التمارين الرياضية أم تمارين الاسترخاء: أيهما أنسب لعلاج الهلع؟

بقلم هلا يوسف
يلجأ الكثير من الناس إلى الرياضة والاسترخاء للتخلص من سموم الجسم البدنية والروحية. فالمعروف أن التمارين الرياضية تحسن من صحة الجسد، والاسترخاء يحسن من القدرة على التعامل مع القلق والتوار. لكن بالنسبة إلى نوبات الهلع يبقى السؤال مطروحاً: أيهما أكثر فاعلية في تقليل تكرار النوبات وحدتها؟
حاولت دراسة حديثة تم نشرها في مجلة Frontiers in Psychiatry الإجابة عن هذا السؤال. شملت الدراسة مشاركين يعانون من اضطراب الهلع، وجرى توزيعهم عشوائياً على مجموعتين: الأولى اتبعت برنامجاً رياضياً يتكون من المشي يتبعه عدو سريع قصير، مع زيادة فترات السرعة تدريجياً بمرور الوقت، والثانية خضعت لتدريب على استرخاء العضلات التدريجي.
أظهرت النتائج تحسناً لدى المجموعتين، غير أن التحسن كان أوضح لدى مجموعة التمارين الرياضية، إذ انخفضت وتيرة نوبات الهلع وشدتها بدرجة أكبر، كما تراجعت أعراض الاكتئاب لديهم بشكل ملحوظ، واستمرت هذه النتائج حتى بعد ستة أشهر من المتابعة.
قد تبدو هذه النتيجة مفاجئة للوهلة الأولى، لكنها تنسجم مع ما هو معروف في العلاج السلوكي المعرفي. فالأشخاص المصابون باضطراب الهلع لا يخافون من المواقف بقدر ما يخافون من الأحاسيس الجسدية نفسها: تسارع ضربات القلب، ضيق التنفس، الدوار. وغالباً ما يفسرون هذه الإشارات على أنها علامة خطر وشيك. لذلك يتجنب بعضهم ممارسة الرياضة أو أي نشاط قد يثير هذه الأعراض.
هنا يأتي مفهوم “التعرض الداخلي”، وهو أحد الأساليب العلاجية التي تقوم على استحضار هذه الأحاسيس بشكل متعمد وآمن لإعادة تدريب الدماغ على أنها ليست خطيرة. ومن هذا المنطلق يمكن فهم دور التمارين الرياضية في الدراسة؛ فقد منحت المشاركين فرصة اختبار الأعراض التي يخشونها في سياق آمن ومنظم، مما ساعدهم على تقليل حساسيتهم تجاهها. أضف إلى ذلك أن النشاط البدني معروف بتأثيره الإيجابي في تحسين المزاج، وهو عامل قد يساهم بدوره في تخفيف حدة النوبات.
كيف يمكن تطبيق هذه النتائج في الحياة اليومية لعلاج الهلع؟
تشير هذه المعطيات إلى أن تجنب الأعراض الجسدية قد لا يكون الحل الأمثل، بل إن مواجهتها تدريجياً قد تكون أكثر فائدة. ومع ذلك، من المهم استشارة الطبيب قبل البدء بأي برنامج رياضي جديد، خاصة لمن يخشون أن تؤدي الرياضة إلى إثارة نوبات الهلع.
عند التفكير في البدء، من المفيد تحديد سبب واضح لذلك، كالرغبة في تحسين القدرة على التعامل مع النوبات أو تعزيز الصحة العامة. كما يستحسن تذكير النفس بأن التغيرات الجسدية أثناء التمرين طبيعية ومتوقعة، وليست مؤشراً إلى خطر.
البدء بخطوات بسيطة وواقعية يساعد على الاستمرار. يمكن مثلاً تخصيص 15 دقيقة للمشي المعتدل، تليها 30 ثانية من الجري السريع، ثم العودة إلى المشي، مع زيادة فترات السرعة تدريجياً بحسب القدرة. وإذا لم يكن الخروج ممكنًا، يمكن اختيار نشاط بدني مناسب داخل المنزل.
ومن المهم أيضاً تقبل التعثر إن حدث، دون قسوة أو لوم، والنظر إليه كجزء من عملية التغيير. الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة يعزز الدافعية ويجعل الاستمرار أسهل. ورغم أن اضطراب الهلع قد يكون مرهقاً ومزعجاً، فإنه قابل للعلاج، خاصة عند العمل مع مختص يركز على التعامل مع الخوف من الأعراض الجسدية. ومع الوقت، يمكن استعادة الشعور بالأمان داخل الجسد، خطوة تلو أخرى.
الخلاصة، لا تقتصر التمارين الرياضية على تحسين اللياقة البدنية، بل قد تشكل أداة علاجية فعالة في تقليل نوبات الهلع وشدتها، متفوقة في ذلك على تمارين الاسترخاء. ويبدو أن السر يكمن في تعريض الجسد للأعراض التي يخشاها المصاب ضمن سياق آمن ومنظم، مما يضعف الارتباط بين هذه الأعراض والخوف منها. لذلك فإن الاندماج بأي نشاط بدني مدروس ومنظم، مع وجود علاج متخصص، قد يمثل خطوة أساسية في العلاج من نوبات الهلع.
اقرأ أيضاً: كشف الزيف علمياً: هل يؤثر الامتناع عن القهوة الصباحية في رمضان على إبداعنا؟









