر القوانين الاستثمارية العالمية فعالية.
ويوضح الهلالي عبر تصريح إعلامي، أن قانون الاستثمار الجديد يقدم تسهيلات تصل إلى توفير الحصانة القانونية التي تحمي المشاريع الاستثمارية وتمنع الحكومة من وضع يدها على أي منها، مشيراً إلى إتاحة الفرصة لاستقدام الخبرات والعمالة الأجنبية بنسبة 40%، مع تقديم حزمة من الحوافز المتمثلة بالإعفاءات الضريبية الشاملة لقطاعي الصحة والزراعة، فضلاً عن توفير حسم بنسبة 80% لقطاع الصناعة عند تحقيق شرط التصدير لـ 50% من الإنتاج، مؤكداً حصول المستثمرين السعوديين على مزايا إضافية.
تحذير من مطبات التبعية
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي حسن غرة أن السماح الكامل بـ التملك الأجنبي في سوريا قد يحسّن الصورة الاستثمارية السورية لدى المستثمرين الأجانب، كونه يقلص من تكاليف التعاون والشراكة الإجبارية، ويظهر مدى قدرة المستثمر على السيطرة، ولكن هذا القرار لن يكفِ لتحقيق التدفق المراد أو التأثير التنموي المنشود، ما لم يرافقه ضبط للتسهيلات والقطاعات مع مراقبة حذرة لآليات الحوكمة إضافة إلى ضرورة الربط بين المشاريع الاستثمارية والاقتصاد المحلي، فالأثر الحقيقي وفقاً لرأيه سيقف عند جودة التطبيق إضافة إلى تحديد أولويات القطاعات فضلاً عن القدرة المؤسساتية.
وتجنباً للوقوع في مصيدة الاقتصاد الريعي أو الاحتكاري، يرى غرة أنه لا بد من تفعيل رقابة صارمة على السوق منعاً للممارسات الاحتكارية أو استغلال التسعير التحويلي لقتل المنافسة أو إضعافها، مشدداً على ضرورة ربط “صافي الأثر” للعملة الصعبة بالمدى الذي تحققه هذه المشاريع في دعم التصدير أو إحلال الواردات، إضافة لضرورة التشجيع على استثمار الأرباح داخل البلاد بدلاً من تصديرها إلى الخارج، مشيراً إلى ضرورة مراعاة أن يحقق قرار التملك الأجنبي في سوريا الموازنة بين الانفتاح والمصالح الاستراتيجية.
مخاطر التغافل عن الربط المحلي
للوقوف عند المخاطر المحتملة لإهمال الربط بين الاستثمار الأجنبي وتطوير القدرات المحلية، لا بدّ من استحضار النتائج التي خلُصت إليها دراسة بحثية بعنوان: “الاستثمار الأجنبي المباشر: المنافع والمساوئ”، والتي أكدت أن السعي نحو جذب الاستثمار الأجنبي دون الاستناد إلى خطة وطنية واضحة تعتمد الدمج الاستراتيجي للاستثمار بتنمية الإمكانيات المحلية، سينتهي الأمر بالاقتصاد الوطني بلعبه دور “ساحة العرض” للمشهد التقني الذي تفرضه الشركات الأجنبية بما يتلاءم مع مصالحها الخاصة، بعيداً عن النظر في متطلبات التنمية المحلية.
أما الخطورة الكبرى وفقاً لما وصفته الدراسة فتكمن باعتماد النموذج الذي يُعرف باسم “المشاريع الجاهزة”، كونها تعتمد بشكل رئيسي على الاستيراد الكامل للمعدات والآلات إلى جانب الكوادر الأجنبية، الأمر الذي يُفضي إلى تراجع محاولات الابتكار والإبداع المحلي، إضافة إلى تشكيل حالة شبيهة بالإقصاء للكوادر الوطنية عبر حرمانهم فرصة اكتساب المهارات والخبرات الجديدة المعقدة، وتركيز دورهم على تنفيذ الإجراءات والعمليات البسيطة.
بالتالي، ما يفرزه الاستثمار الأجنبي المحاكي لنموذج المشاريع الجاهزة، سيحدّ من الفوائد التنموية للبلد المُستثمر فيه، كما أنه سيخلق حالة من الازدواجية الاقتصادية وفقاً لما تؤكده الدراسة، حيث تنتهي الحكاية عند إنشاء مصنع متكامل لا تنقصه “إبرة”، مقابل منطقة معزولة عن التقدم التكنولوجي، بقطاعات متهالكة، كونها لعِبت دور المشاهد لا الفاعل ضمن عملية استثمارية حققت غاية الغريب وأكسبته عوائد مادية عالية مقارنة بأجور متواضعة تتقاضاها الكوادر الوطنية إزاء عملها البسيط، ما يؤدي إلى تراجع الروابط الإنتاجية، وتعليق الدولة بحالة من “التبعيّة التقنية” المستمرة.
وهذا ما سيُفضي بالبلد إلى دفع الثمن من “جيبها” (استنزاف العملة الصعبة) عبر التكاليف المرافقة للتصليح وقطع الغيار، على حساب البناء المعرفي المحلي (توطين المعرفة) بما يضمن بقاء التطور التقني ونمو الأموال المحصودة من الاستثمارات (استدامة النمو)، لتكون قوة لا تهتزّ بخروج الشركات المستثمرة أو تذبذب قراراتها.
ختاماً، إن التملك الأجنبي في سوريا لمشاريع الاستثمار قد يكون خطوة فعالة إذا رافقته إدارة قوية وسياسات اقتصادية واضحة، فالقرار يعكس رغبة في الانفتاح الاقتصادي، لكنه لن يحقق الفوائد المرجوة دون تنفيذ عملي يحمي مصالح البلاد ويطور القدرات المحلية، ووفقاً لخبراء اقتصاديين، يجب تركيز اهتمام الجهات المعنية على دعم الشركات الوطنية، وتوجيه العوائد المالية للاستثمار داخل البلاد، لضمان أن يصبح هذا القرار فرصة حقيقية للنهوض الاقتصادي، لا خيبة أمل جديدة.
اقرأ أيضاً: هل يُنصف التعليم التمكيني في سوريا الطالب على حساب المعلم؟









