التفويض في شركات المحاماة: لماذا يصبح القائد أكبر عائق أمام نمو شركته؟

د. بشر ياقتي – التفويض في شركات المحاماة: لماذا يصبح القائد أكبر عائق أمام نمو شركته؟
من أكثر المفارقات التي تتكرر في شركات المحاماة أن الشخص الذي قاد الشركة إلى النجاح في سنواتها الأولى قد يصبح – دون أن يشعر – أكبر سبب في تباطؤ نموها في المراحل اللاحقة، وليس لأن قدراته تراجعت أو خبرته قلت، بل لأنه ما زال يدير الشركة بالعقلية التي كانت تناسب بداياتها، حين كان عدد العملاء محدوداً والقرارات قليلة وكل شيء يمر عبره بصورة طبيعية. تالياً يتطرق الدكتور بشر في مقابلة حصرية مع سوريا اليوم24 لهذا الموضوع بالتفصيل.
مع توسع الشركة يزداد عدد المحامين والقضايا والعملاء، لكن طريقة اتخاذ القرار تبقى كما هي، فلا يعتمد تسعير إلا بعد مراجعته، ولا تُقبل قضية إلا بعد موافقته، ولا يُحسم خلاف إلا بحضوره، حتى تتحول الشركة تدريجياً إلى كيان كامل ينتظر شخصاً واحداً. والغريب أن هذا الشخص يشتكي ليل نهار من كثرة العمل، بينما هو في الحقيقة من صنع هذا الواقع بيده.
ويعود السبب في كثير من الأحيان إلى فهم غير دقيق لمعنى التفويض، إذ يظنه البعض تخلياً عن المسؤولية أو تقليلاً من جودة العمل، فيتمسك بكل التفاصيل معتقداً أنه يحمي الشركة من الأخطاء، بينما الواقع أن الشركة تبدأ بإنتاج نوع آخر من الأخطاء أكثر خطورة، وهو بطء القرار وتعطيل الأعمال واستنزاف القيادات والكفاءات.
ولعل أكثر عبارة تتردد داخل المكاتب القانونية هي: «دعني أراها أولاً»، ومع أن هذه العبارة تبدو في ظاهرها حرصاً، إلا أنها إذا أصبحت قاعدة عامة فإنها تعني أن الشركة لم تبنِ بعد نظاماً يستطيع اتخاذ القرار في المستويات المختلفة، فليس من المنطقي أن ينتظر محامٍ موافقة الشريك على كل خطوة، أو أن يبقى العميل أياماً بانتظار اعتماد أمر يمكن لمدير الإدارة أن يحسمه خلال دقائق.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الشركاء أنهم يفوضون تنفيذ العمل لكنهم يحتفظون بالقرار لأنفسهم. فيُقال للمدير: تولَّ الملف، لكن لا تعتمد شيئاً حتى أراجعه. ويُطلب من المحامي التفاوض، لكن لا يقدم أي عرض قبل العودة إليّ، ويُكلف أحدهم إدارياً بإدارة الفريق، لكنه لا يستطيع معالجة أبسط إشكال دون الرجوع إلى الإدارة العليا، وهنا لا يكون التفويض إلا شكلاً، أما جوهر السلطة فما زال محصوراً في مكان واحد.
ولنفترض أن شركة محاماة تضم عشرين محامياً، وكل عقد تزيد قيمته على مبلغ معين يجب أن يراجعه الشريك المؤسس بنفسه، ومع ازدياد العملاء أصبح على مكتبه عشرات العقود يومياً، فتأخرت المراجعات وتكدست الملفات وبدأ العملاء يتذمرون من بطء الإنجاز؛ عندها قد يُعتقد أن المشكلة في كثرة العمل، بينما السبب الحقيقي أن الشركة لم تضع معايير واضحة للتفويض، فربطت القرار بشخص بدلاً من ربطه بضوابط مهنية.
وفي المقابل قد نجد شركة أخرى وضعت سياسة واضحة تحدد ما الذي يعتمد من مدير الإدارة، وما الذي يرفع إلى الشريك، وما الذي يبت فيه المحامي المسؤول عن الملف، فأصبحت القرارات تسير بانسيابية دون أن يشعر العميل بوجود طبقات إدارية تعطل مصالحه، ودون أن يفقد الشريك سيطرته على الاتجاه العام للشركة.
ومن الجوانب التي لا يُنتبه إليها كثيراً أن غياب التفويض لا يستنزف القائد وحده، بل يستنزف الصف الثاني أيضاً، فالمحامي الذي لا يُمنح فرصة لاتخاذ القرار سيبقى منفذاً مهما بلغت خبرته، والمدير الذي تُسحب منه صلاحياته عند أول اختبار سيتوقف عن المبادرة، ثم يبدأ تدريجياً بفقدان الحماس لأنه أدرك أن مسؤوليته أكبر من سلطته، وأن المطلوب منه تحمل النتائج دون امتلاك أدوات التأثير فيها.
كما أن الإفراط في المركزية يخلق ثقافة انتظار داخل الشركة فلا أحد يبادر، ولا أحد يحسم، ولا أحد يتحمل مسؤولية قرار، لأن الجميع اعتاد أن الحل يأتي من الأعلى.
ومع مرور الوقت تصبح الشركة مليئة بالكفاءات لكنها فقيرة بالمبادرات، ويزداد اعتمادها على القائد كلما ازداد عدد العاملين فيها، وهي مفارقة لا تبدو منطقية لكنها تتكرر كثيراً في الكيانات المهنية.
ولا يعني التفويض أن يتخلى القائد عن دوره أو أن يترك الأمور تسير دون رقابة، بل يعني أن ينتقل من إدارة التفاصيل إلى إدارة المنظومة، فالقائد الناجح لا يسأل عن كل إجراء، وإنما يضع السياسات، ويراقب المؤشرات، ويتدخل عند الحاجة، ويترك لفريقه مساحة كافية ليكتسب الخبرة ويتحمل المسؤولية. فالشركات لا تنضج عندما يزداد عدد العاملين فيها، وإنما عندما يزداد عدد الأشخاص القادرين على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
وفي المحصلة، فإن التفويض ليس منحة يمنحها القائد لفريقه، بل استثمار في مستقبل الشركة. وكل قرار يحتفظ به القائد لنفسه دون حاجة حقيقية يزيد من اعتماد الكيان عليه، بينما كل قرار يُفوَّض وفق ضوابط واضحة يزيد من قوة المؤسسة واستقلالها. والفارق بين شركة تتوسع وأخرى تتعثر لا يكمن دائماً في عدد العملاء أو حجم الإيرادات، بل في عدد القرارات التي تستطيع الشركة اتخاذها دون أن تنتظر شخصاً واحداً.
للملاحظات والمقترحات للدكتور بشر: bisher.sa@gmail.com
د. بشر:
دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.
اقرأ أيضاً: بناء الصف الثاني في شركات المحاماة: من يقود الكيان بعد القائد؟









