التعرفة الكهربائية الجديدة اختبار لصبر المواطن أم خطة مدروسة؟

بقلم: ديانا الصالح
أثارت زيادة التعرفة الكهربائية وفقاً للدورة الجديدة موجة غضب شعبية واسعة، لما حملته من صدمة ارتفاع غير مسبوقة بأسعارها، كونها لا تتناسب مع دخل المواطنين ولا حتى مع ساعات التغذية المتوفرة، ما يطرح عدة تساؤلات حول آلية الاحتساب المتبعة والشفافية، وهل هذه الخطوة إدارة منصفة لأزمة الكهرباء؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي ..
زيادة التعرفة الكهربائية بنظر المختصين
تأتي زيادة التعرفة الكهربائية التي أقرتها الحكومة السورية مؤخراً في إطار عدة أهداف مُعلنة تدور حول إصلاح القطاع الكهربائي عبر تشجيع الاستثمار وتحسين مستوى الخدمة إلى جانب تغطية الخسائر السنوية، والعمل على تطوير البنية التحتية.
وفي هذا السياق، يؤكد وزير الطاقة السوري محمد البشير عبر منشور له في X أن الزيادة الجديدة هي أولى خطوات الإصلاح لدعم كفاءة القطاع الكهربائي وتحقيق الاستدامة، مشيراً إلى توجه الحكومة نحو تطبيق عدة إجراءات مستقبلية مثل تركيب عدادات كهربائية ذكية، والعمل على تقليص حجم الأضرار التجارية والفنية، مع تحسين قدرات التوليد.
بدوره، ينتقل وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار إلى الحديث عن فعالية الخطوات الحكومية المدروسة، التي تستهدف تمكين الأسر من التكيف مع الأسعار الجديدة من خلال زيادة الرواتب والتعاون مع القطاع الخاص للمساعدة في هذه المهمة، مؤكداً أن زيادة التعرفة الكهربائية هي تصحيح عميق للسياسات القديمة، وبناء قوة طاقوية مستدامة.
في المقابل، تتصاعد وتيرة الانتقادات من قبل العديد من المحللين السياسيين منذ الإعلان والتمهيد الأولي لارتفاع الفواتير الكهربائية، حيث أعربوا عن قلقهم من تبعات قرارات وصفوها بالمتسرعة وغير الصائبة، وأنها لا توازن بين عدالة الفوترة وتعويض خسائر الدولة.
كما أشار الخبير الاقتصادي محمد العلوش عبر تصريح إعلامي أن ارتفاع الفواتير يختبر صمود القطاعات الإنتاجية، فهذه الخطوة ستؤدي حتماً إلى زيادة تكاليف إنتاج المعامل والمصانع ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار المنتج النهائي في السوق، ويضع المواطن أمام موجة غلاء جديدة تفوق قدرته الشرائية.
من جانبه، يؤكد سكرتير جمعية حماية المستهلك في دمشق وريفها عبد الرزاق خوبزا، إصدار القرار دون دراسة وافية لكيفية تأثيره الى السوق، مشيراً إلى أن زيادة أسعار الكهرباء ستدفع التجار إلى تحميل المواطنين كافة الأعباء والتكاليف.
فيما يشير محللون إلى أن زيادة الأجور لن تعوض الفجوة التي يخلفها التضخم الجامح، ولن تمكن المواطن من مواجهة تكاليف المعيشة المتزايدة، مؤكدين أن الإصلاح الحقيقي ينبع من الاستثمار بالإنسان أولاً ثم الجماد، وذلك من خلال الوقوف عند حدود العدالة الاجتماعية واحتياجات الأسر ذات الدخل الضعيف ومساندتها ببرامج دعم حقيقية.
وفي هذا الصدد، يؤكد خبراءاقتصاديون ضرورة إعادة هيكلة الفواتير بما يضمن معايير الشفافية والعدالة، فضلاً عن بناء جسر الثقة مع المواطن من خلال دعم الفئات الأكثر احتياجاً ونشر بيانات دقيقة لأداء القطاع بشكل دوري، والعمل على تشجيع مشاريع القطاع الخاص في مجال الطاقة المتجددة.
لغة الأرقام الرسمية ولقمة العيش
تشير التقارير الرسمية إلى احتياج سوريا إلى 7000 ميجاواط من الكهرباء تقريباً، إلا أن الإنتاج المحلي لا يتجاوز 2200 ميجاواط، نظراً للافتقار إلى الكميات المناسبة من الوقود والغاز، فيما يبلغ إنتاج الغاز يومياً حوالي 6 مليون متر مكعب وهذه الكمية قليلة جداً مقارنة بالمقدار المطلوب للتشغيل الكامل، وهذا ما يعكس حجم الفجوة بين الإنتاج والحاجة.
وما بين لغة الأرقام الرسمية ولقمة العيش، تتسع الفجوة لتلتهم أملاً لطالما رافق السوريين بغد جديد بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار، وهذا ما يرويه مواطن من ريف دمشق (فضل عدم ذكر اسمه) لسوريا اليوم 24 قائلاً: “صدمة فاتورتي لم أستطع تخطيها ولن أدفعها فمن أين لي أن أدفع مليون ليرة سورية مقابل خدمة شحيحة وشبه معدومة؟”.
ويضيف متسائلاً حول مهنية وشفافية المعايير التي أفضت إلى مثل هذه المبالغ الطائلة: “أي عدالة اجتماعية هذه التي تمر فوق آلامنا المعيشية دون تحسين يذكر؟ وهل تُدار الأزمات من جيوبنا؟”، مؤكداً: “إن المسؤولين عن هذه القرارات لا يعيشون واقعنا، فلا يمكن لمن يعايش ضغوط السوريين أن يباغتهم بقرارات تنفصل تماماً عن واقعهم المعيشي”.
وعند سؤاله عن إمكانية الاعتراض على زيادة التعرفة الكهربائية أجاب قائلاً: “لم أفكر بخطوتي التالية، فالاعتراض تعب قلب واستنزاف وقت لا أكثر، وإجراءاته الطويلة غالباً ما تبوء بالفشل، لذلك لست متفائلاً بجدوى هذه الخطوة المألوفة لنا”.
من المفاجأة الكهربائية إلى السخط الشعبي، تبرز قضية لا تقل أهمية: هل يمكن اعتبار الاعتراض حلّ جدي لمثل هذه المشكلات؟ لا سيما وأن ناشطين حذروا من تزاحم أعداد المعترضين والإجراءات المطولة للطلبات وما تستنزفه من طاقة المواطن النفسية والاجتماعية.
وتظلّ مسألة زيادة الفواتير الكهربائية اختبار حقيقي على الجهات المسؤولة تخطيه من خلال التوضيح والشفافية والسعي نحو تحقيق التوازن بين مصلحة المواطن وتغكية الخسائر، وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى تراهن الجهات المسؤولة على صبر المواطن وصمود لقمة عيشه المتردية؟
اقرأ أيضاً: فاتورة بدون عداد.. كيف تحولت الكهرباء إلى عبء على الأسر السورية؟









