المجتمع السوري

التكسي السوري يدخل اقتصاد المنصات.. معركة جديدة على الراكب والسائق

الكاتب: أحمد علي

يقف سائق التكسي الأصفر عند الرصيف، بينما تتوقف سيارة خاصة ويصعد إليها راكب كان ينظر إلى هاتفه. لا يعرف السائق إن كان خسر الرحلة بسبب السعر أو لأن التطبيق عرف مكان الزبون قبله. وفي السيارة الأخرى، يرتاح الراكب لمعرفة اسم السائق والمسار والكلفة المتوقعة.. المشهد واحد، لكن كل طرف يراه من نافذة مختلفة.

في 8 أيلول 2026 جمعت ورشة «ناقل» في دمشق وزارتي النقل والاتصالات وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركات عاملة لمناقشة تنظيم النقل عبر التطبيقات. عُرض رقم يقارب 300 ألف مستخدم نشط شهرياً لدى التطبيقات الكبرى، ونسبة نجاح للطلبات تتجاوز 97 في المئة، مع زمن وصول معتاد بين ثلاث وخمس عشرة دقيقة. هذه بيانات مقدمة في الورشة وليست تعداداً مستقلاً لكل السوق، لكنها تؤكد أن الخدمة سبقت اكتمال قواعدها.

تطبيقات التكسي في سوريا تجاوزت مرحلة التجربة

لم تعد تطبيقات التكسي في سوريا فكرة تخص مجموعة صغيرة من مستخدمي التقنية. ثلاثمئة ألف مستخدم نشط شهرياً رقم يكفي لتغيير عادات الطلب، ولجعل الهاتف بوابة إلى الرحلة. وتظهر الفائدة فوراً حين يقل وقت الانتظار، يرى الراكب مسار السيارة، ويستطيع تقييم الخدمة بدلاً من الوقوف طويلاً في شارع مزدحم.

لكن الرقم لا يكشف عدد الرحلات أو السائقين أو التطبيقات المرخصة ولا قيمة السوق. قد يستخدم شخص التطبيق مرة في الشهر ويستخدمه آخر يومياً. لهذا لا يمكن تحويل عدد الحسابات إلى إيرادات أو حصة سوقية. ما يمكن قوله بثقة هو أن النشاط صار كبيراً بما يكفي كي لا يُترك بين قانون قديم وممارسات تتغير أسرع منه.

القانون موجود والإطار الجديد لم يصدر بعد

سمح القانون رقم 16 لعام 2021 لفئات من المركبات بنقل الركاب عبر تطبيق إلكتروني ضمن شروط تتعلق بالشركة والسائق والمركبة والتأمين. وتناقش الوزارة اليوم مراجعة هذا القانون والقرار التنفيذي رقم 55. المهم هنا أن ورشة «ناقل» لم تُصدر قانوناً جديداً. ما طرحته اتجاهات للحوار، من نافذة ترخيص موحدة إلى تنظيم البيانات والدفع.

الفصل بين المقترح والقاعدة النافذة يحمي الشركات والسائقين من الارتباك. يستطيع المستثمر الاستعداد، لكنه لا يجوز أن يقدم فكرة مطروحة بوصفها حقاً مكتسباً. كما تحتاج الشركات القائمة إلى مهلة انتقالية إذا ارتفعت متطلبات التأمين أو الأمن الرقمي. التنظيم الجيد يرفع المعيار من دون أن يغيّر أرض الملعب أثناء الرحلة.

من يملك الراكب يملك بيانات الطريق

تتنافس المنصات على أكثر من رحلة. التطبيق الذي يجمع ركاباً أكثر يجذب سائقين أكثر، وكثرة السائقين تقلل الانتظار فتجلب ركاباً جدداً. هذه الدائرة قد تمنح منصة أو اثنتين قوة كبيرة على السوق. ومع الوقت لا تعود الميزة في السيارة، بل في الخريطة والتقييم وسجل الطلب والقدرة على توجيه السائق إلى الحي الأكثر طلباً.

المنافسة مفيدة ما دامت تسمح للراكب بالمغادرة وللسائق بالعمل مع أكثر من خدمة، ولا تستخدم الخصومات لحرق السوق ثم رفع الأسعار. لذلك يحتاج المنظم إلى مراقبة الحصص والعمولات وشروط الحصرية، ومنع احتجاز تقييم السائق عند انتقاله إلى منصة أخرى من دون مسوغ يتعلق بالسلامة.

السائق مرن لكنه ليس حراً بالكامل

يمنح التطبيق موظفاً بسيارة خاصة دخلاً إضافياً، ويساعد السائق على تقليل الدوران الفارغ في الشوارع. وفي المقابل تقتطع المنصة عمولة، وتؤثر خوارزميتها في ترتيب الطلبات، وقد يخسر السائق حسابه بسبب تقييمات لا يملك طريقاً واضحاً للاعتراض عليها. المرونة حقيقية، وكذلك السيطرة التي لا تظهر في عقد عمل تقليدي.

يجب أن يعرف السائق صافي ما سيحصل عليه قبل قبول الرحلة، وأن تُحسب مسافة الوصول والانتظار والإلغاء. ويحتاج إلى بيان يفصل الأجرة والعمولة والاقتطاعات، مع حق مراجعة أي إيقاف. لا يتطلب ذلك تحويله إلى موظف، لكنه يمنع المنصة من إدارة رزقه بقرار آلي لا يسمع شكواه.

التكسي الأصفر يستطيع دخول الهاتف

احتجاج سائقي السيارات العمومية مفهوم. فقد دفعوا ثمن لوحة وترخيص وتأمين، ثم وجد بعضهم سيارات خاصة تنافسهم بقواعد مختلفة. غير أن منع التطبيقات يعيد الراكب إلى مشكلة البحث ولا يضمن دخلاً للسائق. الطريق الأعدل هو فتح المنصات أمام التكسي المرخص، مع شروط متقاربة لكل من يؤدي الخدمة نفسها.

يمكن تصميم فئة داخل التطبيق للسيارة العمومية، أو منصة مشتركة تساعدها المؤسسة العامة على الانضمام إليها، من دون احتكار حكومي للطلب. عندها يستفيد السائق من الخريطة والدفع والتقييم، ويحتفظ الراكب بخيار واضح. المعركة ليست بين اللون الأصفر والشاشة، بل بين قواعد متساوية وسوق يسمح لطرف بتحمل كلفة أقل على حساب الآخر.

التأمين هو السؤال الذي يظهر بعد الحادث

تتحول السيارة الخاصة إلى أداة عمل لحظة قبول الرحلة، وهنا قد لا تكفي بوليصة الاستخدام الشخصي. من يعوض الراكب إذا وقع حادث، ومن يغطي السائق أثناء توجهه إلى نقطة الالتقاط، وما مسؤولية المنصة إذا قبلت مركبة لم تُفحص؟ لا ينبغي ترك هذه الأسئلة لأول إصابة كبيرة كي تبدأ الجهات في تفسير العقود.

تستطيع القواعد الجديدة فرض تغطية تجارية لكل رحلة تبدأ من قبول الطلب وتنتهي بنزول الراكب، مع تحقق رقمي من صلاحية الرخصة والفحص والتأمين. كما يجب عرض جهة الاتصال عند الحادث داخل التطبيق. ارتفاع الكلفة هنا مبرر بقدر ما يشتري حماية حقيقية، لا ورقة إضافية تُرفق بملف الترخيص.

الأمان الرقمي لا يبرر جمع كل شيء

يمنح تتبع الرحلة شعوراً بالأمان، ويساعد في حل الشكوى والعثور على المفقود. لكنه يرسم أيضاً خريطة شديدة الحساسية لحركة الناس ومنازلهم وأماكن عملهم. وتشترط تعليمات الترخيص حفظ بيانات لفترة محددة واستضافة منظمة واختبارات أمن، ما يجعل سؤال من يصل إلى السجل ولماذا جزءاً من سلامة الراكب نفسها.

الحل هو جمع الحد الأدنى، وتشفير البيانات، وتحديد مدة الحفظ، وإخفاء أرقام الهواتف، وتسجيل كل وصول إداري إلى سجل رحلة. ويجب أن يستطيع المستخدم طلب حذف ما لا يلزم قانوناً. إذا تحولت المنصة إلى دفتر دائم لحياة الناس، ستشتري الراحة على الطريق بكلفة خصوصية لا تظهر في سعر المشوار.

ما يجب أن يأتي بعد ورشة ناقل

تحتاج السوق إلى نافذة رقمية واحدة للترخيص، وقائمة عامة بالتطبيقات المرخصة، وأسباب مكتوبة للرفض، وطريق للاعتراض. كما تحتاج إلى نشر طريقة احتساب الأجرة والعمولة وحدود الأسعار وقت الذروة، وإلى قناة شكاوى مشتركة لا تضيع بين الشركة ووزارة النقل والاتصالات والتأمين.

ثم تأتي البيانات التي تسمح بالحكم. عدد الرحلات المؤمن عليها، ومتوسط انتظار الراكب، وصافي دخل السائق في الساعة، والحوادث، والشكاوى المحلولة، والتغطية خارج مراكز المدن. إذا تحسنت هذه المؤشرات مع بقاء المنافسة مفتوحة، يكون اقتصاد المنصات قد خدم الطريق. أما كثرة التطبيقات وحدها فقد تعني شاشات أكثر وفوضى جديدة.

في ختام القول، دخل التكسي السوري اقتصاد المنصات لأن الراكب اختار سهولة الطلب، ولأن آلاف السائقين بحثوا عن دخل أو زبون. لا تستطيع القاعدة القانونية إعادة السوق إلى ما قبل الهاتف، ولا ينبغي لها أن تترك الهاتف يكتب القاعدة وحده. المطلوب تنظيم يحمي الرحلة منذ قبولها حتى انتهائها، ويجعل الكلفة والمسؤولية مرئيتين.

إذا دخل التكسي الأصفر إلى المنصة بشروط عادلة، وعرف سائق السيارة الخاصة ما له وما عليه، واحتفظ الراكب بأمانه وبياناته وحقه في الشكوى، تخف المعركة. عندها تصبح التقنية وسيطاً أفضل بين ثلاثة أطراف، لا مالكاً جديداً للطريق ولمن يعمل عليه.

اقرأ أيضاً: عمال التوصيل في سوريا.. سباق يومي مع المخاطر والرزق المتقطع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى