التعددية الحزبية في سوريا.. بين الذاكرة المشوهة ومحاولات التجمع والتأثير

منذ أواخر فترة الخمسينات، وبعد تجربة الوحدة عام 1958، دخلت التعددية الحزبية في سوريا مسار معتم ومعقد. اتسم هذا المسار بالتشويه وتعرض للطمس الممنهج. تحولت الحياة السياسية في سوريا إلى ذاكرة مشوهة ومتخبطة، فاختزلت الحزبية في أطر شكلية فارغة، وزُجت في صراعات سلطوية مغلقة مقيتة.
ثمّ مع صعود عائلة الأسد واستيلائها على الحكم في البلاد، صَهرت التعددية وطوقتها وأخضعتها لعملية قمع ممنهجة، اتسمت بمصادرة حرية الأحزاب وتطويق نشاطها، ومحاصرتها داخل جبهة صُورية تخضع بالكامل لسيطرة حزب البعث الحاكم آنذاك.. وتشكل وجهه الآخر.
فانتقلت التعددية في سوريا من الملامح المشوهة إلى الملامح المقولبة المحكومة والمقموعة، فتحولت لمجرد “إكسسوار” سياسي لا يعبر عن واقع المجتمع ويلغي تنوعه السياسي. بعد عقود من تأرجح الأحزاب بين التشويه والقولبة، سقطت السلطة المركزية المتمثلة بالحزب الحاكم لتتجلى هشاشة الذاكرة الحزبية في سوريا، ويتمخض عن هذا التجلي فرص حقيقية لبناء مجتمع سياسي يتشكل واقع البلاد على أساسه، وتبنى تبعاً له فضاءات سياسية تعددية متنوعة فاعلة.. لا جامدة خشبية تُحرك عند الضرورة. لكن ما زال الواقع السياسي السوري نازف حتى بعد التحرير.. فالفوضى أبقت البلاد بلا إطار سياسي جامع يعكس تطلعات الشعب الحقيقية.
في هذا المقال سنعرض قراءة سريعة للحياة الحزبية في سوريا مروراً بفترة استيلاء عائلة الأسد على الحكم، لنناقش بعضها ظهور الأحزاب بعد عام 2011 وما خاضته داخلياً وخارجياً ونناقش حجم تمثيلها الدولي، وصولاً لفترة ما بعد السقوط والمناخ السياسي المخيّم على البلاد.
نَفق التعددية الحزبية في سوريا منذ 1908 حتى 1958
لم تعرف سوريا الحياة السياسية والعمل الحزبي إلاّ منذ مطلع القرن العشرين مع الدستور العثماني عام 1908، فتشكلت الجمعيات السياسية والثقافية تبعاً له وحملت معها بذور الوعي القومي الاستقلالي. لتنبت البذور لاحقاً تحت الانتداب الفرنسي وتتبلور لتشكل أحزاب منظمة له أيديولوجيات وطنية مثل: الكتلة الوطنية، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحزب الشيوعي، والبعث في بداياته.
بعد الاستقلال عام 1946، خاضت البلاد غمار التعددية الحزبية وكانت نشطة في تلك الفترة، تجلّت هذه التعددية من خلال البرلمان والحكومات المتعاقبة التي ضمت تحت جناحها أطيافاً متنوعة من السوريين الوطنيين وكان من ضمنهم: البعثيين، الشيوعيين، وحزب الشعب. ولم يغب التيار الإسلامي عن المشهد السياسي.. فغدت سوريا أحد أكثر الساحات السياسية حيوية في الشرق الأوسط رغم تتالي الانقلابات العسكرية التي جعلت المناخ السياسي متقلباً بعض الشيء.
لكن هذه الحيوية السياسية سرعان ما انتهت مع قيام الوحدة السورية – المصرية عام 1958، حيث اعتبر جمال عبد الناصر الأحزاب خطراً على مشروع الوحدة، فسارع لإصدار قرار بحلها جميعها وحصر النشاط السياسي ضمن الاتحاد القومي، وأرسى نهج شمولي ألغى التعددية وأخضع الحياة السياسية للمركزية المتغطرسة.
أغلق عبد الناصر ساحة التنوع الحزبي في سوريا مانحاً البلاد مرحلة جديدة عنوانها “الإقصاء السياسي”، وسد أي أفق ديمقراطي فيها.
اقرأ أيضاً: دوافع واعتبارات حل «الإخوان المسلمين» في سوريا: انتهت الحقبة أم بدأ التحوّل؟!
صَهر التعددية وإطباق الكماشة عليها في عهد الأسدين
أُعجب حافظ الأسد بالفكر الناصري. فبحجب عبد الناصر للتنوع السياسي في البلاد مهد الطريق للبعث لإحكام الخناق على الحياة السياسية في سوريا وطمسها بشكل شبه كلي. منذ استيلاء الأسد الأب على الحكم عام 1970، ولأن التنوع عدو الديكتاتورية، أخضع التعددية الحزبية في سوريا للسيطرة التامة وبشكل صارم. فأنشئت “الجبهة الوطنية التقدمية”، وقُدّمت على شكل إطار حزبي متنوع لجانب حزب البعث الحاكم. فكانت مجرد واجهة شكلية، والحلّ والربط كان بيد البعث وحده.. فباتت الحياة السياسية في البلاد أحادية القرار مُقنعة بطابع التعددية الوهمي، وسط قمع ممنهج شامل لأي تنظيم حزبي خارج الجبهة الصُورية.
مع وصول بشار للحكم عام 2000، لم يتغير المشهد السياسي وبقي كل شيء على حاله، ليرث الأسد الابن القمع السياسي عن أبيه، وظل البعث واجهة لحكم فعلي بعيد عن السياسة والأحزاب.. ليُخمد ما أطلق عليه “ربيع دمشق” الذي سُوّق على شكل وعود بالإصلاح والانفتاح، وبقيت التعددية الحزبية عنوان شكلي وحلقة مفرغة بلا مضمون طوال فترة حكم الأسدين.
اقرأ أيضاً: دمشق والبُعد الحضاري: حكاية المدينة التي احتضنت الغرباء وصهرتهم!
الحياة السياسية بعد الحراك الشعبي 2011
مع بدء الحراك الشعبي في سوريا عام 2011، شهدت البلاد عودة للتعددية الحزبية، لكن في واقع محدود ومجزأ بين الداخل والخارج. في الداخل السوري، برزت عدّة أحزاب، مثالها حزب الإرادة الشعبية بقيادة “قدري جميل” كمعارضة مرخّصة تعمل ضمن سقف قانون الأحزاب الذي أصدره النظام. ركّز الحزب على الدعوة إلى حل سياسي تفاوضي ورفض أي محاولة للتدخل الخارجي، وأسهم في تأسيس “الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير”. شاركت الجبهة الشعبية في وقت لاحق في البرلمان وحصل بعض قادتها على مناصب وزارية، لكن تأثير الحزب الشعبي بقي ضعيفاً، واعتبره الكثير حسب زعمهم بمثابة معارضة “مدجنة” أكثر من كونه صوتاً مستقلاً يعكس الحراك الشعبي.
أما في الخارج، نشطت أحزاب المعارضة السورية ضمن إطار تمثيل سياسي أوسع شمل النطاق الدولي. أبرزها المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة. شارك كل منهما في مؤتمرات جنيف (2012–2014) مطالبين بالانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم انتقالية وفق بيان جنيف الأول.
في وقت لاحق، وضمن مسار أستانة (2017)، شاركت الدول التي ترعى المعارضة “المسلحة” في مفاوضات مع رعاة النظام حول مناطق خفض التصعيد تحديداً في الشمال السوري. وظل البعد العسكري والسيطرة الميدانية هو البعد المسيطر على نتائج هذا المسار.
شهد مؤتمر سوتشي (2018) مشاركة جزئية من المعارضة إلى جانب وفد النظام لإطلاق لجنة دستورية جديدة، غير أن الخلافات الداخلية بين الكيانات المعارضة حدّت من فاعلية تمثيلها. فكان واقع تجربة التعددية الحزبية السورية بعد 2011 واقعاً مزدوجاً: داخلياً، أحزاب معارضة حاولت تقديم نموذج معارض محدود التأثير داخل إطار النظام مثل الإرادة الشعبية، والتي شاركت في المفاوضات الكبرى، مثل جنيف وغيرها.
أما خارجياً، المعارضة المدعومة من جهات دولية نالت تمثيل سياسي ومشاركة في مفاوضات كبرى، رغم مواجهتها لصعوبات بالغة في تحويل التمثيل الدولي إلى قوة ملموسة داخل سوريا، فظهرت التعددية بعد الحراك الشعبي على شكل تجلي لانقسام الجغرافيا والنفوذ الدولي أكثر من كونها تجسيداً حراً لإرادة السوريين.
هناك أيضاً أحزاب تمكنت من خرق المواقف التقليدية والشعارات الكلاسيكية، أمثال حركة التجديد الوطني بقيادة عبيدة النحاس، والتي تمكنت من عقد اتفاقات وشراكات مع جهات وطنية داخلية وخارجية، متنوعة من الناحية الإيديولوجية والقومية، بهدف الضغط على النظام وداعميه للذهاب إلى حل سياسي، وعدم السماح له باللعب على وتر الانقسامات في صفوف المعارضة، وكذلك الضغط على أحزاب المعارضة جميعها، والتي كان أسهل لها أن تراقب تفتت سوريا وتعنت النظام دون التحرك بشكل تجاه توحيد وتوافق المعارضة بكامل أطيافها.
اقرأ أيضاً: واقع بناء الدولة السورية: نماذج أخرى للاستفادة منها في تشكيل دولة موحدة
سوريا السياسية بعد ليلة السقوط حتى الآن
بعد 8 كانون الأول 2024، شهدت الحياة السياسية في سوريا انفراج نسبي بعض الشيء وتجلّت فرصة لإعادة تشكيل التعددية الحزبية من جديد في البلاد بناء على قاعدة جماهيرية حقيقية لا مرغمة. فالمساحة السياسية للنقاش باتت أكبر وتأسست أحزاب وجمعيات سياسية جديدة حاولت ملء الفراغ السياسي الذي خلفه النظام السابق.
لكن هذا الانفتاح السياسي ليس منظماً بعد، فقد قامت السلطة الجديدة بحل أحزاب الجبهة الوطنية، ولم تصدر قانون أحزاب جديد. لا يزال الناس يتجمعون، وحتى وقت كتابة هذه الكلمات لم تتخذ السلطات الجديدة أي إجراءات أو خطوات لإعاقة مثل هذه التجمعات، ونقصد هنا بخطوات علنية على الأقل.
رغم الضبابية في المشهد السياسي، هناك نشاط حزبي متنوع متوزع حسب المناطق: في مناطق سيطرة الحكومة، تعمل أحزاب قديمة وتنشأ أحزاب جديدة ضمن أطر محدودة، دون أن يظهر بعد مدى تأثيرها ومدى اتساع قاعدتها. أما في المناطق الخارجة عن السيطرة الحكومية، هناك قوى سياسية محلية متمثلة بالأحزاب الكردية مثل PYD والمجلس الوطني الكردي، ولها ثقلها على الأرض فهي تدير مؤسسات الحكم المحلي وتنسق سياسياً وعسكرياً مع التحالفات الدولية.
في الخارج تستمر بعض الأحزاب السورية بعملها، مثل: المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، بالرغم من ضعف تأثيرها المباشر داخل البلاد.
بالمحصلة المناخ السياسي السوري في الوقت الحالي مناخ تشوبه الفوضى ويسيطر عليه السلاح. ظهور الأحزاب السياسية حالياً يحتاج لإرادة شعبية جامعة وداعمة لأي حراك حزبي. ففوضى السلاح تشكل عامل ضغط على الواقع السياسي في البلاد، إذ تحتاج الحياة السياسية في سوريا لإعادة ترتيب أولويات في ظل فلتان السلاح وانقسام مناطق السيطرة على الأرض.
كل ذلك ينعكس على وجود قاعدة شعبية مستقرة تمارس الأحزاب من خلالها نشاطها السياسي التعددي سواء داخل مناطق سيطرة السلطة المركزية أو خارجها. لتكتفي الأحزاب في الوقت الحالي بالدور الإعدادي بانتظار المراحل المقبلة، والمشاركة المحدودة في الحوارات المحلية وتنظيم الجماهير، بينما تسيطر مجموعات غير متجانسة، مسلحة، على القرار المحلي والأرض.. لتتقلّص قدرة الأحزاب السياسية على التأثير المباشر في الحراك الشعبي أو حتى المشاركة في صياغة السياسات العامة.









