التعليم العالي في سوريا.. عندما لا تكفي الشهادة لسوق العمل!

بقلم هلا يوسف
بعد الاحتفال بالتخرج، وإلقاء القبعات عالياً، يعتقد الخريج السوري أن أبواب العمل انفتحت له، ليرسم صوراً وتخيلات عن مستقبل مشرق ينتظره، إلا أن هذه الأحلام تتحطم بسبب اصطدامها بصخرة الواقع. آلاف الخريجون ينتظرون فرصة للعمل، وآلاف آخرون يطلب منهم خبرات سابقة لم يسبق لهم تحصيلها خلال دراستهم، وآخرون يتفاجأون بالعمل نفسه، فالذي درسوه شيء، والذي يطبقونه شي آخر. حلقة مفرغة يدور بها الخريج السوري دون حلول لها، في الوقت الذي تضيع منه فرص عمل مع إقبال سوريا على مرحلة جديدة تنفتح لها الشركات الأجنبية.
فمنذ تأسيس جامعة دمشق، التي احتفلت قبل سنوات بمرور مئة عام على تأسيسها، أصبح التعليم الجامعي أحد أهم العلامات المميزة في حياة مختلف السوريين. وهذه الجامعة لم تصل لشكلها الحالي إلا بعد وجود نواة أسست لها كمعاهد للطب وإعداد المعلمين، لتصبح بذلك من أقدم الجامعات في المنطقة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت الجامعة قادرة على تقديم الخريج الذي يحتاجه سوق العمل؟ وهل تكفي سنوات الدراسة وحدها ليقف الشاب بعد التخرج على أرض مهنية ثابتة؟
في الحقيقة الإجابة ليست سهلة، لأن المشكلة لم تعد في وجود التعليم، بل في المسافة التي أصبحت تفصل بين ما يتعلمه الطالب داخل الجامعة وما ينتظره في سوق العمل بعد التخرج.
بين مقاعد الدراسة وسوق العمل… فجوة تتسع يوماً بعد آخر
ربما يشعر كثير من الطلاب بهذه المشكلة بعد تخرجهم، فمع بداية دخولهم لسوق العمل يكتشفون أن المعرفة النظرية التي حصلوا عليها تحتاج إلى تدريب عملي وممارسة لم يحصلوا عليها خلال فترة دراستهم.
تقول هبة قدور وهي طالبة في هندسة العمارة، أن المشكلة الأساسية أن التعليم الجامعي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الجانب النظري، فالطالب يتخرج وهو يمتلك معلومات نظرية، لكنه يحتاج إلى أن يبدأ من جديد تقريباً عندما يدخل سوق العمل حتى يكتسب الخبرة المطلوبة.
وهنا تظهر المفارقة التي يعيشها كثير من الخريجين، فالوظيفة تطلب خبرة، لكن الحصول على الخبرة يحتاج إلى وظيفة وهذا يطرح سؤال: كيف يحصل على فرصة عمل إذا كانت الفرصة نفسها تشترط وجود خبرة سابقة؟
هذه المشكلة لا ترتبط باختصاص واحد فقط، بل تمتد إلى عدد كبير من الفروع العلمية والإنسانية، لكن بدرجات مختلفة. فالجامعة تعطي الطالب المعرفة، لكن سوق العمل يريد شخصاً قادراً على التطبيق واتخاذ القرار والتعامل مع المشكلات الحقيقية.
بين الفروع العملية والنظرية تظهر الفجوة
من بين الاختصاصات الجامعية، يبدو الطب من أكثر المجالات التي استطاعت الحفاظ على علاقة واضحة بين الدراسة والممارسة، لأن الطالب لا ينتظر حتى التخرج ليشاهد الواقع المهني.
ويؤكد الدكتور عمر أسعد أن طلاب الطب يحصلون خلال سنوات دراستهم على تدريب عملي داخل المشافي، وهو أمر مهم جداً لأنه يجعل الطالب قريباً من طبيعة المهنة قبل أن يحمل لقب الطبيب، وبالرغم من ذبك يحتاجون لدورات تدريبية في بعض الأمور الحديثة بعد التخرج.
بينما تظهر المشكلة بوضوح أكثر بالنسبة للفروع النظرية، حيث يكون الفرق بين الدراسة وواقع العمل أكبر. وهنا فمثلاً طلاب الحقوق يحتاجون بعد تخرجهم إلى سنتين من التدريب في مكتب محاماة لتطبيق القوانين التي تعلموها.
ويرى كثير من الطلاب أن المشكلة ليست في المناهج نفسها، فهي تحتوي على كمية كبيرة من المعلومات، لكن المشكلة في غياب الجانب التطبيقي الذي يساعد الطالب على تحويل هذه المعلومات إلى مهارات حقيقية.
هل المشكلة في الجامعات أم في طريقة بناء التعليم؟
يرى الدكتور منير محمد، الأستاذ في كلية العلوم، أن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود إلى طبيعة النظام الجامعي نفسه، وخاصة ارتفاع أعداد الطلاب مقارنة بالإمكانات المتاحة. فسوريا تستقبل أكثر من 200 ألف طالب سنوياً في منظومة التعليم العالي، وهو رقم كبير يجعل من الصعب تأمين تدريب عملي كافٍ لكل طالب.
ويشير إلى أن سياسة القبول الجامعي خلال السنوات الماضية كانت تقوم على مبدأ الدعم الاجتماعي، أي إتاحة التعليم الجامعي لأكبر عدد ممكن من الحاصلين على الشهادة الثانوية، ضمن سياسة مجانية التعليم التي اعتمدتها الدولة السورية رغم تكاليفها الكبيرة.
لكن الظروف تغيرت، وأصبح من الضروري إعادة النظر في طريقة القبول الجامعي بحسب رأيه، بحيث لا يكون الهدف فقط زيادة عدد المقاعد، بل معرفة نوعية الاختصاصات التي يحتاجها سوق العمل، إذ أن المطلوب وجود خريج يمتلك مهارات يحتاجها سوق العمل.
الجامعات الخاصة… مساحة أكبر للتطبيق لكنها ليست الحل الكامل
يرى الدكتور فراس بجاري أن الجامعات السورية الخاصة تمتلك فرصة أكبر نسبياً للاهتمام بالجانب العملي، بسبب انخفاض أعداد الطلاب مقارنة بالجامعات الحكومية. فالتجهيزات وأعداد الطلاب الذي لا يتجاوز في بعض الأقسام خمسين طالب، تسمح بتطبيق التدريب والتأهيل.
وفي نفس الوقت يؤكد بجاري أن ذلك لا يكفي لأن الطالب يجب أن يحصل على فرصة للعمل والتدريب داخل المؤسسات والشركات المرتبطة بمجاله قبل التخرج. وهذا ما تقوم به كثير من الجامعات العالمية، حيث يصبح التدريب جزءاً من الخطة الدراسية، وليس نشاطاً إضافياً اختيارياً.
تعديل المناهج… لأن المشكلة ليست في الشهادة بل في طريقة إعداد الخريج
إذا كانت الفجوة بين الجامعة وسوق العمل أصبحت واضحة، فإن السؤال الأهم يصبح: كيف يمكن تقليص هذه المسافة؟
يرى الخبير الأكاديمي الدكتور أحمد واصل أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفير المخابر أو زيادة عدد التجهيزات داخل الجامعات، بالرغم من أهمية ذلك، بل تحتاج إلى مراجعة شاملة لطريقة بناء التعليم الجامعي نفسه. فبحسب رأيه، المطلوب هو الانتقال من التعليم الذي يعتمد بشكل كبير على الجانب النظري إلى تعليم يمنح الطالب فرصة حقيقية لتجربة ما تعلمه قبل التخرج.
ويطرح واصل فكرة أن يصبح التدريب الميداني جزءاً أساسياً من المنهاج الجامعي، بحيث يتم تخصيص السنوات الأخيرة للعمل داخل المؤسسات والشركات والجهات المرتبطة باختصاصه، ويكون هذا التدريب جزءاً من التقييم والتحصيل العلمي، وليس مجرد نشاط جانبي.
كما يشير الدكتور واصل إلى ضرورة مراجعة نظام الامتحانات الجامعية، لأن معظم الاختبارات الحالية تعتمد على قياس قدرة الطالب على حفظ المعلومات واسترجاعها، وليس على مدى فهمه وقدرته على استخدامها. فالطالب المتميز يجب أن يكون قادراً على التحليل وحل المشكلات، وليس فقط بقدرته على حفظ أكبر كمية من المعلومات.
الشهادة الجامعية لم تعد ضماناً للعمل… وسوق الوظائف تغيّر
في الماضي، كانت الشهادة الجامعية تمثل طريقاً شبه مضمون للحصول على وظيفة مستقرة، لكن هذا الواقع تغير كثيراً خلال السنوات الأخيرة. حيث يشير الخبير الاقتصادي الدكتور شفيق عربش إلى أن التعامل مع الشهادة الجامعية بمعزل عن الاختصاص لم يعد صحيحاً، لأن فرص العمل تختلف بشكل كبير بين مجال وآخر. فالطالب قد يقضي سنوات من عمره يدرس فرعاً غير مطلوب بشكل كبير في سوق العمل.
أما الخبير الاقتصادي وائل الحسن فيقول إن المشكلة مرتبطة بتراجع القدرة الإنتاجية للاقتصاد السوري، وانخفاض عدد فرص العمل مقارنة بأعداد الخريجين سنوياً، عدا عن أن القطاع العام لم يعد قادراً على استيعاب الأعداد الكبيرة كما كان في السابق.
وبحسب تقديرات المكتب المركزي للإحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ما تزال البطالة تشكل تحدياً واضحاً، خصوصاً بين الشباب وحملة الشهادات الجامعية. فالعديد من الخريجين يجدون أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما قبول أعمال لا تتناسب مع اختصاصاتهم، أو انتظار فرصة قد تتأخر سنوات.
ثلاثة عوامل تفسر أزمة التعليم والعمل
ضمن دراسة أعدها تيار المستقبل السوري حول العلاقة بين التعليم وسوق العمل، يشير التيار إلى أن الأزمة الحالية ليست نتيجة سبب واحد، بل نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية.
العامل الأول هو فجوة المهارات النوعية وليس الكمية فقط. فوفق دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية عام 2025، يشير أصحاب العمل في سوريا إلى وجود ضعف في المهارات العملية والرقمية لدى الخريجين، حتى في بعض الاختصاصات التي تبدو مطلوبة نظرياً.
وهذا يعني أن تقليل أعداد المقبولين في الجامعات وحده لن يكون كافياً، لأن المشكلة ليست في العدد فقط، بل في طبيعة التعليم الذي يحصل عليه الطالب.
أما العامل الثاني فهو تراجع القطاع الخاص المنظم. فمع تضرر جزء كبير من البنية الإنتاجية للمصانع والشركات الكبرى، أصبح القطاع غير المنظم أكثر حضوراً، مثل التجارة الصغيرة والخدمات اليومية وأعمال البناء. لكن هذا النوع من العمل لا يبحث غالباً عن شهادات جامعية، بل يحتاج إلى الخبرة العملية والمرونة والقدرة على التكيف.
أما العامل الثالث فهو عودة أعداد من اللاجئين السوريين إلى البلاد. فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد منذ أواخر عام 2024 نحو 1.1 مليون لاجئ سوري وفق تقرير شباط 2026، بينهم ما يقدر بـ400 ألف شخص في سن العمل، ونسبة كبيرة منهم من حملة الشهادات الجامعية. وهذا يعني مزيداً من الضغط على سوق عمل يعاني أصلاً من محدودية الفرص.
تجارب عربية ومحاولات للخروج من الأزمة
عند البحث عن حلول، لا توجد تجربة واحدة يمكن نقلها كما هي إلى سوريا، لكن بعض الدول قدمت نماذج يمكن الاستفادة من أجزاء منها. فمثلاً في تونس، أدى ارتفاع بطالة الخريجين التي وصلت إلى نحو 24% عام 2025 إلى ضغط اجتماعي دفع إلى تخصيص 2% من الموازنة لبرامج إدماج الخريجين. غير أن التجربة أظهرت أن معالجة المشكلة تحتاج إلى إصلاح اقتصادي وتعليمي طويل الأمد، وليس فقط برامج مؤقتة.
أما المغرب فقد ركز على تطوير التدريب المهني، وأطلق عام 2025 برنامجاً لاستيعاب 100 ألف شاب سنوياً في التدريب المهني بتمويل بلغ 14 مليار درهم، أي ما يقارب 1.4 مليار دولار. وقد ساهم ذلك في انخفاض بطالة الشباب من 28% إلى 22% خلال عامين، لكن التجربة أكدت أيضاً أن نجاح التدريب يحتاج إلى شراكة حقيقية مع القطاع الخاص.
وفي الإمارات، تم اعتماد إطار وطني لمواءمة مخرجات التعليم العالي مع سوق العمل عام 2024، يقوم على تحديث المناهج الجامعية بشكل دوري بناءً على احتياجات الاقتصاد. غير أن المقارنة مع الإمارات تبقى مرتبطة بظروف اقتصادية مختلفة، فنجاح أي تجربة يحتاج إلى توفر الموارد والاستثمارات.
خطوات مطلوبة
في سوريا بدأت تظهر محاولات باتجاه تعزيز العلاقة بين الجامعات وسوق العمل. ومنها بحث رئيس جامعة دمشق الدكتور مصطفى صائم الدهر مع لجنة سيدات أعمال غرفة تجارة دمشق آليات التعاون المشترك، وتوفير فرص تدريب عملي للخريجين المتفوقين في شركات ومعامل القطاع الخاص.
كما وقعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي اتفاقية تعاون مع المجلس السوري الأوروبي الاقتصادي لمدة ثلاث سنوات بهدف تطوير البيئة التعليمية وربط مخرجات التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل.
لكن هذه الخطوات تبقى جزئية وناقصة. لذلك اقتراح تيار المستقبل السوري خطة تقوم على عدة محاور أولها إنشاء وحدة لتحليل سوق العمل خلال ستة أشهر، تكون مهمتها إصدار تقارير نصف سنوية تحدد الاختصاصات المطلوبة والمشبعة، للمساعدة في توجيه القبول الجامعي.
أما المحور الثاني يقوم على إطلاق برنامج “سوريا تتدرب” بهدف تدريب 30 ألف خريج في السنة الأولى، بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، مع التركيز على المهارات الرقمية والتقنية مثل البرمجة وتحليل البيانات والكهرباء والميكانيك.
بينما تعتمد المرحلة الثالثة على تحويل خمس جامعات حكومية خلال خمس سنوات إلى جامعات تكنولوجية تطبيقية، بحيث تصبح نسبة التعليم العملي نحو 60% مقابل 40% للنظري في الاختصاصات الهندسية والإدارية.
كما أشارت إلى ضرورة تقديم دعم للشركات الخاصة التي توظف الخريجين في اختصاصاتهم، عبر إعانة تغطي 50% من الراتب لمدة عام. وإنشاء صندوق لريادة الأعمال يقدم قروضاً ميسرة تتراوح بين 5 آلاف و20 ألف دولار للمشاريع التي توظف ثلاثة خريجين على الأقل.
باختصار، معالجة الفجوة بين المناهج الدراسية وسوق العمل لا تعتمد على حل جزئية من المشكلة بينما تترك الباقي، بل هي مشروع متكامل يجب حل جوانبه المتعثرة. وإلا فسنجد المزيد من البطالة، والمزيد من الشهادات المعلقة على حيطان بيوت أصحابها.
اقرأ أيضاً: إيراسموس إلى دمشق؟ التعليم العالي كرافعة اقتصادية لا كملف ثقافي فقط!









