أعمال واستثمار

بالأرقام التفصيلية: ما الذي يكشفه تقرير البنك الدولي الجديد حول سوريا؟

الكاتب: أحمد علي

شاهد السوريون في كانون الأول 2024 تحولاً سياسياً مفصلياً في تاريخ البلاد، ما بثّ آمالاً بطيّ صفحة صراعٍ دام أربعة عشر عاماً وأوصل نصف السكان إلى التهجير، وأغرق الاقتصاد في الانهيار والفقر الواسع. فما حال سوريا الآن ما بعد مرور قرابة عام على سقوط الأسد؟ في هذا الإطار، يقدّم تقرير البنك الدولي الجديد حول سوريا صورة مركّزة لما حدث وما يتحرك الآن: واقع متقلّب، مؤشرات تتحسن وأخرى تتدهور، وأفقٌ مشروطٌ بعوامل أمنية ومؤسسية. ما يلي تلخيصٌ أمين لما يورده التقرير دون إضافات خارجية.

التعافي الاقتصادي في سوريا: ما تقوله الوقائع الأساسية

يشير التقرير إلى أن الحكومة السورية تواجه مهمة استعادة الثقة بعد حربٍ خلّفت أكثر من 409 ألف وفاة، وهي، بحسب برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، الصراع الأكثر فتكاً في هذا القرن. بين عامي 2010 و2022 انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 53%، ما دفع البنك الدولي إلى تصنيف سوريا بلداً منخفض الدخل منذ عام 2018، فيما توحي بيانات الأضواء الليلية – بوصفها مؤشراً بديلاً للنشاط الاقتصادي – بانكماشٍ أشدّ.

على المستوى السكاني، يوضح التقرير أنه حتى كانون الأول 2024 كان نحو 5.5 ملايين لاجئ يقيمون في دول الجوار، و1.2 مليون في أوروبا، بينما تخطّى عدد النازحين داخلياً 7 ملايين، وعاش قرابة نصف السكان في دائرة الفقر.

يُبرز التقرير تبدّل بنية الاقتصاد تحت وطأة الصراع والعقوبات؛ فقد تضرّرت السياحة والطاقة والتصنيع بقوة، وبرزت تجارة وإنتاج الكبتاغون باعتبارها “القطاع الأكثر قيمة” داخل الاقتصاد.

وعلى صعيد الطاقة، يذكّر بأن سوريا – التي كانت يوماً من كبار مصدّري النفط شرق المتوسط – أصبحت تعتمد على الاستيراد بعدما هبط الإنتاج وسيطرت جهات غير حكومية على الحقول، بالتوازي مع اشتداد الاعتماد على استيراد الغذاء وانهيار قيمة العملة وما رافقه من اضطرابٍ سعري.

مشهد السيطرة والموارد بعد التغيير السياسي

يوثّق التقرير أن عملية عسكرية واسعة في كانون الأول 2024، أفضت إلى وضع 78% من السكان ونحو 60% من النشاط الاقتصادي تحت إدارة الحكومة الانتقالية حسب تعبيره. لكن السيطرة على النفط بقيت محدودة؛ إذ لا تتجاوز حصة الحكومة 9% من الإنتاج، فيما تظلّ الكتلة الكبرى تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

كما يسجل التقرير تبدلاً في أنماط العنف بعد سقوط السلطة، مع اشتباكات بين ما يصفه بقوات الحكومة الانتقالية ومجموعات مسلّحة، وتوترات طائفية في اللاذقية وطرطوس غرباً والسويداء، إضافةً إلى غارات «إسرائيلية» جديدة، بينها ضربات في دمشق خلال تموز 2025.

الأسعار والعملة والسيولة: مؤشرات تتحرك بسرعة

يرصد التقرير أنه بعد تراجعٍ قصير، تقدّمت الليرة السورية بنحو 29% بين أواخر تشرين الثاني 2024 آب 2025. ويُعزو هذه الحركة إلى زيادة الطلب من العائدين والمغتربين وإلى تخفيف جزئي للعقوبات والقيود على النقد الأجنبي.

في المقابل، تستمر أزمة السيولة: حدود أسبوعية للسحب، تعليق المدفوعات الإلكترونية، وتأخّر رواتب القطاع العام – كل ذلك يقيّد توافر النقد. وفي مسار الأسعار، تفيد المعطيات بأن أسعار الغذاء – بعد قفزةٍ أولية – استقرّت ثم بدأت منذ كانون الثاني 2025 تتراجع سنوياً، ساعدها تحسّن سعر الصرف وإزالة الحواجز العسكرية بين المحافظات وتدفّق واردات أرخص، خصوصاً من تركيا.

النمو، الفقر، والميزان الخارجي: أرقام العام الجاري والتوقعات

يؤكد التقرير أن التعافي الاقتصادي في سوريا يظل رهناً بقدرٍ استثنائي من عدم اليقين. ومع ذلك، تُقدَّر نسبة نمو الناتج الحقيقي في 2025 بنحو 1.0% بعد انكماشٍ مقداره 1.5% في 2024، وهو أول تحسّن – ولو طفيف – منذ 2022، مدفوعاً بتخفيف بعض العقوبات، وزيادة إمدادات الكهرباء، ومساهمة العائدين، وتنامي الانخراط الدولي.

ورغم ذلك، يُقدَّر أن دخل الفرد الحقيقي سيتراجع في 2025، وأن الفقر المدقع سيرتفع مع تجاوز نمو السكان للتحسّن المحدود في الدخل. وتُظهر جداول التقرير أن التضخم (الرقم القياسي لأسعار المستهلك) بلغ 63.7% في 2022، ثم 127.8% في 2023، و58.1% في 2024، مع توقع انخفاض سنوي مقداره -12.7% في 2025.

وعلى صعيد الحساب الجاري كنسبة من الناتج، يسجل -12.2% في 2022 و-14.0% في 2023، قبل أن يتحول إلى فائض طفيف 0.4% في 2024 و0.1% في 2025.

ويورد التقرير أن الاستثمار الأجنبي المباشر الصافي يساوي صفراً في 2022–2024، مع -0.9% في 2025. أما العجز المالي فيقدَّر عند -6.8% في 2022، -5.4% في 2023 و2024، ثم -6.0% في 2025، مع إيرادات تعادل 6.2% من الناتج في 2022 وترتفع إلى 7.7% في 2023 و2024 قبل أن تبلغ 7.0% في 2025، بينما ينخفض الدين العام من 37.2% من الناتج في 2022 إلى 14.9% في 2025.

السكان، الفقر، والمؤشرات الاجتماعية

يعرض التقرير مجموعة مؤشرات مختصرة للعامين الأحدث: يقدَّر عدد السكان في 2024 بنحو 24.7 مليون نسمة، مع 3.7 ملايين يعيشون تحت خط 3.00 دولارات يومياً (تعادل قوى الشرائية 2021).

ويبلغ متوسط العمر المتوقع 72.1 سنة (2023)، ونسبة الالتحاق الإجمالي بالمرحلة الابتدائية 79.6% (2023). ويُدرج الناتج المحلي الإجمالي الجاري لعام 2024 عند 21.4 مليار دولار، ونصيب الفرد منه 869 دولاراً.

وفي مسوحات الفقر المحسوبة على منهجية تعادل القوة الشرائية 2021، تظهر المعدلات الدولية عند 3.00 دولارات بـ18.8% في 2023 ثم 21.0% في 2024 و22.5% في 2025، بينما تبلغ على خط 4.20 دولارات 42.8% ثم 46.3% ثم 48.1%، وعلى خط 8.30 دولارات 89.2% ثم 90.4% ثم 91.0% للسنوات نفسها.

العائدون وآثارهم المتوقعة

يوضح التقرير أن حركات العودة تسارعت بعد تغيير السلطة: نحو 780 ألف لاجئ – ما يقارب 12% من 6.3 ملايين خارج البلاد – عادوا حتى منتصف آب 2025، إضافةً إلى 1.7 مليون من النازحين داخلياً. ويسجّل أن هذه العودة، رغم ما تستلزمه من دعم قصير الأجل، قد تسهم في المدى المتوسط في زيادة الطلب الكلي وعرض العمل.

وفي جانب المخاطر والفرص، يرد أن تأمين إمدادات النفط تحدٍّ رئيسي، وأن تعطل الواردات من إيران قد يرفع أسعار الوقود والتضخم، بينما قد يسهم التنفيذ الكامل لتخفيف العقوبات في تحسين إمدادات الطاقة وتدفق المساعدات وتسريع الحركة الإنسانية وفتح مسارات تجارة عبر الحدود.

اقرأ أيضاً: هل حقّقت سوريا الفائدة المرجوّة من الغاز الأذربيجاني؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى