التسعير في شركات المحاماة: لماذا تبدو بعض القضايا مربحة وهي ليست كذلك؟

د. بشر ياقتي – التسعير في شركات المحاماة: لماذا تبدو بعض القضايا مربحة وهي ليست كذلك؟
من أكثر الأوهام شيوعاً في العمل القانوني الاعتقاد أن ارتفاع الأتعاب يعني بالضرورة ارتفاع الربحية، بينما الواقع العملي يكشف أن بعض القضايا التي تبدو «مرتفعة القيمة» تتحول داخل الكيان إلى استنزاف طويل للوقت والطاقة والموارد، وفي المقابل قد تحقق قضايا أقل من حيث الأتعاب عائداً أفضل واستقراراً أعلى، وهنا يظهر الفرق بين «قيمة الأتعاب» و«كفاءة التسعير»، وهو فرق لا يُلتفت إليه كثيراً في البيئة القانونية.
الإشكالية أن التسعير في كثير من شركات المحاماة لا يُبنى على نموذج تشغيلي واضح؛ بل على الانطباع أو المنافسة أو الرغبة في كسب العميل، فتُحدد الأتعاب بناءً على حجم الخصم أو شهرة العميل أو طبيعة القضية الظاهرة دون دراسة حقيقية لحجم الجهد المتوقع أو عدد الساعات أو مستوى التعقيد أو كمية الاستنزاف الإداري الذي ستفرضه القضية على المنشأة.
وفي بعض الحالات؛ قد توافق المنشأة على قضية بأتعاب مرتفعة ظاهرياً، ثم يكتشف لاحقاً أنه أمام عميل يستهلك وقتاً يومياً في الاجتماعات والمتابعة والتعديلات والاستفسارات ليتبين لاحقاً أن الربح الحقيقي للقضية أقل بكثير مما كان متوقعاً، بل إن بعض القضايا تتحول فعلياً إلى عبء تشغيلي مغلف بأتعاب مرتفعة.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود سوء التسعير الداخلي؛ بل تمتد إلى صورة السوق نفسها حيث يصبح جزء من المنافسة في القطاع القانوني قائم على الإغراق السعري لا الكفاءة المهنية، فبدلاً من أن يتنافس البعض على جودة الخدمة أو عمق المعالجة القانونية، يصبح التنافس يدور حول «من يقدم سعراً أقل» أو «من يَعِد أكثر»، حتى تحولت بعض الخدمات القانونية إلى ما يشبه العروض التجارية الموسمية.
وقد ساهمت الإعلانات القانونية غير المنضبطة في تكريس هذا المشهد، خصوصاً مع ظهور نماذج تعتمد على التسويق الاستهلاكي أكثر من اعتمادها على البناء المهني الحقيقي، فأصبح بعض المحامين يعتمدون على الإعلانات ثم يحاولون تعويض هذه التكاليف عبر رفع عدد القضايا بأي طريقة ممكنة؛ حتى لو تطلب الأمر تخفيض الأتعاب إلى مستويات غير منطقية، أو قبول ملفات تفوق القدرة التشغيلية للمنشأة.
وهنا تظهر أزمة حقيقية لا يتحدث عنها كثيرون؛ فالمشكلة ليست في الإعلان بحد ذاته، بل في تحوله إلى أداة لخلق توقعات غير واقعية لدى العميل، إذ يسمع العميل عبارات مثل «استشارة مجانية»، أو «نسبة نجاح مرتفعة»، أو «حل سريع»، أو يرى محتوى يوحي أن كل القضايا متشابهة ويمكن التعامل معها بسهولة، فيبدأ بمقارنة المحامين على أساس السعر والانطباع التسويقي، لا على أساس القيمة الفعلية للعمل القانوني.
والنتيجة أن السوق يبدأ تدريجياً بفقدان توازنه، لأن الكيانات المهنية الجادة تجد نفسها أمام معادلة صعبة؛ إما الدخول في سباق التخفيضات والإعلانات المبالغ فيها، أو المحافظة على نموذج مهني قد يبدو أبطأ في جذب العملاء لكنه أكثر استقراراً على المدى البعيد.
وفي الواقع، فإن بعض المحامين الذين يعتمدون على الإعلانات المكثفة يقعون في فخ تشغيلي خطير، فهم يحتاجون إلى تدفق مستمر وكبير من القضايا لتغطية تكاليف التسويق مما يدفعهم إلى تسريع العمليات وتقليل الوقت المخصص لكل ملف وزيادة الضغط على الفريق فتتراجع الجودة تدريجياً ويصبح الهدف الأساسي هو «الحفاظ على حجم التدفق» لا على بناء قيمة قانونية مستقرة.
كما أن من أخطر آثار هذا النوع من التنافس أنه يخلق عملاء مرتبطين بالسعر لا بالثقة، وهؤلاء غالباً لا يملكون أي ولاء مهني، فينتقلون مباشرة إلى أي جهة تقدم سعراً أقل أو وعوداً أكبر، فيبقى الكيان في حالة استنزاف دائم للحفاظ على تدفق غير مستقر، وهو ما يفسر لماذا تبدو بعض الكيانات مشغولة دائماً لكنها تعاني داخلياً من ضعف الاستقرار والربحية.
وفي المقابل، فإن الكيانات الأكثر نضجاً لا تتعامل مع التسعير كوسيلة لجذب الجميع، بل كأداة لاختيار نوع العمل المناسب لها، فهي تدرك أن كل قضية تحمل تكلفة خفية تتجاوز الجانب القانوني، تشمل الضغط الإداري واستهلاك الفريق وتأثير القضية على بقية الأعمال، ولذلك فإنها لا تسعّر بناءً على خوف من خسارة العميل بل بناءً على فهم حقيقي لقيمة العمل وقدرة الكيان على تقديمه بجودة مستقرة.
وبناءً على ما سبق، فإن التسعير في شركات المحاماة ليس مجرد رقم يُكتب في العقد، بل انعكاس مباشر لفلسفة الكيان وطريقة إدارته، والكيانات التي تدخل سباق الإعلانات غير المنضبطة والتخفيضات المستمرة قد تنجح في جذب الانتباه سريعاً، لكنها غالباً تدفع ثمن ذلك لاحقاً في جودة العمل واستقرار الفريق وربحية الكيان نفسه، لأن العمل القانوني في النهاية لا يُبنى على كثرة القضايا فقط، بل على القدرة على إدارتها وتحقيق قيمة حقيقية منها.
للملاحظات والمقترحات
bisher.sa@gmail.com
د. بشر:
دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.
اقرأ أيضاً: إدارة القضايا في شركات المحاماة: من الممارسة إلى المنهجية









