التفويض الصامت: دراسة تبين كيف تدار الحروب باسمنا

بقلم هلا يوسف
لم تكن الحرب منذ القديم مجرد حدث سياسي أو قرار قانوني، بل كانت تعبيراً عميقاً عن صراع متجذر في طبيعة الإنسان نفسه. وذلك قبل أن تنظمه القوانين وتحكمه الاستراتيجيات والتخطيط. وأكبر مثال على ذلك الحروب الموجودة في الأساطير منذ حكايات النزول من الجنة، وغرائز البقاء والسيطرة. وقد عبر الكاتب الأمريكي روبرت أردري عن هذه الفكرة بوضوح حين قال إن الإنسان ليس مجرد كائن عاقل، بل “حيوان مسلح”، في إشارة إلى أن العنف ليس طارئاً على تاريخ البشر، بل جزء من بنيته. في هذا المقال سنتناول فكرة الحروب في الحكومات التي تدعي الديموقراطية، وكيف لا يؤخذ رأي الشعب في توجهه نحو الحروب أو عدم رغبته في خوضها بناءً على بحث علمي منشور في “موقع إيون“.
يشير البحث العلمي المذكور أن أكثر ما يميز عصرنا الحديث هو صعوبة تجاهل الحرب أو إخفاء آثارها. فصور أنقاض هيروشيما، والمشاهد المتلفزة من حرب فيتنام، والمقاطع المنتشرة لمجزرة بوتشا في أوكرانيا، والبث المباشر لقصف غزة، جعلت من العنف مادة يمكن مشاهدتها ومشاركتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما جعله صعب النسيان مقارنة بما كان يحدث. وأشار البحث إلى أن الحرب لم تعد مجرد تهديد باستخدام القوة، بل أصبحت لحظة انهيار أخلاقي شامل، تتعطل فيها القواعد التي تنظم التعايش، وتعاد صياغة القوانين لتبرير القتل، وتفقد الحياة البشرية قيمتها، أو تمنح قيمة مشروطة بضرورات السياسة.
ومع ذلك لا يعني هذا الانهيار غياب المسؤولية بحسب البحث. على العكس فإن إرث الحرب هو إرث مسؤولية مضاعفة، خاصة في الأنظمة الديمقراطية التي يفترض أن تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيها. هنا تظهر مفارقة عميقة، فالحرب قديمة قدم البشرية، أما الديمقراطية فحديثة نسبياً، وهذا التفاوت يخلق توتراً لم يحل بعد. وتساءل البحث حول ماذا يحدث عندما يتم اتخاذ أخطر قرار سياسي، وهو قرار القتل الجماعي، دون موافقة صريحة من المواطنين؟ هنا توصل البحث إلى مصطلح “التفويض الصامت”، حيث يعامل صمت الشعوب، الناتج عن بنى سياسية معقدة ومغلقة، كما لو كان موافقة ضمنية. وهكذا تحتفظ الديمقراطية باسمها، لكنها تفقد جوهرها.
وأشار البحث إلى أن الأنظمة الديمقراطية الحديثة، اتبعت نهجاً يعتمد على ندرة خوض المواطنين الحروب بأيديهم، لكنهم يمولونها ويتحملون نتائجها. فالقرار لا يتخذ في ساحات القتال، بل داخل مؤسسات تدعي تمثيل الشعب، بينما يقصى صوته عن لحظة الحسم. فقد تسمح بعض النظريات الأخلاقية بالحرب في حالات تسمى “الطوارئ القصوى”، لكن يظل السؤال المطروح: هل يكفي هذا التبرير في نظام يفترض أن الشرعية فيه تنبع من إرادة الشعب؟ وبالتالي فإن هذا الصمت لا يقي المواطنين من تبعات الحرب، لكنه يحرمهم من حق تقرير ما إذا كان ينبغي خوضها أصلاً.
وطرح البحث أمثلة واضحة تبرز العجز الديمقراطي بوضوح في التاريخ الحديث. ومنها تجربة الولايات المتحدة، التي تعد من أقدم الديمقراطيات المعاصرة. ففي عام 1945 اتخذ الرئيس الأمريكي هاري ترومان قرار استخدام القنبلة الذرية ضد اليابان، وهو قرار غير مسار التاريخ الإنساني. ورغم أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سلطة مناقشة شؤون الحرب، فإن هذا القرار المصيري لم يعرض على نقاش عام، ولم يطرح على ممثلي الشعب. وهنا تشير الوثائق إلى أن الإذن النهائي باستخدام السلاح النووي كتب في مذكرة قصيرة بخط اليد خلال مؤتمر بوتسدام، مرفقة بعبارة “الإصدار عند الاستعداد”. بهذه الكلمات القليلة تم حسم مصير مدن كاملة، مستندين على صمت المؤسسات والأهم صمت المواطنين. إذ لم يستشر الشعب قبل هيروشيما، بل طلب منه التكيف مع الأمر الواقع بعدها، حين توجه ترومان إلى الكونغرس لا لتبرير قراره، بل لاقتراح إنشاء لجنة للطاقة الذرية، في خطوة بدت وكأنها إدارية أكثر منها أخلاقية.
تبرير الحرب بين الإرث الأخلاقي وغياب الصوت الشعبي
يقول البحث أن إخفاق هذا المبدأ يمتد بجذوره إلى تاريخ أقدم من الديمقراطية نفسها. فقد تشكل تبرير الحرب عبر قرون طويلة في سياقات لم تكن ديمقراطية أصلاً. ففي بدايات المسيحية كان أتباعها دعاة سلام متشددين، لكن بعد أن أصبحت ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية في عهد قسطنطين، اضطرت الكنيسة إلى التوفيق بين الإيمان والسلطة. هنا ظهر أوغسطينوس من هيبو، الذي صاغ نظرية “الحرب العادلة”، معتبراً أن الحرب قد تكون مقبولة إذا كان هدفها استعادة السلام، ورد الظلم، وحماية الضعفاء، بشرط أن تكون بدافع الضرورة لا الطموح، وأن تمارس بقدر من الرحمة. من هذا التصور الأخلاقي، بدأت تتشكل لاحقاً قواعد ما نعرفه اليوم بقوانين الحرب.
وبعد أكثر من ألف عام ومع الحروب الدينية التي مزقت أوروبا، برز الفقيه الهولندي هوغو غروتيوس، الذي حاول نزع الطابع اللاهوتي عن الحرب، وجادل بأن شرعية الحروب يجب أن تقوم على العقل لا على الوحي. وعلى هذا المبدأ تم وضع أسس القانون الدولي الحديث، حيث تبرر الحرب استناداً إلى مبادئ عقلانية يفترض أن تكون مفهومة للجميع. إلا أن هذه الأفكار على الرغم من أهميتها، إلا أنها بحسب البحث نشأت في عالم الملوك والإمبراطوريات، حيث لم يكن سؤال “من يملك حق إعلان الحرب؟” مطروحاً بصيغة شعبية أو ديمقراطية.
وفي القرن العشرين حاول الفيلسوف الأمريكي مايكل والزر تحديث هذا التراث في كتابه “الحروب العادلة وغير العادلة” الصادر عام 1977. طرح والزر مفهوم “حالة الطوارئ القصوى”، حيث قد يواجه المجتمع تهديداً وجودياً يبرر خرق بعض القواعد الأخلاقية التي وضعت لتقييد الحرب. في مثل هذه الحالات، قد يرى القادة أنفسهم مضطرين لارتكاب أفعال محظورة عادة، مثل قصف المدنيين. لكن والزر شدد في الوقت نفسه على أن هؤلاء القادة يظلون مذنبين أخلاقياً، حتى لو كانت أفعالهم ضرورية. وبالتالي فإن هذه الفكرة بالرغم من وضوحها إلا أنها تكشف عن خطر كبير: فبمجرد فتح باب الاستثناء، يصبح من الصعب التحكم في حدوده.
ومع تطور التفكير الأخلاقي حول الحرب، ظل سؤال المشاركة الشعبية غائباً إلى حد كبير. ومع مرور الزمن تحول هذا الغياب إلى عادة سياسية، حيث تعلمت الديمقراطيات تبرير الحرب دون أن تطور آليات حقيقية لإشراك المواطنين في قرارها. فالتمثيل السياسي رغم كونه شرطاً أساسياً للديمقراطية في المجتمعات الكبيرة، إلا أنه خلق فجوة دائمة بين من يقرر ومن يطيع. فالانتخابات بحسب البحث لا تنتج مندوبين ينفذون إرادة الشعب حرفياً، بل أوصياء يتصرفون باسمه. قد يكون هذا مقبولاً في قضايا الضرائب أو السياسات الاجتماعية، لكنه يصبح إشكالياً حين يتعلق الأمر بالحرب، التي لا يمكن التراجع عنها بسهولة، وتقاس تكلفتها بالأرواح لا بالبرامج.
وخلص البحث إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطيات الحديثة تحب أن ترى نفسها كأنظمة مسالمة، بل وتروج لفكرة أنها لا تحارب بعضها البعض، فيما يعرف بنظرية “السلام الديمقراطي”. إلا أن السلام الداخلي كثيراً ما يخفي وراءه صراعات خارجية. فهذه الدول نفسها تواصل تمويل الحروب البعيدة، وتزويد أطرافها بالأسلحة، وخوض صراعات بالوكالة. وبذلك تظل الحرب قائمة، لكنها تدار بعيداً عن أنظار المواطنين الذين يفترض أنهم مصدر الشرعية.
إلا أن تطور الوعي الشعبي بدأ يقابل هذه الفكرة عبر الاحتجاجات الواسعة ضد دعم الحروب، كما في حالة غزة، من لندن إلى نيويورك ومن روما إلى ملبورن، تعكس شعوراً متنامياً بأن الديمقراطية، حين تتحدث عن الحرب، تحتاج إلى مراجعة نفسها. غير أن الاحتجاج رغم أهميته، يأتي غالباً بعد فوات الأوان. أي أنه اللغة الأخيرة المتاحة عندما تغلق قنوات المشاركة الرسمية. وبالتالي فإنه يسمح للمواطنين بالتعبير عن رفضهم، لكنه لا يعيد إليهم حق الموافقة، بل يكشف في الوقت نفسه ضيق المساحة المتبقية لهم داخل النظام السياسي.
باختصار، توصل البحث أنه إذا كانت الحرب تمثل اختباراً، فإنها تتطلب ديمقراطية أكثر استجابة ومشاركة. وهذا لا يعني أن يحكم المواطنون وحدهم، بل ألا تترك الحكومات تحكم وحدها في أخطر القرارات. فالمعرفة يجب أن تكون حقاً عاماً. وبالتالي إن الدفاع الحقيقي عن الديمقراطية في زمن الحرب يبدأ برفض استخدام اسم الشعوب دون أصواتها، وبكسر وهم أن الصمت يمكن أن يكون يوماً شكلاً من أشكال الموافقة.
اقرأ أيضاً: العودة من الحافة.. تحولات المجتمعات بعد صراعات الحرب كيف النجاة؟









