سياسة

بين الليرتين.. من يربح المعركة؟ إدارة عفرين تفرض التسعير بالعملة السورية

بقلم: ديانا الصالح

قد تبدو بطاقة عرض الأسعار مجرد ورقة صغيرة معلقة على رف في محل تجاري، لكنها في الواقع تعكس سياسة اقتصادية كاملة، وهذا ما حدث في عفرين، حيث تحولت آلية التسعير بالعملة السورية إلى عنوان لقرار جديد، يلزم جميع المحال التجارية بإعلان أسعار السلع والخدمات بالعملة السورية، وذلك بعد سنوات من سيطرة الليرة التركية على واجهات المتاجر.

ومن الأهداف الرسمية التي توضح آلية تنظيم الأسواق وحماية المستهلك، إلى التساؤلات حول تأثير القرار على الحركة التجارية اليومية، يُفتح باب النقاش مجدداً حول مستقبل التسعير بالليرتين شمالي البلاد.

إدارة عفرين تبدأ تطبيق قرار التسعير بالعملة السورية

أعلنت إدارة منطقة عفرين إلزام جميع الفعاليات التجارية والمحال والأسواق، بالإعلان عن أسعار السلع وكذلك المنتجات والخدمات بالليرة السورية، استناداً إلى التعميم رقم 12707 الصادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة.

ويشمل القرار كافة الأنشطة التجارية دون استثناء، وألزم التجار وأصحاب المجال بضرورة وضع بطاقة الأسعار بشكل واضح ومُعلن بالليرة السورية أمام المستهلك، ووفقاً للتعميم، فإن القرار هدفه توحيد آلية التسعير بالعملة السورية، وتعزيز الشفافية في عملية البيع، لإتاحة الفرصة أمام المستهلك لمعرفة السعر الحقيقي للمنتج أو السلعة قبل شرائه.

كما يساعد القرار في الحد من التفاوت في الأسعار بين محل تجاري وآخر، إلى جانب الحد من عمليات التسعير الشفهية التي يكون من الصعب مراقبتها والاطلاع عليها.

التسعير بالعملة السورية لكن الليرة التركية مسموحة!

على الرغم من أن القرار يحدد الليرة السورية كعملة أساسية لإعلان الأسعار، إلا أنه لم يمنع بشكل كامل من استخدام الليرة التركية خلال المرحلة الحالية، أي أن التعميم سمح للتجار بوضع السعر بالعملتين معاً، لكن بشرط أن يكون السعر الأساسي المعتمد هو الليرة السورية.

هذا “الاستثناء” يعني أن إدارة عفرين ممثلة بوزارة الاقتصاد تدرك جيداً طبيعة السوق المحلية، التي ما تزال تعتمد بدرجات كبيرة على الليرة التركية في عمليات البيع والشراء اليومية، لذلك اعتمد التعميم على وضع مرحلة انتقالية بدلاً من الاعتماد على فرض التغيير الفوري، والذي يمكن أن يسبب نوعاً من الارتباك للتجار والمستهلكين على حد سواء.

وتهدف هذه الآلية إلى تخفيف آثار الانتقال التدريجي نحو التسعير بالعملة السورية، مع المحافظة على استقرار حركة الأسواق وعدم إرباك عمليات التسعير اليومية، بالتالي تكون رحلة اعتماد الليرة السورية أكثر أماناً وفعاليةً، وفقاً لما يراه خبراء محليون.

بطاقات الأسعار ليست شكلاً فقط

يشدد القرار على أن إعلان السعر يجب أن يكون واضحاً ومثبتاً على كل سلعة أو منتج معروض للبيع، بحيث يستطيع المستهلك معرفة السعر قبل الشراء، وهنا يبدأ الدور الفعلي لهذا التنظيم، والذي يتمحور حول الحد من تفاوت الأسعار غير المعلنة، ومنع اختلاف الأسعار بين الزبائن، إضافة إلى تسهيل عمل دوريات التموين في مراقبة الأسواق وضبط المخالفات.

كما أوضح التعميم أن التسعير بالليرة السورية، سيجعل من الجهات الرقابية مرجعاً موحداً لمقارنة الأسعار ومتابعة حركة الأسواق بصورة أكثر دقة، لا سيما مع تغير أسعار الصرف بشكل مستمر.

جولات رقابية وعقوبات بحق المخالفين

أكدت إدارة منطقة عفرين أن القرار لن يبقى مجرد تعميم ورقي، حيث سيتم تنفيذه بشكل فعلي من خلال دوريات الرقابة والتموين، عبر جولات تفتيش على الأسواق، وذلك بهدف التأكد من التزام أصحاب المحال بإعلان الأسعار وفقاً للتعليمات الجديدة.

أما مخالفة التعميم فستُقابل بتنظيم ضبط تمويني واتخاذ إجراءات قانونية صارمة، وذلك لأن القرار إلزامياً ودخل حيز التنفيذ، لمنع محاولات التحايل على القرار، وضمان التزام مختلف التجار وأصحاب الفعاليات التجارية بالمعايير والبنود ذاتها، وهذا ما يُسهم في تحقيق منافسة عادلة تحمي المستهلك بشكل أكبر.

نجاح التسعير بالليرة السورية مرهون باستقرار السوق

يرى خبراء اقتصاديون أن أي توجه لاعتماد التسعير بالليرة السورية كبديل عن أي عملة أخرى، لن يحقق أهدافه بصورة كاملة إذا لم يرافقه استقرار في سعر الصرف، ووضوح في السياسات الاقتصادية، وذلك لأن الأسواق تتأثر بعوامل أكثر من مجرد تغيير العملة المكتوبة على بطاقات الأسعار.

الخبير الاقتصادي محمد الحلاق يرى أن حركة الأسعار في الأسواق لا ترتبط بسعر الصرف وحده، فهي تتأثر أيضاً بعدة عوامل منها حجم السيولة، تكاليف الإنتاج والنقل ومستوى المنافسة، كما أن تذبذب سعر الصرف يدفع التجار إلى تبني هوامش أمان في التسعير، تحسباً لأي تغيرات مفاجئة تجنبهم الخسارة بشكل كبير.

خطوة ضمن مسار مستمر

التعميم الذي صدر مؤخراً حول عفرين ليس قراراً فريداً، فهو خطوة ضمن مسار أوسع وحلقة متسلسلة، تعمل الحكومة السورية على تنفيذه لإعادة الليرة السورية إلى واجهة التعامل التجاري، وذلك في المناطق التي اعتمدت على الليرة التركية خلال السنوات الماضية.

أي أن الحكومة السورية من خلال سياستها الاقتصادية تتجه إلى سحب الليرة التركية من الأسواق بشكل تدريجي، من خلال سلسلة خطوات تبدأ باعتماد الليرة السورية في تسعير السلع والخدمات، ثم التوسع في استخدامها داخل المؤسسات الرسمية والقطاع التجاري، مع مراعاة تنفيذ هذه الإجراءات بصورة تدريجية لتجنب أي اضطرابات في الأسواق، أو صعوبات تواجه التجار والمستهلكين.

ووفقاً لقراءات تحليلية مهتمة بهذا الشأن، فإن هذه السياسة ليست مخفية أو فجائية، فقد سبق أن أعلن حاكم مصرف سورية المركزي صفوت رسلان، خلال افتتاح فرع للمصرف في محافظة إدلب، أن المرحلة المقبلة ستشهد العمل على سحب الليرة التركية من التداول بشكل تدريجي، وذلك بالتنسيق مع الجانب التركي لوقف ضخ كميات إضافية من العملة التركية إلى الداخل السوري.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إنه قد لا يكون تعليق بطاقة سعر جديدة كفيلاً وحده بتغيير الواقع الاقتصادي، الذي تبرمج لسنوات على عملة محددة، ولكنه يكشف بشكل واضح اتجاه البوصلة، فقرار التسعير بالعملة الوطنية يعتبر جزءاً من مسار أوسع لإعادة حضورها وتمركزها في الأسواق، والذي يُقاس بدوره بقدرة الأسواق على التأقلم بشكل متوازٍ مع استقرار سعر الصرف، لمنح التجار والمستهلكين الثقة بالعملة المكتوبة على البطاقات.

اقرأ أيضاً: الليرة السورية أمام أسبوع تعافٍ: هل التحسن النقدي قابل للاستمرار أم ظرفي؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى