سياسة

التعاون الأمني السوري ـ الألماني: قديم متجدد أم قصة جديدة؟

الكاتب: أحمد علي

ليس غريباً أن تجلس وزارة الداخلية السورية مع وفد أمني ألماني، الغريب أو اللافت على الأقل، أن هذا الجلوس بات يتكرر في لحظة سورية حساسة، وفي لحظة ألمانية لا تقل حساسية. الخبر الأخير حول الأمر بدا صغيراً في صيغته، فقد جرى اجتماع في دمشق مع وفد ألماني، ودار كلام عن التنسيق الأمني، وتطوير العلاقات المهنية.. لكن السؤال الحقيقي لا يقف عند الاجتماع، لماذا ألمانيا تحديداً؟ ولماذا الآن؟ وهل نحن أمام ملف قديم عاد إلى الواجهة، أم أمام باب جديد في علاقة دمشق بأوروبا؟

في 14 حزيران 2026، التقى مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الداخلية السورية، العقيد عبد الرحيم جبارة، وفداً ألمانياً برئاسة تورستن كنافلا، ضابط الارتباط التابع للمكتب الاتحادي للشرطة القضائية في ألمانيا. حضر الاجتماع ممثلون عن قيادة الأمن الداخلي في ريف دمشق، ورئيس فرع الشرطة الجنائية العربية والدولية، وممثلون عن إدارة المباحث الجنائية ومكافحة المخدرات. هذه التفاصيل ليست شكلية. وجود هذه الأسماء يضع الاجتماع في خانة التعاون الشرطي العملي، لا في خانة المجاملة الدبلوماسية وحدها.

البيان الرسمي لم يقل كل شيء. وهذا طبيعي. ملفات الأمن لا تُكتب كاملة في الأخبار. لكنه قال ما يكفي لفتح القراءة. الحديث دار حول تعزيز التعاون والتنسيق الأمني في قضايا ذات اهتمام مشترك، والارتقاء بمستوى العلاقات المهنية. هنا تبدأ المسألة. ليست ألمانيا دولة أوروبية عادية في الملف السوري. لديها جالية سورية واسعة، ونقاش داخلي ساخن حول العودة واللجوء، وموقع قوي داخل الاتحاد الأوروبي، وأجهزة أمنية تتابع ملفات الجريمة المنظمة والتطرف والوثائق والهجرة. لذلك تبدو العلاقة الأمنية مع دمشق قديمة ومتجددة في آن واحد.

التعاون الأمني السوري الألماني ليس خبراً منفصلاً

الكلمة المفتاحية في هذا التقرير هي التعاون الأمني السوري الألماني، لأنها تختصر ما يجري بين مستوى رسمي ظاهر ومستوى عملي أعمق. الاجتماع الأخير ليس أول اتصال من نوعه. في شباط 2026، بحث نائب وزير الداخلية السوري عبد القادر طحان مع وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت، على هامش مؤتمر ميونيخ، التطورات في سوريا وانعكاساتها الأمنية والإنسانية، وشدد الطرفان، وفق وكالة سانا، على أهمية التنسيق وتبادل المعلومات دعماً للاستقرار الإقليمي والدولي.

قبل ذلك، كانت ألمانيا قد أعادت فتح سفارتها في دمشق في آذار 2025، في عودة دبلوماسية حذرة بعد سنوات طويلة من القطيعة. وفي نيسان 2026، قالت الخارجية الألمانية إن العلاقات بين البلدين بدأت تستعيد عرضها السياسي والثقافي والمدني، وإن ألمانيا استقبلت أكثر من مليون سوري خلال سنوات الحرب، وقدمت في 2025 نحو 120 مليون يورو مساعدات إنسانية داخل سوريا، بينها 7 ملايين يورو لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة. هذا ليس رقماً إنسانياً فقط. هو أيضاً مدخل نفوذ، وقناة معرفة، وشبكة مصالح.

لذلك لا يصح التعامل مع اجتماع وزارة الداخلية كخبر منفصل. هو حلقة في سلسلة بدأت تتضح بعد التغير السياسي في دمشق نهاية 2024. ألمانيا لم تعد تكتفي بإدارة الملف السوري من الخارج عبر المساعدات والمنظمات واللاجئين. بدأت تفتح قنوات مباشرة مع مؤسسات الدولة السورية الجديدة. وهذا التحول لا يعني ثقة كاملة. يعني اختباراً.

الفرق مهم. برلين لا تمنح شيكاً مفتوحاً. هي تريد التعاون، لكنها تراقب الأمن الداخلي، ووضع الأقليات، وسلوك المؤسسات الجديدة، ومصير الشبكات المرتبطة بالنظام السابق، ومسار عودة السوريين. ودمشق، في المقابل، تريد اعترافاً عملياً بقدرتها على إدارة الدولة والأمن والمعابر والوثائق. كل طرف يدخل الاجتماع ومعه حسابات مختلفة. لكن الطاولة واحدة.

لماذا ألمانيا تحديداً؟

السؤال مشروع. لماذا الألمان، لا الإيطاليون مثلاً؟ الجواب لا يبدأ من تفوق دولة على أخرى، ولا من عاطفة سياسية. يبدأ من حجم الملف. ألمانيا هي البلد الأوروبي الأكثر التصاقاً بالسوريين منذ 2015. استقبلت مئات الآلاف، وتحول السوريون فيها من ملف لجوء طارئ إلى كتلة اجتماعية واقتصادية وسياسية حاضرة. تقارير رويترز تحدثت في آذار 2026 عن وجود ما بين 700 و800 ألف طالب لجوء سوري في ألمانيا، بينما تحدثت تغطيات أخرى عن أكثر من 900 ألف سوري مسجلين في البلاد. وفي كلتا الحالتين، الرقم كبير بما يكفي كي يجعل دمشق ملفاً داخلياً ألمانياً، لا خارجياً فقط.

هذا هو الفارق مع إيطاليا. روما معنية بالمتوسط والهجرة والحدود البحرية، نعم. لكنها لا تحمل الوزن السوري نفسه داخل مجتمعها وسوق عملها ونقاشها الانتخابي. ألمانيا تحمل ملفاً أثقل. لديها عائلات سورية، عمال، أطباء، طلاب، مجنسون، ومقيمون مؤقتون. الغارديان نقلت، في آذار 2026، أن 244 ألف سوري حصلوا على الجنسية الألمانية بين 2016 و2024، وأن 5745 طبيباً سورياً يعملون في المستشفيات الألمانية، إضافة إلى نحو ألفي عامل رعاية. هذا يعني أن أي كلام عن العودة لا يمس الحدود فقط، بل يمس المستشفى والجامعة والبلدية والضريبة وسوق العمل.

ولهذا يتقدم الملف الأمني. ألمانيا تريد معرفة من يعود، ومن لا يستطيع العودة، ومن يشكل خطراً، ومن يحمل وثائق صحيحة، ومن يحتاج إلى ترتيبات قنصلية أو أمنية. وفي آذار 2026، قال المستشار الألماني فريدريش ميرز إن برلين ودمشق تعملان على برنامج مشترك لإعادة الإعمار والعودة، وتحدث عن أولوية إعادة من لا يملكون حق إقامة صالحاً، وخصوصاً أصحاب السوابق الجنائية. هذه ليست جملة عابرة في السياسة الألمانية. إنها عنوان داخلي حاد، يرتبط بصعود اليمين، وبضغط البلديات، وبنقاش طويل حول الهجرة.

دمشق أيضاً لها مصلحة. كل تعاون أمني مع ألمانيا يعني اعترافاً ضمنياً بأن وزارة الداخلية السورية الجديدة طرف يمكن الحديث معه. ليس هذا اعترافاً سياسياً كاملاً بكل شيء، لكنه اعتراف وظيفي. الدولة التي تضبط وثائقها، وتنسق مع الإنتربول، وتعمل مع مكاتب الشرطة الجنائية الأوروبية، تحصل على جزء من شرعية العمل اليومي. والشرعية اليومية أحياناً أقوى من البيان السياسي.

قديم متجدد أم قصة جديدة؟

هو قديم لأن الأمن والهجرة واللجوء والتطرف والجريمة المنظمة كانت حاضرة بين سوريا وأوروبا منذ سنوات. ألمانيا تابعت الملف السوري من زاوية داعش، ومن زاوية اللاجئين، ومن زاوية المحاكمات المتعلقة بجرائم الحرب، ومن زاوية المساعدات والاستقرار في مناطق كانت خارج سيطرة دمشق. وهو جديد لأن الطرف المقابل تغيّر، واللغة تغيّرت، وشكل الاتصال تغيّر. لم يعد الحديث فقط مع منظمات دولية أو وسطاء أو سلطات أمر واقع. صار مع وزارة الداخلية السورية مباشرة.

هنا تكمن النقطة الحساسة. الاتحاد الأوروبي أزال في أيار 2026 وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين من قائمته السوداء ضمن خطوة أوسع لتقوية الانخراط مع سوريا بعد سقوط النظام السابق. في الوقت نفسه، مدد العقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالنظام السابق حتى حزيران 2027. الرسالة مزدوجة. انفتاح على مؤسسات الدولة الجديدة، وحذر من شبكات قديمة قادرة على تعطيل الانتقال أو المصالحة.

هذا هو معنى القديم المتجدد. أوروبا، وألمانيا في القلب منها، لا تستطيع إدارة العودة ولا مكافحة التهريب ولا التحقق من الوثائق ولا تبادل المعلومات دون طرف سوري رسمي. لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل الذاكرة الثقيلة للأجهزة الأمنية السورية السابقة. لذلك يأتي التعاون على دفعات صغيرة. اجتماع، مذكرة في إدارة الكوارث، لقاء في ميونيخ، وفد من الشرطة الجنائية، ثم متابعة. لا قفزة واحدة.

المسألة الداخلية السورية تضغط أيضاً. وزارة الداخلية الجديدة تتحرك في بلد لم تكتمل فيه بعد عملية توحيد السلاح والمؤسسات. في شباط 2026، نقلت أسوشيتد برس أن قوى تابعة لوزارة الداخلية دخلت الحسكة والقامشلي ضمن تفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية، لتأمين مؤسسات مثل السجل المدني ومكاتب الجوازات والمطار، مع حديث عن دمج تدريجي للشرطة المحلية في وزارة الداخلية. هذا مثال واحد على حجم المهمة. الوزارة لا تبني علاقات خارجية فقط. هي تحاول تثبيت حضورها داخل بلد متعدد القوى والجغرافيا.

لهذا يحتاج التعاون الأمني السوري الألماني إلى قراءة مزدوجة. من جهة، هو قناة ضرورية لدولة تريد استعادة وظائفها، ومن جهة ثانية، هو ملف حساس لأن الأمن ليس قطاعاً فنياً بريئاً في الذاكرة السورية. إذا تحول التعاون إلى تدريب مهني، ضبط وثائق، مكافحة مخدرات، ملاحقة جريمة منظمة، وتبادل معلومات ضمن القانون، فسيكون خطوة في بناء الدولة. وإذا تمدد بلا شفافية أو رقابة أو حدود قانونية واضحة، فقد يفتح أسئلة لا تقل حساسية عن الأسئلة القديمة.

الاختبار ليس في الاجتماع

الخبر الرسمي لا يسمح بالجزم بوجود اتفاق واسع. لا توجد تفاصيل معلنة عن تبادل مطلوبين، أو قواعد بيانات، أو برامج تدريب محددة، أو آليات إعادة. لذلك يجب ألا يُحمّل الاجتماع أكثر مما قاله. لكنه أيضاً لا يجوز أن يُقرأ كصورة بروتوكولية. حضور ضابط ارتباط من المكتب الاتحادي للشرطة القضائية الألمانية، ومعه ممثلون عن ملفات الإنتربول والمباحث والمخدرات في الجانب السوري، يعني أن الحديث انتقل إلى مستوى مهني عملي.

المشكلة أن العملي هو الأخطر والأهم. السياسة يمكن أن تبقى خطاباً عاماً. الأمن يدخل في التفاصيل. وثيقة سفر، اسم، بصمة، ملف جنائي، عبور حدود، عودة لاجئ، حالة اشتباه، شبكة تهريب. هذه التفاصيل تصنع الثقة أو تكسرها. وتصنع أيضاً حقوق الناس أو تهددها. لذلك فإن أي تعاون أمني جاد يحتاج إلى قواعد معلنة، وسقف قانوني، ورقابة قضائية، وضمانات تمنع تحويل الملف الأمني إلى باب جديد للضغط على السوريين في الخارج أو الداخل.

بالنسبة إلى ألمانيا، الاختبار هو ألا تختزل سوريا في ملف العودة. فهناك سوريون اندمجوا، وحصلوا على الجنسية، ويعملون في قطاعات حساسة. وهناك من لا يستطيع العودة لأسباب أمنية أو عائلية أو اقتصادية. وبالنسبة إلى دمشق، الاختبار هو ألا ترى التعاون الأمني بوصفه جائزة سياسية، بل بوصفه مسؤولية. الدولة التي تريد اعترافاً خارجياً عليها أن تقدم سلوكاً داخلياً جديداً. القانون أولاً. والناس لا تُدار كملفات.

الخلاصة أن ما يجري بين وزارة الداخلية السورية والألمان ليس قصة جديدة بالكامل، وليس مجرد استمرار قديم. هو انتقال ملف قديم إلى شروط جديدة. قبل سنوات كان السؤال الأوروبي كيف نتعامل مع أزمة سورية مفتوحة؟ اليوم صار السؤال كيف نتعامل مع دولة سورية تحاول إعادة بناء مؤسساتها، ومع جالية سورية ضخمة داخل أوروبا، ومع عودة ممكنة لكنها معقدة؟

لذلك يأتي الألمان تحديداً. لأن ملفهم أكبر، وحاجتهم إلى التفاهم أوضح، وضغطهم الداخلي أشد، وأدواتهم الأمنية والإدارية أكثر اتصالاً بالمسألة السورية. أما الجواب الحقيقي فلن يظهر في خبر اجتماع. سيظهر في ما بعده. في الوثائق، في العائدين، في طريقة التعامل مع المطلوبين، في حماية الحقوق، وفي قدرة الدولة السورية على أن تجعل الأمن وظيفة قانونية، لا ذاكرة خوف. هنا يبدأ الاختبار. وليس قبله.

اقرأ أيضاً: بين العودة واللاعودة: جدل الزيارات المؤقتة للاجئين السوريين في ألمانيا

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى