سياسة

التماسك الاجتماعي في سوريا بين الاستقطاب والخوف الجمعي

بقلم: عروة درويش

يهدف هذا المقال إلى تناول ظاهرة «الشارع» و«الشارع المضاد» في سوريا من زاوية اجتماعية واجتماعية-نفسية بحتة، بعيداً عن تحليل المطالب السياسية أو تقييم مشروعيتها، وبعيداً كذلك عن البحث في المسؤوليات والسببية السياسية المباشرة. لا يهم في هذا النص لا التطرق إلى سؤال «من هو المحق؟» والإجابة عليه، بل الانطلاق من سؤال مختلف: كيف تؤثر أنماط التعبئة المتقابلة في الفضاء العام على العلاقات الاجتماعية اليومية، وعلى الثقة بين الأفراد والجماعات، وعلى قدرة المجتمع على التعاون في مجالات الحياة الأساسية.

يفترض المقال أن الاستقطاب القائم، بغضّ النظر عن أسبابه السياسية، يترك آثاراً قابلة للرصد في النسيج الاجتماعي، وفي السلوك الجمعي، وفي الصحة النفسية العامة. وعليه، يركز التحليل على هذه الآثار كما تظهر في الحياة اليومية والمؤسسات الاجتماعية، مستنداً إلى دراسات مقارنة حول المجتمعات الخارجة من النزاع، دون الدخول في سجالات سياسية أو تبنّي سرديات طرفية.

الاستقطاب والتماسك الاجتماعي

في المجتمعات الخارجة من نزاعات طويلة، لا يُنظر إلى التحركات في الفضاء العام بوصفها أحداثاً معزولة، بل كجزء من ديناميكيات اجتماعية أوسع. ما يُسمى «الشارع» و«الشارع المضاد» يمكن فهمه اجتماعياً بوصفه شكلاً من الاستقطاب التفاعلي: تحرك جماعي يولّد تحركاً مقابلاً، لا بسبب مضمون المطالب فقط، بل بسبب الطريقة التي تُفسَّر بها هذه المطالب في بيئة مشبعة بالخوف وانعدام الثقة.

يقوم تعريف «التماسك الاجتماعي Social Cohesion» الذي تعتمده مؤسسات مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على ثلاثة عناصر مترابطة: الثقة بين الأفراد والجماعات، والإحساس بالانتماء المشترك، والاستعداد للتعاون في إدارة الشأن العام. أي خلل في أحد هذه العناصر ينعكس مباشرة على الآخرين.

في تقرير UNECE عن مفهوم ومقاييس التماسك الاجتماعي Social Cohesion Concept and Measurement يُعرّف التماسك الاجتماعي بشكل منهجي على أنه الصلات الاجتماعية والصلابة والتضامن والثقة بين أفراد المجتمع، داخل الجماعات وبين الجماعات، وفي المجتمع ككل. المجتمعات ذات مستويات أعلى من هذه المؤشرات تُظهر مرونة أكبر في مواجهة الصدمات والأزمات.

تراجع الثقة في العلاقات اليومية

تشير مراجعات بحثية حول المجتمعات المتأثرة بالنزاع، مثل دراسات Tilman Brück وFiedler حول ما بعد الحروب، إلى أن الأثر الأعمق للنزاع لا يظهر فوراً في السياسة، بل في الحياة اليومية.
في الحالة السورية، يتجلى ذلك في:

  • تضاؤل الثقة بين الجيران وزملاء العمل.
  • تراجع المبادرات المحلية المشتركة.
  • ميل الأفراد إلى الانكفاء داخل دوائر ضيقة (عائلية أو فئوية).

الدراسات المقارنة في مجلات مثل International Studies Review تظهر أن الثقة بين الجماعات تتضرر على نحو أعمق وأطول أمداً من الثقة داخل الجماعة نفسها، ما يفسر ازدياد الانغلاق الاجتماعي بعد النزاعات.

الدراسات التجريبية حول أثر النزاع على النسيج الاجتماعي تُظهر أن النزاعات المسلحة تؤدي عادة إلى انخفاض في التماسك الاجتماعي، حيث تتراجع المشاركة في الأنشطة الجماعية والتفاعل بين الأفراد، ويزداد الشعور بالتمييز وعدم الثقة. مراجعات أكاديمية في Journal of Conflict Resolution توضح أن النزاع مرتبط بتراجع مؤشرات التماسك الاجتماعي مثل التفاعل الاجتماعي والمشاركة في المنظمات المحلية، وهو ما يُعد دليلاً على تآكل العلاقات الاجتماعية الأساسية بعد الصدمة الجماعية.

من الخلاف إلى الاصطفاف: البعد النفسي

عندما يُعاد تفسير المطالب أو التحركات على أنها تهديد وجودي، يتحول الخلاف إلى اختبار ولاء. هذا التحول ليس جديداً وليس خاصاً بسوريا، فهو مطروق من قبل وموضع دراسة في علم النفس الاجتماعي، خصوصاً في إطار نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory) التي طوّرها Greenberg وPyszczynski وSolomon.

تُظهر التحليلات التجميعية، مثل الدراسة الواسعة Burke et al. الصادرة في عام 2010، أن استحضار الخطر والموت يزيد من:

  • التشبث بالهوية الجماعية.
  • رفض المختلف.
  • القبول بتفسيرات تبسيطية للصراع.

في السياق السوري، حيث الذاكرة الجمعية مشبعة بالعنف والخسارة، يصبح أي توتر جديد محفزاً لهذه الآليات النفسية، حتى لو لم يكن مرتبطاً مباشرة بالعنف، والأسوأ أن الأطراف المستفيدة من الانقسام تصبح قادرة بسهولة أكبر على قسم الشوارع وتخويف الناس فيها بناء على تهويل مختلق، حتّى لو كان الطرف الآخر لا يحمل لا شعارات علنية، ولا خطط داخلية، مرتبطة بهذا التهويل والتخويف.

في دعم هذا التأثير النفسي، تشير الدراسات التجميعية في مجال نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory) إلى نتائج كمية مهمة. المراجعة الشاملة التي أجراها Burke وآخرون (2010) استندت إلى 277 تجربة في 164 دراسة مستقلة تناولت استثارة الوعي بالموت أو التهديد الوجودي، ووجدت أن هذه الاستثارة لها أثر متوسط الإيجابية (effect size) بقيمة تقريبية r = 0.35 على المتغيرات المرتبطة بالتشبث بالهوية الجماعية ورفض المختلف ونقص التسامح، مقارنة بحالات التحكم.

تعني هذه القيمة الإحصائية أن الاستعداد الدفاعي الهوياتي ليس مجرد اتجاه نظري، بل تحرك اجتماعي-نفسي يمكن قياسه وتكراره في سياقات تجريبية مختلفة. كما أظهرت تحليلات لاحقة أن التأثير يزداد عندما يُصاحب التهديد الوجودي إبراز معيار اجتماعي مهيمن، مما يعزز الميل للتشبث بالجماعة الداخلية ورفض الخارجين عنها (متوسط g ≈ 0.34 وفق تحليل شامل منشور). هذه النتائج، المنشورة عبر قواعد بيانات PubMed وPMC، تُستخدم في الأدبيات العلمية كدليل تجميعي على أن الخوف الوجودي يزيد من دفاعات الهوية الجماعية ويقلل من التقبل الاجتماعي للاختلافات.

الشائعة وخطاب نزع الإنسانية

في البيئات الانتقالية، تتراجع فعالية القنوات الرسمية للمعلومات، فتملأ الشائعة هذا الفراغ. أبحاث BBC Media Action  حول «اضطراب المعلومات» توضح أن الشائعة لا تنتشر فقط بسبب التكنولوجيا المتقدمة – التي باتت متاحة أكثر من أي وقت مضى، بل لأنها تؤدي وظيفة اجتماعية: تفسير سريع للأحداث يمنح شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، وهو عيب بشري لا يمكن تلافيه، ولكن يمكن تغذيته أو تأريضه.

في سوريا، وثّقت تقارير اليونسكو المتعلقة برصد خطاب الكراهية أن السرديات التعميمية ونزع الإنسانية عن جماعات كاملة تؤدي إلى:

  • تآكل التعاطف الاجتماعي.
  • تطبيع العنف اللفظي.
  • خفض العتبة النفسية للعنف المادي.

هذا الأثر لا يبقى في الخطاب، بل ينتقل إلى السلوك اليومي، وعندما يصبح واقع «شارع ضدّ شارع» ملموساً، لا يبذل المحرضون الكثير من الجهد حتى يصبح خطاب الكراهية والسرديات التعميمية منتشرة لدرجة أنّ من يخالفها – حتى لو كان من صفوف أصحاب هذا الخطاب من حيث التقسيم الطائفي أو العرقي – يصبح منبوذاً، وأحياناً خارجاً عن الجماعة.. من هنا يمكننا أن نفهم الألفاظ التي بدأت بالانتشار في المجتمع السوري منذ 2011، والمستمرة حتى اليوم «علوي كيوت، سني كيوت، خائن للقضية، إنساني، طوباوي…الخ».

انعكاس الاستقطاب على المؤسسات الاجتماعية

تشير تقاريرUNDP  حول سوريا إلى أن ضعف الخدمات لا يرتبط فقط بالموارد، بل أيضاً بالمناخ الاجتماعي. عندما يتسلل الاستقطاب إلى المدرسة أو العيادة أو مكان العمل:

  • تصبح القرارات الخدمية موضع شك.
  • تتضاعف النزاعات الصغيرة.
  • يتراجع الأداء العام بسبب غياب الثقة.

الأدبيات الخاصة بإعادة الإعمار «الناعمة» تؤكد أن التماسك الاجتماعي شرط لنجاح أي تعافٍ اقتصادي أو خدمي، وليس نتيجة لاحقة له.

من المهم أن يدرك السوريون، جميع السوريين، هذا الواقع. فالذي يحلم بإعادة إعمار ورفاه وغيره، دون أن يحسب حساب التآلف الاجتماعي، يردد سردية الإعلام الرسمي أيام السلطة السابقة، وإلى حد ما اليوم، والتي كانت تريد إفهامنا أنّ الحروب والمعارك الدائرة فيما بيننا لا تؤثر في أي منحى اقتصادي أو إصلاحي.

لماذا تستمر الحلقة؟

لأننا أمام سلسلة سببية مغلقة: خوف متراكم → انحياز هوياتي → شائعة وتحريض → تراجع الثقة → احتكاك اجتماعي أعلى → خوف أكبر.

الدراسات المقارنة حول المجتمعات الخارجة من النزاع، ومنها أعمالMarc et al. لصالح البنك الدولي، تظهر أن هذه الحلقة لا تنكسر تلقائياً، بل تحتاج إلى تدخلات موجهة.

بعيداً عن الجدل السياسي، تشير الأبحاث التطبيقية إلى أربع أدوات أساسية لهذه التدخلات الموجهة:

  1. مشاريع مشتركة صغيرة تعيد إنتاج خبرة التعاون (مياه، نظافة، مدارس…الخ)
  2. تعزيز مصادر المعلومات الموثوقة محلياً لتقليل أثر الشائعة، وهو ما توصي به BBC Media Action بشدّة
  3. برامج دعم نفسي-اجتماعي سلوكية تركز على إدارة الخوف والغضب، لا على الوعظ، ولا على تجميل الواقع، وبالتأكيد تبتعد عن الخطاب المؤيد والخطاب المضاد.
  4. رصد مهني لخطاب الكراهية ووضع معايير إعلامية واضحة، كما في برامج اليونسكو.

الشارع والشارع المضاد، من منظور اجتماعي-نفسي، ليسا ظاهرة سياسية بقدر ما هما انعكاس لتراجع الثقة وتراكم الخوف في مجتمع لم يتعافَ بعد من آثار نزاع طويل. معالجة هذه الظاهرة تبدأ من استعادة الثقة في التفاصيل اليومية، وتقليل منطق الاصطفاف، وضبط مسارات التضليل، بما يسمح بإعادة بناء روابط اجتماعية قابلة للحياة.

لكن، وهو سؤال مهم يحتاج إلى إجابة: كيف للدولة، ومنظمات المجتمع الأهلي، أن تواجه خطاب الكراهية، وتقف في وجه المستفيدين منه، من أمراء الحرب، والناهبين، والمستبدين…الخ. إن إجابة هذا السؤال تحتاج إلى مقال آخر، أو ربّما مقالات أخرى، تدرس الحالة، وتخرج بتعريف واضح لهؤلاء المستفيدين.

اقرأ أيضاً: الحلقة المفقودة للاستقرار الداخلي السوري .. إلى متى سيدفع المواطن الثمن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى