سياسة

التعاون السوري–الصيني في النقل: استثمارات للبنية التحتية أم بوابة نفوذ اقتصادي جديد؟

الكاتب: أحمد علي

اجتمع وزير النقل السوري يعرب بدر بالسفير الصيني في دمشق شي هونغوي Shi Hongwei في 21 تموز 2026، وخرج اللقاء بدعوة الشركات الصينية إلى التقدم لمشروعين على شبكة الطرق السورية. يتعلق الأول بتأهيل الطريق الدولي من الحدود الأردنية إلى الحدود التركية وتحويله إلى طريق سريع، مع تجديد طبقات الرصف وتنفيذ متطلبات السلامة والإنارة في المناطق المأهولة. أما الثاني فوصِف بأنه إنشاء فرع جديد على طريق دمشق–دير الزور، من دون أن يحدد الخبر الرسمي طوله أو مساره أو كلفته.

حددت وزارة النقل طبيعة التمويل بوضوح. المشروعان ممولان من الحكومة السورية وطُرحا ضمن استدراج عروض دولية، ولم يُعلن اسم شركة صينية متعاقدة أو قيمة استثمار قادمة من بكين. تركز الجانب الصيني في المباحثات على إمكان مشاركة الشركات، والاستفادة من المنح وبرامج التدريب الصينية، ونقل الخبرة في الطرق والسكك الحديدية والتحول التقني. تعني الوقائع المتاحة أن الشركات الصينية مرشحة للمنافسة، ولا تثبت حتى الآن تدفق استثمار صيني إلى قطاع النقل.

انتقلت المباحثات في هذا اللقاء من عرض قائمة واسعة من الأفكار إلى الحديث عن مشروعين محددين وممولين، فيما عادت الصين إلى مناقشة موقع سوريا ضمن مبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative. بقيت الأسئلة التي تحدد الوزن الاقتصادي للخطوة بلا جواب، وفي مقدمتها قيمة المناقصتين، ومدة التنفيذ، وشروط التأهيل، وحصة المقاولين المحليين، وطبيعة الصيانة بعد التسليم.

التعاون السوري–الصيني في النقل حتى الآن

بدأت الجولة الحالية قبل لقاء تموز بأشهر. عقدت الوزارة في 14 تشرين الأول 2025 اجتماعاً مرئياً مع المؤسسة الصينية للإنشاءات الهندسية المدنية China Civil Engineering Construction Corporation المعروفة اختصاراً بـ CCECC، ومع الشركة الصينية لبناء السكك الحديدية China Railway Construction Corporation المعروفة بـ CRCC. عرض الجانب السوري حينها الطريق السريع شمال–جنوب، وربط السكك السورية بدول الجوار، وخط نقل الفوسفات من مناجم مهين إلى مرفأ طرطوس، إلى جانب مترو دمشق ومنصات رقمية لخدمات الشحن والتذاكر.

ناقش ذلك الاجتماع أيضاً رفع سرعة القطارات إلى 250 كيلومتراً في الساعة، لكنه ربط التنفيذ بالدراسات الاقتصادية والتمويل المتاح. لم يتبعه إعلان عقد في أي من المشاريع المعروضة. لقاء 21 تموز 2026 أكثر تحديداً في ملف الطرق، إلا أنه ما زال عند مرحلة دعوة الشركات إلى المناقصة. قد تدخل شركة صينية هنا مقاولاً يحصل على أجر من الموازنة السورية، بينما يعني الاستثمار المباشر أن تضع الشركة أو جهة تمويل صينية رأس مالها وتتحمل جزءاً من المخاطر مقابل عائد محدد.

تعود الخلفية الرسمية للعلاقة إلى 12 كانون الثاني 2022، عندما وقعت حكومتا البلدين مذكرة تعاون ضمن مبادرة الحزام والطريق. وُقعت المذكرة في عهد الحكومة السابقة، ولم يتبعها في المصادر الرسمية المتاحة إعلان عن حزمة من مشاريع النقل الكبرى قبل التغيير السياسي في دمشق. اقتراح الوزير بدر مراجعة دور سوريا في المبادرة خلال اللقاء الأخير يدل على أن الإطار القديم يحتاج إلى إعادة تعريف وفق أولويات الحكومة الحالية وخريطة الممرات الإقليمية الجديدة.

بدأت بكين ودمشق إعادة ترتيب العلاقة السياسية بصورة أوضح في 17 تشرين الثاني 2025، خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الصين ولقائه نظيره وانغ يي Wang Yi. قالت الخارجية الصينية إن التبادلات ستُستأنف تدريجياً، وإن بكين مستعدة للنظر بصورة نشطة في المشاركة بإعادة الإعمار. تضمن الموقف نفسه تأكيداً على شواغل الصين الأمنية وتعهد دمشق بعدم السماح باستخدام الأراضي السورية للإضرار بالمصالح الصينية. لم يتضمن البيان المشترك تمويلاً محدداً للنقل أو قائمة مشروعات ملزمة.

الطريق جزء من ممر أوسع

اقترح الوزير السوري مراجعة موقع بلاده في الحزام والطريق على ضوء الاضطراب في مضيق هرمز وأثره في سلاسل الإمداد. المعنى العملي لهذا الطرح يظهر في الطريق الممتد من الأردن إلى تركيا. نجاحه قد يفتح ممراً برياً يصل الخليج بالأناضول والأسواق الأوروبية، ويمنح سوريا إيرادات عبور ويخفف زمن بعض الشحنات عندما تتعطل المسارات البحرية.

وجود الطريق بين الأردن وتركيا لا يولد حركة ترانزيت تلقائياً. يحتاج الممر إلى طريق صالح على امتداده، وتنسيق جمركي بين الدول، وتأمين مستمر للحدود، ورسوم عبور قابلة للمنافسة. وقعت سوريا والأردن وتركيا في 7 نيسان 2026 اتفاقات ومذكرات تعاون تشمل النقل البري والسككي والجوي والبحري، وحددت مدة أولية للتنفيذ والمتابعة تبلغ ثلاث سنوات. وبذلك تدخل المحادثات الصينية في مشروع ربط إقليمي تعمل عليه دمشق مع شركاء آخرين، وليست مساراً صينياً منفرداً.

تعطي السكك مثالاً على حجم العمل المطلوب وعلى فائدته المباشرة. قالت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية في نيسان 2026 إنها تنفذ الصيانة على 1052 كيلومتراً من الخطوط المستثمرة، بينما تحتاج محاور الربط مع تركيا والعراق وخطوط حلب ودير الزور إلى إعادة تأهيل. ونقلت القطارات خلال الربع الأول من العام 232,443 طناً من الفيول و25,626 طناً من الحبوب. هذه الحركة قائمة بإمكانات محدودة، وتوضح لماذا يمكن لإصلاح الشبكة أن يخفض ضغط الشاحنات على الطرق ويعيد وصل المرافئ بمراكز الإنتاج والاستهلاك.

تضم خريطة النقل السورية جهات خارجية أخرى دخلت بعقود تشغيل واستثمار طويلة. حصلت موانئ دبي العالمية DP World على امتياز مدته 30 عاماً لتطوير وتشغيل مرفأ طرطوس، مع برنامج استثمار معلن قيمته 800 مليون دولار. وجددت مجموعة سي إم إيه سي جي إم CMA CGM امتياز محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية للمدة نفسها، وبدأت مرحلة بقيمة 30 مليون يورو وأعلنت خطة إضافية بقيمة 200 مليون يورو. بقي الحضور الصيني في اجتماع الطرق ضمن حدود المناقصة المحتملة والتعاون الفني.

التمويل والملكية يحددان الأثر

قدّر البنك الدولي World Bank في تشرين الأول 2025 كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق واسع يبدأ من 140 ملياراً ويصل إلى 345 ملياراً. بلغت الأضرار المباشرة في البنية التحتية 52 مليار دولار، وقدرت كلفة إعادة بنائها بنحو 82 ملياراً. لم يفصل التقرير حصة النقل من هذه التقديرات، وأشار إلى درجة مرتفعة من عدم اليقين، لكنه يوضح حجم العبء الذي تواجهه الموازنة السورية وهي تمول مشروعين كبيرين من مواردها.

ومشاركة شركات صينية في المناقصات قد توسع المنافسة وتمنح الوزارة خيارات فنية وأسعاراً إضافية. حيث تستفيد الشركات الفائزة بدخول سوق إعادة إعمار كبير والعمل على ممر يصل شرق المتوسط بالأسواق الإقليمية. أما المنفعة السورية فتتوقف على تكلفة العقد وجودة التنفيذ وقدرة الجهات المحلية على تشغيل المنشأة وصيانتها، وعلى مقدار ما ينتقل إلى العمال والمهندسين السوريين من معرفة وعقود فرعية.

عقد إنشاء ممول من الخزانة السورية يمنح الشركة المنفذة ربحاً وحضوراً في السوق، لكنه لا يمنحها تلقائياً سلطة تشغيل الطريق أو التحكم بإيراداته. يتسع أثر الطرف الخارجي إذا دخل ممولاً بضمانات سيادية، أو حصل على امتياز طويل، أو ربط التشغيل بمنظومات رقمية ومعدات تعتمد في صيانتها على المورد نفسه. لا يشير البيان الصادر بعد لقاء بدر وشي هونغوي إلى أي من هذه الترتيبات، ولهذا لا توجد قاعدة واقعية لوصف المشروعين حالياً بأنهما نفوذ صيني جديد.

يحتاج التقييم اللاحق إلى نشر نتائج المناقصات ومصادر الدفع وشروط التشغيل والصيانة. ويجب أن توضح العقود إن كانت الشركات الأجنبية ملزمة باستخدام موردين محليين وتدريب الكوادر، وكيف ستعالج زيادة الكلفة أو التأخير، ومن سيتحمل المخاطر إذا جاءت حركة الترانزيت أقل من التوقعات. هذه المعلومات ستحدد المستفيد من الطريق بعد إنجازه، وستبين إن كان التعاون يرفع قدرة الدولة السورية على إدارة قطاعها أم يخلق تبعية فنية ومالية جديدة.

الوقائع المتاحة حتى 22 تموز 2026 تسمح بوصف التعاون السوري–الصيني في النقل بأنه مسار تفاوضي دخل مرحلة أكثر تحديداً، من دون استثمار صيني معلن في مشروعي الطرق. تستطيع دمشق الاستفادة من خبرة الشركات الصينية ومن منافستها لجهات أخرى، ويمكن لبكين أن توسع حضورها إذا فازت بعقود لاحقة. تحديد طبيعة ذلك الحضور يتطلب الاطلاع على التمويل والملكية وحقوق التشغيل والضمانات، ثم قياس الكلفة والتنفيذ على الأرض.

اقرأ أيضاً: التقارب الاقتصادي السوري–الصيني: هل يفتح “صالون الأعمال” طريقاً جديداً للتجارة والاستثمار؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى