المجتمع السوري

الترحيل القسري والتحريض الرقمي: مأزق اللاجئين السوريين في مصر

بقلم هلا يوسف

راهن السوريون خلال أربعة عشر عاماً على مصر كحاضنة للعروبة وموطن لهم كاللاجئين في بلد لطالما اعتبروه بلدهم الثاني. إلا أنه يبدو أن اللغة اتجاه السوريين في كل بلدان اللجوء وفي مصر خاصة تحولت عقب سقوط النظام السابق، وانتهاء النزاعات العسكرية. فقد برزت خلال الأشهر الماضية ملامح هذا التحول بشكل واضح في تعامل السلطات المصرية مع اللاجئين السوريين، تمثل في تشديد أمني متزايد شمل حملات توقيف في الشوارع، وتفتيشاً عند الكمائن، واحتجازاً انتهى في حالات كثيرة بترحيل قسري. ووفق توثيقات صادرة عن “منصة اللاجئين في مصر“، لم تعد هذه الممارسات حالات فردية أو استثنائية، بل أصبحت تأخذ طابعاً منتظماً، يقوم على الإبعاد غير المعلن ويستهدف فئات بعينها.

وتشير شهادات ميدانية إلى زيادة ملحوظة في عدد الكمائن والحواجز الأمنية منذ تشرين الثاني، خصوصاً في مناطق تضم تجمعات سورية في القاهرة والجيزة والإسكندرية. ويؤكد لاجئون أنهم خضعوا لتوقيفات متكررة شملت تفتيش الهواتف المحمولة، ومراجعة الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التدقيق في أوراق الإقامة، حتى في حالات كان فيها بعضهم يحمل مستندات سارية أو مواعيد رسمية لتجديدها.

هذا الواقع الجديد انعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للاجئين، حيث أصبح الخوف عنصراً حاضراً في الحركة والعمل والسكن. أحد السوريين المقيمين في القاهرة شبه ما يجري اليوم بالحملات الأمنية التي عرفها سابقاً في بلاده، قائلاً إن الإحساس بعدم الأمان أصبح شعوراً دائماً يرافق اللاجئين في الفترة الأخيرة.

تحرك منظمات حقوقية وتحذيرات متصاعدة

يربط حقوقيون هذا التشدد بجملة من المخاوف الأمنية التي تتحدث عنها السلطات بشكل غير مباشر، من بينها اعتبارات تتعلق بالوضع الإقليمي، والتطورات في سوريا، والتعاون المتزايد مع الاتحاد الأوروبي في ملفات ضبط الهجرة والحدود. إلا أنهم في الوقت نفسه صعدوا من تحذيراتهم. فقد اعتبرت المنظمات الحقوقية أن ما يجري يشكل انتقالاً من التضييق الإداري إلى سياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى دفع اللاجئين نحو المغادرة القسرية. ففي 22 كانون الثاني، أصدرت عشر منظمات حقوقية بياناً مشتركاً حذرت فيه من تصاعد التوقيفات والاحتجازات والترحيل، وطالبت بوقف فوري لهذه الحملات.

وأكد البيان أن ربط الحق في البقاء حصرياً بوضع الإقامة، في ظل تعقيدات إدارية ومواعيد تمتد لأشهر وربما سنوات، يضع آلاف اللاجئين في فراغ قانوني قسري. وطالبت المنظمات بفتح مسارات قانونية عادلة لتقنين الأوضاع، والاعتراف بالمستندات المؤقتة، مثل مواعيد التجديد أو وثائق التسجيل لدى المفوضية، بدل التعامل معها كدليل مخالفة.

كما شددت على ضرورة إخضاع أي احتجاز مرتبط بالهجرة واللجوء لرقابة قضائية فعالة، وضمان وصول المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى جميع المحتجزين، وتمكينهم من الحصول على استشارات قانونية قبل اتخاذ أي قرار إبعاد. وترى هذه المنظمات أن استمرار الاحتجاز الإداري المفتوح يقوّض منظومة الحماية الدولية، ويدفع آلاف الأسر إلى العيش في خوف دائم.

التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي

إلى جانب الضغوط الأمنية والإدارية، يواجه اللاجئون السوريون موجة متزايدة من التحريض وخطاب الكراهية في الفضاء الرقمي. يقول أحد الشبان السوريون المقيمون في القاهرة منذ أكثر من عشر سنوات، إن هذا الخطاب أصبح جزءاً من المشهد اليومي، مع انتشار صفحات وحسابات تدعو صراحة إلى إخراج السوريين من مصر، وتتهمهم بإفساد البلاد، بل وتحرض على الإبلاغ عنهم عبر نشر أرقام وحسابات رسمية.

ويضيف أن هذا الخطاب لا يعكس بالضرورة المزاج العام في الشارع المصري، الذي لا يزال متعاطفاً في نظره، واصفاً الناس بأنهم طيبون، لكنه يشير إلى أن الحملات الرقمية المنظمة تسهم في خلق بيئة عدائية تضاعف من شعور اللاجئين بالعزلة والقلق.

وفي هذا السياق، رصدت صفحات متخصصة في تتبع الحملات الإلكترونية تصاعد وسم “ترحيل جميع اللاجئين مطلب شعبي” على منصة “إكس”، حيث تحول خلال أيام إلى حملة رقمية صاخبة. وأظهرت التحليلات أن ما بدا وكأنه موجة غضب شعبي مفاجئة، هو في الواقع إعادة تفعيل لحملة منسقة قديمة، تدار عبر شبكة حسابات محددة تتقاسم الأدوار بين التحريك وإعادة التدوير.

وبحسب بيانات أداة التحليل الرقمي TalkWaker، حقق الوسم أكثر من ثمانية آلاف تغريدة خلال فترة قصيرة، مع تفاعل تجاوز 26 ألف حساب، وانتشار محتمل تخطى ستة ملايين متابع، ما يعكس القدرة الكبيرة لمثل هذه الحملات على التأثير في الرأي العام الرقمي وشرعنة سياسات التضييق.

نفي الحكومة المصرية لعمليات الترحيل القسري للاجئين السوريين

في مواجهة الانتقادات الدولية والمحلية، نفت الحكومة المصرية اتخاذ أي إجراءات جديدة تهدف إلى منع دخول السوريين أو استهدافهم بشكل خاص، مؤكدة في بيان وزارة الداخلية أن ما يتم تداوله بشأن فرض ضوابط جديدة “غير صحيح”. ومع ذلك تشير مصادر سورية ومسؤولون في الجالية مثل رئيس هيئة اللاجئين السوريين في مصر، تيسير النجار إلى أن السلطات بدأت منذ مطلع العام تنفيذ حملات تدقيق أمني تستهدف السوريين غير الملتزمين بشروط الإقامة، بعد توجيه تنبيهات متكررة بضرورة تقنين أوضاعهم. واعتبر بعض المسؤولين أن هذه الإجراءات تدخل في إطار “الحق السيادي” لمصر في تطبيق القوانين، مع تأكيد أن الملتزمين لا تمس حقوقهم.

تتزامن هذه الإجراءات مع مخاوف أمنية محددة، أبرزها ورود تحذيرات بشأن نشاط جماعة مسلحة تعرف باسم “حسم”، التي يزعم أنها تتلقى تدريبات في سوريا، بالإضافة إلى تهديدات أمنية مباشرة من داخل سوريا، ما عزز موقف السلطات المصرية في تشديد الرقابة وتقليص الحضور غير المنظم للاجئين. وفي الوقت نفسه منحت الحكومة تسهيلات لمن يرغب في المغادرة، من بينها الإعفاء من غرامات مخالفة الإقامة، ما دفع أعداداً كبيرة من السوريين إلى العودة إلى بلادهم، بينما يظل آخرون مترددين بسبب دمار منازلهم أو ارتباطهم بمشاريع واستثمارات في مصر، فيما تبذل جهود مع الجهات الرسمية للسماح لهم بالبقاء مؤقتاً لحين ترتيب أوضاعهم.

باختصار، يشير الواقع على الأرض أن هناك ضغوطاً ممنهجة ضد اللاجئين السوريين، ويبدو أن المخاوف الأمنية وإن لم تظهر بشكل واضح بتصريحات المسؤولين المصريين هي الأساس، فالحديث عن جماعة مسلحة ليس بجديد، بل عبرت عنه مصر منذ سقوط النظام وتسلم الحكومة السورية الجديدة لمقاليد الحكم. لكن أن يقع ضحيته اللاجئون هو بيت القصيد، لذلك لا بد من إيجاد آليات حماية قانونية واضحة، توازن بين السيادة الوطنية لمصر والالتزامات الإنسانية الدولية.

اقرأ أيضاً: لماذا تغيّر موقف العالم من اللاجئين السوريين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى