سياسة

عن الذهب وتغطية العملة.. كيف نفهم تصريح حاكم المصرف؟!

الكاتب: أحمد علي

تقدّم الأرقام أحياناً وعداً سريعاً بالطمأنينة، ثم تترك الجمهور وحيداً أمام سؤال بسيط وصعب معاً، ماذا تعني هذه الأرقام فعلاً. من هذا الباب خرج تصريح حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية عن أن قيمة احتياطي الذهب باتت تغطي الكتلة النقدية المطبوعة بنسبة تقارب المئة في المئة أو تتجاوزها.

وخلال ساعات صار الرقم عنواناً يتنقّل بين الناس كأنه حكم نهائي على قوة العملة، ثم تحوّل إلى مادة جدل بين اقتصاديين وقانونيين ومتابعين، ليس لأن الذهب بلا قيمة، بل لأن معنى التغطية يتبدّل بمجرد أن نغيّر زاوية النظر.

يحاول هذا المقال تفكيك النقاش بهدوء، وشرح أين تتقاطع الأرقام مع القانون، وأين تفترق عن الاقتصاد اليومي الذي يعيشه الناس.

التغطية الذهبية لليرة السورية

أتى تصريح الحاكم ضمن مقابلة اقتصادية أوسع، تحدّث فيها عن مسار استبدال العملة، وعن رغبة المصرف في “إعادة بناء الثقة” بوصفها هدفاً مركزياً للمرحلة. في قلب المقابلة قال إن قيمة احتياطي الذهب تجاوزت 42 تريليون ليرة سورية، وهي قيمة قريبة من حجم الكتلة النقدية المطبوعة والمتداولة، وإن ارتفاع أسعار الذهب عالمياً جعل نسبة التغطية تفوق المئة في المئة. كما نُقل أن حجم الاحتياطي يقدَّر بنحو 26 طناً. بهذه الصياغة بدا الأمر كأن معادلة بسيطة تحققت، ذهب يساوي نقوداً، إذن التغطية مكتملة.

لكن الردود التي ظهرت لاحقاً كشفت أن كلمة واحدة هي محور الالتباس، التغطية. بعض المتلقين فهمها بوصفها ضماناً للقوة الشرائية أو مقدمة لتحسن سعر الصرف، بينما تعامل آخرون معها كمفهوم محاسبي قانوني مرتبط بدفاتر المصرف المركزي لا بسلوك السوق. وبين هذا وذاك خرجت أسئلة مشروعة، هل التقييم المقصود هو تقييم الذهب بسعر السوق الحالي، أم وفق قواعد تقييد الأصول في ميزانية المصرف، وهل الكتلة النقدية هنا تعني الأوراق المطبوعة فقط أم تعني مفهوماً أوسع مثل السيولة المتداولة والودائع.

كيف تُقرأ قيمة الذهب

عند القول بأنّ قيمة الذهب تجاوزت 42 تريليون ليرة، فإن الرقم يعتمد على تحويل قيمة الذهب إلى الليرة السورية. وهذا التحويل لا يحدث في الفراغ، لأنه يتأثر بسعر الذهب بالدولار من جهة، وبسعر صرف الدولار مقابل الليرة من جهة أخرى. لذلك قد يرتفع الرقم المقوّم بالليرة حتى لو لم تتغير كمية الذهب نفسها، لمجرد تغير أسعار عالمية أو تغيرات في سعر الصرف المستخدم في الحساب. هنا يصبح ضرورياً التمييز بين “قيمة” يمكن أن تتغير يومياً، وبين “كمية” أكثر ثباتاً.

وتبرز أيضاً مسألة مصدر التقدير. في المادة التي نقلت التصريح أُشير إلى أن تقدير وزن الذهب نُسب إلى حسابات الجهة الناشرة بالاستناد إلى الأسعار العالمية، وليس إلى نشر ميزانية تفصيلية أو بيان رسمي يوضح طريقة الاحتساب. هذا لا ينفي الرقم ولا يثبته بذاته، لكنه يضعه في خانة المؤشر الإعلامي أكثر من كونه رقماً محاسبياً يمكن تدقيقه من خارج المؤسسة. ومع غياب نشر دوري لبيانات تفصيلية عن تكوين الاحتياطيات وكيفية تقييمها، يبقى المجال مفتوحاً لاختلاف القراءات، وهذا ما حصل فعلاً في النقاش العام.

القانون وسعر التقييد

الانتقاد الأبرز الذي تداولته الدكتورة رشا سيروب انطلق من نص قانون النقد الأساسي رقم 23 لعام 2002، وتحديداً من المواد التي تنظّم إصدار النقد والتغطية. النص القانوني يربط إصدار النقد بوجود زيادة مماثلة في موجودات المصرف المركزي، ويعد الذهب أحد عناصر هذه الموجودات. كما ينص على أن الموجودات الذهبية الموضوعة في التغطية تُقيَّد في الدفاتر بسعر الكلفة أو بسعر السوق أيهما أقل.

ومعنى ذلك أن ارتفاع سعر الذهب عالمياً لا ينعكس تلقائياً على قيمة الذهب المسجلة محاسبياً إذا كانت كلفة الشراء أقل من سعر السوق، لأن قاعدة التحفظ تمنع تضخيم الأصول على الورق لمجرد تغيرات سعرية.

بهذه المقاربة يصبح سؤال سيروب مفهوماً، هل كان تصريح “تغطية تفوق المئة في المئة” مبنياً على تقييم بسعر السوق، أم على قيمة مقيدة وفق القاعدة التي يذكرها القانون. إن كان المقصود قيمة السوق، فهو حديث عن قيمة نظرية متغيرة، وإن كان المقصود القيمة المقيدة، فلابد من بيانات منشورة تسمح بتتبع كلفة الشراء وتاريخها وكيف تُحتسب الفروقات. في الحالتين يتضح أن نقطة الخلاف ليست في أهمية الذهب، بل في تعريف التغطية وفي معيار القياس الذي يحق للجمهور أن يفهمه كما هو.

القوة الشرائية خارج الدفاتر

في المقابل قدّم الخبير الاقتصادي جورج خزام قراءة مختلفة، ركزت على أن التغطية التي تهم الناس هي التغطية التي تنعكس على القوة الشرائية وعلى الثقة بالعملة، لا التغطية التي تبقى محصورة في خزائن لا تدخل السوق.

بحسب هذا الطرح، الذهب المخزّن لا يتحول تلقائياً إلى عامل دعم ما لم يكن جزءاً من سياسة نقدية واضحة، وما لم تتوفر أدوات تجعل العملة أكثر طلباً وأكثر موثوقية. كما يرى خزام أن ربط ارتفاع قيمة الذهب المقومة بالليرة بتماسك الليرة قد يكون مضللاً، لأن الرقم قد يرتفع ببساطة مع تراجع قيمة العملة نفسها أمام الدولار.

ويضيء هذا السجال على مسألة جوهرية، حتى لو افترضنا أن الذهب يساوي الأوراق المطبوعة من حيث القيمة، فإن ذلك لا يعني وجود نظام قابل للتحويل أو التزام باستبدال الليرة بالذهب عند الطلب. معظم الأنظمة النقدية الحديثة لا تعمل بهذه الآلية، بل تعتمد على مزيج من الاحتياطيات والسياسات المالية والنقدية وإدارة التوقعات. لذلك يمكن لبلد أن يملك احتياطياً معتبراً ومع ذلك تبقى العملة ضعيفة إذا كانت الثقة مهزوزة أو إذا كانت الأسواق تتوقع تضخماً مستقبلياً أو نقصاً في الإنتاج المحلي المعروض للبيع.

ما الذي يحسم الجدل

ما بين القراءة القانونية والقراءة الاقتصادية مساحة مشتركة يمكن البناء عليها، وهي الحاجة إلى تعريف رسمي دقيق لما يقصده المصرف المركزي عندما يستخدم تعبير “التغطية الذهبية لليرة السورية”. هل يتحدث عن نسبة تغطية للأوراق النقدية المصدرة فقط، أم عن مفهوم أوسع مرتبط بالسيولة، وهل النسبة محسوبة على أساس سعر السوق أم على أساس السعر المقيد في الميزانية. الإجابة ليست ترفاً، لأنها تحدد ما إذا كان التصريح رسالة طمأنة عامة، أم تقريراً محاسبياً، أم جزءاً من استراتيجية اتصالية تهدف إلى دعم الثقة.

كما أن تدقيق أي رقم كبير يحتاج إلى ثلاثة عناصر لا غنى عنها، نشر دوري لبيان يوضح الموجودات والالتزامات، توضيح طريقة تقييم الذهب والعملات الأجنبية والأصول الأخرى، ثم ربط هذه المعلومات بمؤشرات ملموسة يشعر بها الناس مثل سهولة التعاملات المصرفية واستقرار الأسعار واتساق السياسات. عندها فقط يمكن أن تصبح “التغطية الذهبية لليرة السورية” مفهوماً قابلاً للفهم والقياس، لا عنواناً قابلاً للتأويل على منصات التواصل.

في النهاية لا يكفي أن يكون الرقم صحيحاً أو غير صحيح لكي ينجح في مهمته. الأهم أن يكون واضحاً، وأن يُقال ضمن إطار يشرح حدوده ومعناه. فالذهب رصيد سيادي مهم، لكن قيمته في الاقتصاد لا تكتمل إلا حين تُترجم إلى ثقة واستقرار وقواعد معلنة، وعندها يصبح النقاش أقل توتراً وأكثر فائدة للجمهور.

اقرأ أيضاً: هل ينفع شراء الذهب لتجنب خسارة قيمة العملة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى