التضخم السوري: خمسة عشر عاماً تحت المجهر!

الكاتب: أحمد علي
سجّلت دراسة رسمية جديدة عن التضخم في سوريا تحولاً يصعب المرور عليه سريعاً. فبعد أن بلغ التضخم السنوي وفق متوسط الرقم القياسي نحو 108% في 2024، تحولت القراءة إلى انكماش سعري بنحو 27% في 2025، فيما هبط المؤشر بين الربع الأول والرابع من العام نفسه بنسبة 39.78%. الدراسة لا تعتبر ذلك عودة إلى أسعار طبيعية، بل تصحيحاً قوياً في النصف الأول أعقبه ارتفاع جزئي في نهاية السنة. هذه النتيجة وحدها تفتح ملفاً أوسع من حركة الأسعار في عام واحد، لأنها تأتي في نهاية سلسلة رسمية تمتد خمسة عشر عاماً، وتعيد تركيب مراحل التضخم من بدايات 2011 حتى اقتصاد ما بعد سقوط السلطة السابقة.
أصدرت هيئة التخطيط والإحصاء السورية الدراسة عام 2026 تحت عنوان «دراسة واقع التضخم في سوريا خلال الفترة 2010–2025». اعتمدت الرقم القياسي لأسعار المستهلك وربطت تحركاته بسعر الصرف والإنتاج وسلاسل التوريد والطاقة والنقل والأجور والدعم والصدمات الخارجية. أهميتها أنها تجمع سلسلة طويلة من البيانات الرسمية في وثيقة واحدة وتفكك مساهمة المجموعات الاستهلاكية، لكن أهم حدودها موجود أيضاً داخلها. فالأوزان التي تقيس بها أسعار 2025 مأخوذة من مسح دخل ونفقات الأسرة لعامي 2008 و2009، والدراسة نفسها تقر في نتائجها بأن هذه السلة لم تعد ممثلة للنمط الاستهلاكي والإنفاق الأسري بعد التحولات التي مرت بها البلاد.
لهذا يحتاج التعامل مع الوثيقة إلى مستويين في الوقت نفسه. يمكن قراءة مسار الأسعار الذي جمعته والاستفادة من اتجاهاته ومراحله، ويمكن أيضاً مساءلة دقة تمثيله لما دفعته الأسر فعلياً في سنوات الحرب والانقسام والانهيار المعيشي. الخلط بين المستويين يقود إما إلى رفض بيانات مفيدة بالكامل، أو إلى منح رقم رسمي دقة اجتماعية أكبر مما تسمح به منهجيته.
التضخم السوري ومنهج القياس
تبني الدراسة مؤشرها على صيغة «لاسبير Laspeyres»، التي تثبت كميات أو أوزان سلة فترة الأساس ثم تقيس تغير أسعارها عبر الزمن. اختير عام 2010 سنة أساس، واستندت الأوزان إلى مسح دخل ونفقات الأسرة في 2008–2009. وتشمل السلة نحو 1400 مادة استهلاكية تفصيلية جُمعت في قرابة 570 مادة أساسية وفق تصنيف الاستهلاك الفردي حسب الغرض «COICOP». هذا البناء يسمح بإنتاج سلسلة قابلة للمقارنة زمنياً ما دامت قواعد الرصد والربط بين الفترات ثابتة.
تأخذ الأغذية والمشروبات غير الكحولية 39.9% من وزن السلة، ويأتي السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بوزن 25.54%. ويحصل النقل على 7.06%، والملابس والأحذية على 5.59%، والاتصالات على 4.24%، والصحة على 3.82%. لذلك تتحول أي صدمة في الغذاء أو السكن والطاقة إلى أثر كبير في المؤشر العام، بينما يكون أثر ارتفاع حاد في مجموعة منخفضة الوزن أقل نسبياً. وتستخدم الدراسة هذا الهيكل لتتبع انتقال زيادة أسعار الوقود إلى النقل ثم إلى الغذاء والخدمات.
الصيغة الحسابية نفسها ليست موضع اعتراض علمي لمجرد أنها قديمة. دليل مؤشر أسعار المستهلك الصادر عن صندوق النقد الدولي وعدد من المؤسسات الإحصائية الدولية يعرض مؤشر لاسبير ضمن صيغ القياس المعروفة، ويعد الأوزان القائمة على الإنفاق الأسري أساساً طبيعياً لبناء مؤشر الأسعار. المشكلة تقع في عمر الأوزان ومدى تمثيلها للحاضر. توصي المعايير الدولية بتحديث أوزان مؤشر الأسعار دورياً، وبفاصل لا يتجاوز خمس سنوات في الوضع الاعتيادي، وبوتيرة أسرع عندما يمر الاقتصاد بتحولات كبيرة تغير أنماط الإنفاق.
سوريا مرت خلال الفترة المدروسة بتحول يفوق الحالة الاعتيادية بكثير. النزوح غيّر شكل الإنفاق على السكن، وانهيار الدخول دفع الأسر إلى تقليص سلع واستبدال أخرى، وتغيرت مصادر الطاقة والنقل، وانقسمت الأسواق سنوات طويلة بين مناطق ذات أنظمة تسعير وعملات وقنوات توريد مختلفة. ولهذا يصبح وزن غذاء قدره 39.9% معلومة عن بنية إنفاق 2008–2009 أكثر مما هو قياس مباشر لحصة الغذاء من موازنة الأسرة السورية في 2024 أو 2025.
تصل الدراسة نفسها إلى هذه النتيجة في صفحاتها الأخيرة، إذ تقول إن سلة المستهلك المعتمدة على مسح 2008–2009 «غير ممثلة» للنمط الاستهلاكي والإنفاق الأسري في السنوات اللاحقة. كما تقر بأن تحليلها جرى على مستوى سوريا ككل، وتقترح أن اختلاف الإنفاق بين المحافظات يجعل الدراسة على مستوى المحافظات مفيدة. هذا الاعتراف لا يبطل السلسلة القديمة، لكنه يحدد استخدامها. فالمؤشر يصلح لتتبع أسعار سلة ثابتة عبر الزمن، ولا ينبغي تقديمه باعتباره صورة كاملة عن التضخم الذي اختبرته كل أسرة أو كل محافظة.
يظهر حد آخر في القسم المنهجي المنشور. تشرح الوثيقة الأوزان والصيغة الحسابية والتحليل الربعي، لكنها لا تقدم في النسخة المرفقة وصفاً تفصيلياً كافياً لعدد منافذ البيع التي جُمعت منها الأسعار، وتوزعها الجغرافي، وكيف تغيرت العينة خلال سنوات الحرب، وطريقة التعامل مع اختفاء السلع أو اختلاف الجودة أو تعدد السعر الرسمي والسعر المتاح فعلياً. هذه المعلومات لا تغير المعادلة الرياضية، لكنها ضرورية لتقييم استمرارية العينة، وخصوصاً عندما تمتد السلسلة عبر سنوات تغيرت فيها السيطرة على المناطق وطرق التجارة.
وجود مؤشر وطني واحد له فائدة في متابعة الاتجاه الكلي، لكنه يخفي فروقاً قد تكون واسعة بين المحافظات. السلعة التي تصل إلى دمشق عبر قناة توريد منتظمة قد تكون أكثر كلفة في محافظة بعيدة، والوقود المدعوم نظرياً قد لا يمثل التكلفة الفعلية إذا اضطر المستهلك إلى شراء جزء من حاجته بسعر آخر. لهذا لا يمكن استخدام متوسط وطني وحده للحكم على العبء الذي تتحمله فئات السكان المختلفة.
هناك خطوة رسمية يمكن أن تعالج أكبر هذه الثغرات، ووقعت هيئة التخطيط والإحصاء وبرنامج الأغذية العالمي في 9 آذار 2026 مذكرة لتنفيذ مسح جديد لدخل ونفقات واستهلاك الأسر، وهو الأول من نوعه منذ 2009. إذا نُفذ المسح ونُشرت منهجيته ونتائجه، سيكون من الممكن بناء أوزان أحدث وربط السلسلة الجديدة بالقديمة من دون فقدان القدرة على المقارنة الزمنية.
تقدم تجربة المركز السوري لبحوث السياسات مثالاً مختلفاً لا يصلح لاستخدامه حكماً نهائياً على المؤشر الرسمي، لكنه يوضح إمكان بناء قياس بأوزان أحدث وتغطية جغرافية معلنة. طور المركز مؤشراً بسنة أساس 2021، وعدل السلة القديمة استناداً إلى مسوح أجريت في 2020، فيما تغطي نشراته الشهرية لعام 2026 نحو 58 سوقاً و112 سلعة وخدمة في مختلف المحافظات.
اختلاف القاعدة والعينة والأوزان يعني أن مقارنة الأرقام بين المؤشرين يجب أن تتم بحذر، لكنه يبين أن المشكلة ليست في ضرورة الحفاظ على سنة أساس واحدة إلى ما لا نهاية، بل في كيفية تحديث الأوزان وربط السلاسل بشفافية.
سبع مراحل لصعود الأسعار
تقسم الدراسة المسار إلى سبع مراحل، وتبدأ من 2011 بوصفه آخر عام قريب نسبياً من التضخم الطبيعي وبداية التحول. ارتفع الرقم القياسي بين الربع الأول والرابع من 105.043 إلى 111.063 نقاط، أي 5.73%، بينما ارتفع سعر الصرف الربعي من نحو 46.9 إلى 51.4 ليرة للدولار، بنسبة 9.46%. كانت الأغذية والمشروبات غير الكحولية مسؤولة عن نحو 72% من الزيادة في المؤشر خلال العام. هذه البداية مهمة لأنها تظهر أن الغذاء كان قناة حساسة قبل أن تتحول الطاقة والنقل وسعر الصرف إلى محركات أوسع.
تغير الحجم سريعاً في 2012 و2013. قفز الرقم القياسي من 129.27 نقطة في الربع الأول من 2012 إلى 327.67 في الربع الرابع من 2013، بزيادة 153.49%، وارتفع سعر الصرف من 58.39 إلى 139.32 ليرة للدولار، بزيادة 138.61%. كان 2013 وحده أشد من العام السابق، إذ ارتفع المؤشر خلاله 71.39% مقابل 29.01% في 2012. تفسر الدراسة هذا الانتقال بصدمة مركبة شملت تراجع العملة وتعطل الإمداد وارتفاع النقل والضغط على المحروقات وإعادة التسعير تحت عدم اليقين.
تصف الدراسة 2014–2016 بمرحلة الانهيار الهيكلي. ارتفع المؤشر من 309.906 نقاط في بداية الفترة إلى 746.954 في نهايتها، بزيادة 141.03%، بينما ارتفع سعر الصرف من 143.56 إلى 497.07 ليرة للدولار، أي 246.24%. لا يظهر هذا الفرق أن سعر الصرف كان قليل الأثر، بل يوضح أن انتقال الصدمة لم يكن لحظياً أو بنسبة واحدة. خلال هذه المرحلة جاءت قرابة نصف مساهمة الزيادة من الغذاء، ثم السكن والطاقة والنقل، وتقول الدراسة إن نقص المحروقات وارتفاع تكاليف الانتقال والتخزين انتقلا إلى بقية الأسعار.
هدأت السرعة بين 2017 و2019 من دون عودة الأسعار إلى الوراء. ارتفع المؤشر من 788.913 إلى 988.217 نقطة، بنسبة 25.26%، بينما ارتفع سعر الصرف 51.89%. كانت 2017 و2018 أقرب إلى استقرار نسبي، ثم عاد التسارع في 2019 بالتزامن مع ضغوط سعر الصرف والأزمة المصرفية في لبنان. تحسب الدراسة معامل ارتباط يبلغ نحو 0.88 بين التغير الربعي في المؤشر والتغير الربعي في سعر الصرف خلال هذه المرحلة، وهو ارتباط مرتفع يدعم وجود علاقة وثيقة بين المتغيرين.
عاد التضخم إلى قفزات أكبر في 2020 و2021. ارتفع المؤشر من 1215.883 نقطة في الربع الأول من 2020 إلى 4987.714 في الربع الرابع من 2021، أي 310.21%، وارتفع سعر الصرف 226.87%. سجل متوسط المؤشر في 2021 زيادة سنوية تقارب 118.85%، بينما ارتفع متوسط سعر الصرف 73.6%. وتربط الدراسة هذه الموجة بأزمة لبنان وجائحة كورونا والعقوبات وارتفاع الشحن والطاقة إلى جانب تدهور الليرة.
تكشف هذه الفترة أيضاً أن العلاقة بين العملة والأسعار ليست آلية. بلغ معامل الارتباط الربعي نحو 0.79، لكن سعر الصرف انخفض في الربع الثاني من 2021 بنحو 7.85% بينما واصل المؤشر ارتفاعه بنحو 18.36%. تفسر الدراسة ذلك بقصور زمني وبقاء تكاليف الشحن والطاقة والنقل مرتفعة. هذه ملاحظة مهمة لأنها تمنع اختزال التضخم في الدولار وحده. استقرار العملة يساعد، لكنه لا يخفض فوراً كلفة الكهرباء والوقود والمواد الأولية أو هوامش المخاطر التي دخلت في أسعار السوق.
كانت الفترة 2022–2024 أكبر موجة في السلسلة من حيث التغير التراكمي. ارتفع المؤشر من 5576.8 نقطة في الربع الأول من 2022 إلى 40450.97 في الربع الرابع من 2024، بنسبة 625.33%، بينما ارتفع سعر الصرف من 3695 إلى 15262 ليرة للدولار، بنسبة 313.04%. ارتفع متوسط المؤشر في 2023 بنحو 129.94%، ثم 107.94% في 2024، في حين تباطأ نمو متوسط سعر الصرف في 2024 إلى نحو 39.95%. هذا التباعد يدعم تفسير الدراسة بأن التضخم أصبح أكثر رسوخاً في التكاليف وبنية السوق، ولم يعد مجرد انعكاس متزامن لحركة العملة.
الغذاء كان صاحب النصيب الأكبر من الزيادة بين 2022 و2024، بحصة تقدرها الدراسة بنحو 58.71% من التغير الكلي، وجاء النقل عند 23.59%، بينما ساهمت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنحو 6.55%. وداخل الغذاء تصدرت اللحوم، ثم البقول والخضار، فالخبز والحبوب والزيوت والدهون. هذه التركيبة تفسر لماذا كان التضخم معيشياً بصورة مباشرة، لأن أكبر الصدمات أصابت البنود التي يصعب على الأسرة حذفها من الإنفاق.
ثم جاء 2025 بصورة معاكسة جزئياً. يظهر الرسم السنوي في الدراسة أن متوسط الرقم القياسي انخفض بنحو 27% مقارنة بـ2024. وعند المقارنة بين الربع الأول والرابع يصل الهبوط إلى 39.78%، من 34132.273 إلى 20553.992 نقطة، بينما تراجع سعر الصرف الربعي خلال المقارنة نفسها 4.59% فقط. أكبر الهبوط حدث في الربع الثاني واستمر في الثالث، ثم عاد المؤشر إلى الارتفاع في الربع الرابع. ولهذا تصف الدراسة السنة بأنها «تصحيح سعري» لا استقراراً نهائياً.
تحتاج هذه النتيجة إلى قراءة دقيقة. انخفاض الرقم القياسي يعني، وفق السلة وطريقة الرصد المستخدمتين، أن المستوى العام لأسعارها تراجع، وهو أمر مختلف عن مجرد انخفاض معدل التضخم. كما أن هبوط الأسعار لا يعيد تلقائياً القوة الشرائية التي فُقدت في السنوات السابقة، لأن مستوى 2025 بقي بعد تراكمات هائلة منذ 2010. الأسر التي ارتفع دخلها بنسبة أقل من ارتفاع الأسعار التراكمي لا تستعيد ما خسرته بمجرد تسجيل سنة واحدة من الانكماش.
أضافت الدراسة «قراءة سريعة» لعام 2026، ولم تقدمها كسلسلة مكتملة مماثلة للأعوام السابقة. تقول هذه القراءة إن الحرب الإقليمية رفعت أسعار بعض المواد وسطياً بنحو 30% خلال فترة قصيرة بسبب اضطراب التوريد والشحن والتأمين، وإن سعر الصرف ارتفع من 11450 ليرة للدولار إلى 12400 خلال الربع الأول ثم إلى 13200، بزيادة تقارب 15%. هذه الأرقام تصلح بوصفها رصداً أولياً داخل الوثيقة، لكنها لا تكفي وحدها لتكوين معدل تضخم رسمي لعام 2026، لأن ذلك يتطلب استكمال الرصد وفق العينة والأوزان نفسها.
تؤكد البيانات المستقلة استمرار ضغوط الأسعار في 2026 من زاوية أخرى. سجل مؤشر المركز السوري لبحوث السياسات ارتفاعاً شهرياً قدره 2.6% في آذار، ثم 3.5% في نيسان مع تضخم سنوي 27.5%. لا يمكن وضع هذه الأرقام مباشرة مقابل قراءة الهيئة، لأن سنة الأساس والسلة والأسواق والمنهجية مختلفة، لكنها تدعم الحذر من اعتبار تراجع 2025 نقطة نهاية للموجة التضخمية.
ما الذي تثبته الدراسة؟
الخلاصة التي تكررها الدراسة عبر مراحلها هي أن التضخم السوري ظاهرة متعددة المصادر. تضع تدهور سعر الصرف في مقدمة العوامل الأكثر ثباتاً، ثم تربطه بتراجع الإنتاج وانقطاع طرق التوريد. وترى أن ارتفاع الطاقة والمحروقات نقل الزيادة إلى تكاليف النقل والتشغيل والتخزين، وأن التضخم المستورد والعقوبات والأزمات العالمية أضافت ضغطاً آخر. كما تضيف التوقعات التضخمية وسلوك التسعير، وتناقش أثر زيادات الأجور والدعم والسياسات النقدية عندما يرتفع الطلب من دون زيادة مقابلة في العرض.
هذا التشخيص العام متماسك اقتصادياً، لكن قوة الإثبات تختلف بين نقطة وأخرى. الارتباط المرتفع بين سعر الصرف والمؤشر، مثل 0.88 في 2017–2019 و0.79 في 2020–2021، يثبت أن المتغيرين تحركا معاً بدرجة كبيرة، ولا يحدد وحده مقدار السببية أو اتجاهها. لإثبات أن قراراً بعينه في الأجور أو الدعم تسبب بنسبة محددة من التضخم، تحتاج الدراسة إلى نموذج اقتصادي يفصل أثر القرار عن سعر الصرف والعرض والطاقة والصدمات الأخرى. الوثيقة تقدم تحليلاً زمنياً ومساهمات سعرية أكثر مما تقدم اختباراً اقتصادياً سببياً.
ينطبق التحفظ نفسه على استخدام وصف «الركود التضخمي». تشير الدراسة في ملخصها إلى تضخم بنيوي ذي طابع ركودي، وهو توصيف يمكن أن ينسجم مع اقتصاد يعاني ضعف الإنتاج وارتفاع الأسعار. لكن إثبات الركود التضخمي بالمعنى الاقتصادي الدقيق يحتاج إلى سلسلة متماسكة عن الناتج الحقيقي والتشغيل أو البطالة إلى جانب الأسعار. الدراسة مكرسة أساساً لمؤشر أسعار المستهلك وسعر الصرف ومكونات السلة، ولذلك يبقى الوصف أوسع من الأدلة الكمية التي تعرضها في متنها.
قدمت بعض المواقع والصحف المحلية نقداً يركز على قدم أوزان السلة، وغياب التفاصيل الكافية عن عينة منافذ البيع والتغطية الجغرافية، واستخدام متوسط وطني في سوق تعرضت للانقسام، وضخامة تراجع مؤشر 2025 مقارنة بتغير سعر الصرف. كما اعتبرت أن المؤشر لا يقيس بصورة كافية ما سمته «تضخم المعيشة» لدى الأسر الفقيرة، وطالبت بمسح جديد للإنفاق ومؤشرات أكثر ارتباطاً بتكلفة الحياة.
الجزء الأقوى علمياً في هذا النقد هو مسألة الأوزان. دليل صندوق النقد الدولي يوصي بأن تعكس الأوزان أنماط الإنفاق الحالية قدر الإمكان، وأن تُحدث على الأقل مرة كل خمس سنوات، وبوتيرة أكبر عندما يمر الاقتصاد بتغيرات سريعة. الأوزان السورية أقدم بكثير من هذا المدى، والدراسة نفسها تقول إنها غير ممثلة للإنفاق اللاحق. لذلك لا يحتاج هذا الاعتراض إلى افتراض موقف سياسي من الدراسة، فهو حد إحصائي واضح ينبغي معالجته.
لكن وصف طريقة لاسبير نفسها بأنها غير علمية لا تدعمه المعايير الإحصائية الدولية. الطريقة معروفة ومستخدمة في نظرية وممارسة مؤشرات الأسعار، والمشكلة ليست في سنة ابتكار الصيغة. المؤشر ذو الأوزان الثابتة يمكن أن يكون صالحاً للمقارنة إذا كانت الأوزان حديثة وتُربط السلاسل عند تحديثها. ما يضعف التمثيل هنا هو إبقاء أوزان 2008–2009 طوال تحول اقتصادي واجتماعي استثنائي، لا اسم المعادلة المستخدمة.
أما الانتقال من هذه الثغرات إلى القول إن الدراسة «تلطف» واقع التضخم، فهو حكم لا يمكن إثباته من الوثيقة المنشورة وحدها. وجود وزن قديم أو نقص في تفصيل العينة يمكن أن ينتج انحيازاً في القياس، لكن اتجاه الانحياز وحجمه يحتاجان إلى بيانات بديلة ومقارنة على مستوى السلع والأسواق والأوزان. وقد يؤدي الوزن القديم في بعض الفترات إلى خفض تقدير التضخم الذي تواجهه الأسر الفقيرة، وقد يؤدي في فترات أخرى إلى نتيجة مختلفة إذا تغيرت أنماط الاستهلاك والأسعار في اتجاه معاكس. إثبات التعمد يحتاج إلى دليل آخر غير موجود في الدراسة أو في النقد المنشور.
هبوط 2025 هو النقطة التي تستحق أكبر تدقيق إحصائي. تراجع مؤشر السلة نحو 39.8% بين الربع الأول والرابع، مقابل هبوط محدود نسبياً في سعر الصرف، ممكن من حيث المبدأ إذا تحسن توفر السلع وانخفضت تكاليف النقل وتراجعت هوامش المخاطر والمضاربة وتغيرت قنوات الاستيراد. لكن ضخامة الفارق تجعل من الضروري نشر بيانات تسمح بفحص استمرارية العينة. المطلوب معرفة ما إذا كانت السلع والمواصفات ومنافذ الرصد والتغطية الجغرافية بقيت قابلة للمقارنة بين الأرباع. من دون هذه التفاصيل لا يمكن تأكيد أن الهبوط يعكس تغيراً سعرياً صرفاً، كما لا يمكن الجزم بأنه ناتج عن تعديل منهجي غير معلن.
هناك ملاحظة أخرى تستند إلى فرق حقيقي بين مؤشر الأسعار ومستوى المعيشة. مؤشر أسعار المستهلك يقيس تغير أسعار سلة محددة، ولا يقيس وحده دخل الأسرة أو قدرتها على شراء السلة. تستطيع الأسعار أن تستقر بعد سنوات من الارتفاع بينما يبقى الأجر الحقيقي منخفضاً جداً. وتستطيع أسرة فقيرة أن تواجه تضخماً أعلى من المتوسط إذا كان إنفاقها مركزاً في الغذاء والطاقة. لذلك تحتاج قراءة القوة الشرائية إلى ربط الأسعار بالأجور والدخول وتوزيع الإنفاق، وهو ما لا تقدمه الدراسة كسلسلة متكاملة.
يظهر هنا سبب أهمية مسح دخل ونفقات الأسر الجديد. الأوزان الحديثة ستسمح بمعرفة ما إذا كانت حصة الغذاء ما زالت 39.9% في المتوسط، وكيف تختلف بين أصحاب الدخول وبين المحافظات، وما الوزن الحقيقي للطاقة والنقل والصحة بعد خمسة عشر عاماً من التغير. ويمكن عندها إنتاج مؤشر وطني إلى جانب مؤشرات إقليمية أو مؤشرات لفئات اجتماعية، من دون التخلي عن السلسلة التاريخية القديمة. المنهج الإحصائي يسمح بربط سلة جديدة بسلسلة سابقة، ولا يفرض الاختيار بين تحديث القياس والحفاظ على المقارنة.
كما تحتاج الهيئة إلى نشر ملف منهجي موازٍ لكل تحديث يوضح عدد نقاط الرصد وتوزعها، قواعد اختيار السلعة البديلة عند الاختفاء، معالجة تغير الجودة، التعامل مع الأسعار المدعومة والأسعار المتاحة فعلياً، ومقدار البيانات المفقودة. هذه التفاصيل هي التي تسمح للباحث بإعادة اختبار النتائج ومعرفة مقدار عدم اليقين، وخصوصاً في سنوات مثل 2025 التي تغير فيها شكل السوق بسرعة.
توجد ملاحظة تحريرية في النسخة المرفقة نفسها. يدرج الفهرس قسماً بعنوان «أهم المقترحات» بعد «أهم النتائج»، لكن النص ينتقل بعد النتائج العامة إلى ملحق الجداول من دون صفحة مستقلة للمقترحات في الملف المتاح. لذلك لا يمكن نسبة برنامج توصيات تفصيلي إلى الدراسة. الموجود بوضوح في ملخصها هو الدعوة إلى معالجة تجمع الاستقرار النقدي مع ضبط التمويل والعجز، وتحسين الإنتاج والطاقة والنقل والأسواق وسلاسل الإمداد.
هذه المقاربة أكثر واقعية من علاج التضخم بأداة واحدة. تثبيت سعر الصرف من دون زيادة العرض قد يبطئ إحدى قنوات التضخم ويترك كلفة الطاقة والإنتاج مرتفعة. ورفع الأجور يحمي جزءاً من الدخل الاسمي، لكن أثره الحقيقي يعتمد على طريقة تمويله وقدرة الإنتاج على الاستجابة. وخفض الدعم يمكن أن يقلص عبئاً مالياً لكنه يرفع أسعاراً أساسية إذا لم ترافقه حماية اجتماعية موجهة. الدراسة تلتقط هذا التشابك، بينما تحتاج المرحلة التالية إلى قياس أدق لأثر كل سياسة.
القيمة الأساسية للوثيقة أنها أعادت إلى النقاش سلسلة رسمية طويلة بعد سنوات من نقص البيانات، وقدمت جداول ربع سنوية ومساهمات قطاعية تسمح للباحثين بإعادة قراءة كل مرحلة. ضعفها الأساسي أن السلسلة الطويلة مبنية على سلة لم تعد تمثل المجتمع الذي وصلت إليه في نهاية الفترة، وأن بعض الاستنتاجات السببية أوسع من أدوات التحليل المستخدمة. هذان الأمران يمكن أن يكونا صحيحين معاً.
المطلوب بعد هذه الدراسة ليس إسقاط أرقامها ولا التعامل معها بوصفها قياساً نهائياً للمعيشة. المطلوب استخدام السلسلة القديمة كخط تاريخي، ثم تحديث السلة والعينة وبناء مؤشرات إقليمية وربطها بالدخل والأجر الحقيقي. عندها يصبح من الممكن معرفة مقدار ارتفاع الأسعار، ومن دفع الكلفة الأكبر، وما إذا كانت السياسة الاقتصادية تخفض التضخم فعلاً أو تنقل عبئه من بند إلى آخر.
اقرأ أيضاً: 15 عاماً من الغلاء .. كيف دخل الاقتصاد السوري دوامة التضخم التي لم تنتهِ؟









