سياسة

التدمير «الإسرائيلي» لمطار حماه العسكري.. الرسائل والأهداف والتداعيات!

الكاتب: أحمد علي

في ليلة 2 نيسان 2025، شن كيان الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات جوية مكثفة استهدفت مواقع عسكرية في سوريا، كان أبرزها مطار حماة العسكري وسط البلاد. أكدت مصادر عسكرية سورية أن نحو 12 ضربة جوية متتالية أصابت المطار مباشرة، مدمّرةً مدارج الإقلاع والهبوط وبرج المراقبة ومستودعات الذخيرة وحظائر الطائرات. وقد أسفر القصف عن تدمير شبه كامل للبنية العسكرية للمطار، حيث قُتل وجُرح العشرات من العسكريين وبعض المدنيين وفق بيان لوزارة الخارجية السورية.

استمر القصف حوالي ساعة كاملة تقريباً منذ الساعة 9:18 مساءً وحتى قرابة 10:37 ليلاً بالتوقيت المحلي، باستخدام صواريخ شديدة الانفجار. وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ركّزت 16 غارة منها على مطار حماة نفسه، فيما ضربت غارتان إضافيتان موقع اللواء 99 المجاور للمطار. أدى هذا الهجوم المكثف إلى تدمير ما لا يقل عن 10 طائرات حربية ومروحية كانت في المطار، إضافة إلى تدمير مرافق حيوية مثل مستودعات الوقود والذخيرة ومنظومات الرادار والدفاع الجوي فيه. ووُصفت هذه الضربة بأنها من أعنف الهجمات الإسرائيلية في سوريا منذ سنوات، وقد «دُمّر مطار حماة بشكل شبه كامل لضمان عدم استخدامه» مستقبلاً وفق ما نقلته رويترز عن مصدر عسكري سوري.

لم تقتصر العمليات «الإسرائيلية» في تلك الليلة على حماة فحسب؛ فقد تزامنت الضربة مع هجمات أخرى في أنحاء سوريا. أعلنت إسرائيل أنها استهدفت أيضاً قاعدة T4 الجوية في محافظة حمص ضمن سلسلة الضربات نفسها، كما ضربت مواقع عسكرية في محيط دمشق بينها مركز أبحاث علمية في منطقة برزة بالعاصمة. وفي جنوب البلاد، توغلت قوة إسرائيلية بمنطقة درعا واشتبكت مع مسلحين محليين، ما أدى إلى مقتل عدد من هؤلاء المسلحين في بلدة تسيل بنيران الطائرات المُسيّرة الإسرائيلية. وأفادت تقارير حقوقية أن 9 مدنيين من أبناء منطقة نوى في ريف درعا قُتلوا وأصيب 15 آخرون خلال تصديهم لتوغل بري إسرائيلي هناك عشية 3 نيسان. هذه التطورات تؤكد أن الضربة على مطار حماة جاءت ضمن تصعيد واسع النطاق شمل عدة جبهات في وقت متزامن، ما ضاعف من وقع الرسالة «الإسرائيلية» وأثرها داخل سوريا وخارجها.

مطار حماة العسكري ودوره في الصراع السوري

يحظى مطار حماة العسكري بأهمية استراتيجية خاصة ضمن خارطة المطارات والقواعد العسكرية في سوريا. فهذا المطار الواقع على أطراف مدينة حماة (رابع أكبر المدن السورية) كان يُعد واحداً من أكبر المطارات العسكرية في البلاد قبل تدميره. استخدمته قوات السلطة السورية السابقة لسنوات كنقطة انطلاق لشن غارات جوية على فصائل المعارضة في مناطق وسط وشمال سوريا. وبقي المطار تحت سيطرة الحكومة طوال معظم فترات الحرب الأهلية المستعرة منذ 2011، إلى أن خسر النظام مدينة حماة ومطارها لصالح قوات المعارضة المسلحة في أوائل كانون الأول 2024.

بعد سيطرة المعارضة على حماة، أصبح المطار لأول مرة خارج يد الجيش السوري الذي كان يعتمد عليه كقاعدة جوية مركزية للإمداد ونقل التعزيزات وشن الهجمات. ووصف محللون عسكريون المطار بأنه رئة لوجستية للنظام في المنطقة الوسطى، حيث يتوسط الطريق بين دمشق شمالاً وحمص وريف حلب جنوباً.

مع تشكيل الحكومة السورية الجديدة مطلع 2025، عاد مطار حماة ليكون محط أنظار أطراف إقليمية أخرى. فبحسب تقارير استخباراتية، أرسلت تركيا – الداعم الأبرز للمعارضة – فرقاً فنية عسكرية لتفقد مطاري حماة والتيفور (T4) في الأسابيع التي تلت سقوط النظام، وذلك ضمن دراسة إمكانية استخدامهما في إطار اتفاق دفاعي مشترك بين أنقرة ودمشق الجديدة. إذ كانت تركيا تخطط لتعزيز وجودها العسكري في سوريا عبر قواعد جوية وبرية بالتنسيق مع الحكومة، بهدف دعم استقرارها ومحاربة فلول تنظيم داعش ووحدات المقاتلين الأكراد المعادية لتركيا. من هنا، يمكن فهم أن مطار حماة لم يعد مجرد قاعدة سورية محلية، بل أصبح ورقة إقليمية في رسم النفوذ بين تركيا و«إسرائيل» والقوى الأخرى على الأرض السورية. وهذا ربما يفسر استهداف «إسرائيل» السريع والقاسي له؛ فحرمان تركيا وحلفائها من هذا المرفق الحيوي شكّل «رسالة ردع حازمة» من تل أبيب بأنها لن تسمح بتمركز قوة إقليمية منافسة في سوريا.

دلالات الهجوم بالنسبة لإسرائيل وسوريا

يحمل قصف مطار حماة رسالة مزدوجة في أبعادها العسكرية والسياسية لكل من إسرائيل وسوريا على حد سواء. فمن الجانب «الإسرائيلي»، سارع المسؤولون إلى تأكيد أن هذه الضربة ليست إلا «رسالة تحذير للمستقبل» مفادها أن أمن «إسرائيل» خط أحمر لن يُسمح بالمساس به. وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس وصف الغارات بأنها تحذير واضح بأن «إسرائيل» «لن تسمح بالإضرار بأمنها» وستتحرك بحزم ضد أي تهديد محتمل. ويأتي ذلك في ظل رؤية تل أبيب للسلطة السورية الجديدة في دمشق على أنها خصم محتمل على حدودها. فـ«إسرائيل» التي اعتادت اعتبار نظام الأسد خصماً يمكن التنبؤ بسلوكه، باتت تنظر بقلق إلى صعود قوى إسلامية مسلحة على أنقاضه، وتخشى تحول الجنوب السوري إلى نقطة توتر جديدة تشبه جنوب لبنان من حيث وجود جماعات معادية بالقرب من حدودها. لذا، أعلنت «إسرائيل» صراحةً أنها لن تتهاون مع أي وجود عسكري معادٍ في سوريا، بل وستبقي قواتها متأهبة وربما منتشرة في مناطق عازلة داخل الأراضي السورية إذا لزم الأمر.

على الجانب الآخر، ترى الحكومة السورية الجديدة في دمشق وحلفائها أن الضربات «الإسرائيلية» تمثل تصعيداً غير مبرر واستفزازاً يهدف لزعزعة الاستقرار وإضعاف سلطتها الناشئة. فقد نددت وزارة الخارجية السورية بالهجمات ووصفتها بأنها «عدوان إسرائيلي» يسعى لخلط الأوراق وعرقلة جهود استعادة الأمن بعد سقوط النظام السابق. كما دعت المجتمع الدولي للضغط على «إسرائيل» لوقف اعتداءاتها المتكررة. داخلياً، أثارت الغارات غضباً ومخاوف شعبية في سوريا، حيث يعتبر كثير من السوريين هذه الضربات انتهاكاً لسيادة بلادهم، خاصة في وقت تحاول فيه السلطة لململة الجراح وتوحيد الصفوف بعد 14 عاماً من الحرب. وقد خرجت تظاهرات في حماة وغيرها تندد بالهجمات الإسرائيلية، وتطالب بدعم دولي للحكومة الجديدة في وجه ما تعتبره تدخلاً خارجياً عدائياً. ويحرص الرئيس أحمد الشرع على إيصال تطمينات بأن حكومته لا تنوي تهديد «إسرائيل»، بل اعتقل بعض المتشددين المعادين لـ «إسرائيل» وأرسل رسائل عبر أطراف إقليمية (الإمارات وغيرها) مفادها أن سوريا الجديدة لن تكون منطلقاً لأي أعمال عدائية تجاه دول الجوار بما فيها «إسرائيل». ومع ذلك، يبدو أن صدى هذه التطمينات في تل أبيب ما زال محدوداً، بدليل استمرار الضربات والإبقاء على قواعد الاشتباك القديمة نفسها التي تتبعها «إسرائيل» منذ أيام الأسد.

بالنسبة للجيش السوري الجديد نفسه، كانت ضربة مطار حماة نكسة عسكرية موجعة. فقد خسر سلاح الجو الوليد قسماً مهماً من طائراته ومعداته في تلك الليلة. وهذا يضعف قدرته على تأمين السيادة الجوية أو التصدي لتحديات داخلية مثل بقايا تنظيم داعش في البادية، ناهيك عن مواجهة أي خروقات «إسرائيلية» مستقبلية. أيضاً، معنوياً شكل العجز عن منع الضربة أو الرد عليها إحراجاً للقيادة الجديدة أمام جمهورها الذي يطمح لرؤية سوريا مستقلة القرار. ورغم ذلك، تحاول الحكومة السورية الانتقالية احتواء الموقف سياسياً بدلاً من الانجرار لمواجهة مباشرة تفوق قدراتها. وقد سعت عبر قنوات دبلوماسية خلفية – قيل إن الإمارات العربية المتحدة ساهمت فيها – إلى التواصل غير المباشر مع «إسرائيل» لتخفيف التوتر ومنع انزلاق الأوضاع نحو صدام أوسع. وأكد مسؤولون سوريون أنهم «لن يسمحوا بأن تصبح سوريا مصدر تهديد لأي طرف بما فيه إسرائيل» بحسب رسالة رسمية وجهوها للولايات المتحدة في نيسان. هذه المقاربة تشير إلى أن دمشق الجديدة تدرك محدودية خياراتها العسكرية، وتسعى بدلاً من ذلك لحلول سياسية تكبح جماح «إسرائيل» وتضمن تركيزها على تثبيت الأمن الداخلي وإعادة بناء الدولة.

وفي السياق الإقليمي الواسع، أثار التدخل الإسرائيلي في سوريا حفيظة تركيا التي وجدت نفسها في مواجهة غير مباشرة مع تل أبيب على أرض سورية. فتركيا التي دعمت الإطاحة بالأسد واحتضنت قادة المعارضة المسلحة، تسعى الآن إلى ترسيخ نفوذها في سوريا الجديدة عبر اتفاقات أمنية وتموضع عسكري يساعدان على تحقيق الاستقرار وحماية مصالحها. وقد فسرت أنقرة الضربات الإسرائيلية الأخيرة – وخاصة استهداف قواعد كانت تركيا تطمح لاستخدامها مثل مطار حماة – بأنها محاولة إسرائيلية لتقويض النفوذ التركي وفرض أمر واقع أمني جديد. ورداً على ذلك، صرحت الخارجية التركية بأن «إسرائيل باتت أكبر تهديد لأمن المنطقة» ودعتها لوقف اعتداءاتها وانسحاب قواتها من سوريا. كما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده لا تريد صراعاً مع «إسرائيل» في سوريا، محذراً في الوقت نفسه من أن الغارات الإسرائيلية تُضعف قدرة الحكومة السورية الجديدة على محاربة تنظيم داعش والإرهاب وتعيد المنطقة للفوضى.

وفي الكواليس، بدأ المسؤولون الأتراك والإسرائيليون محادثات عبر وسطاء (بينهم الولايات المتحدة وربما الإمارات) لمحاولة منع الاحتكاك المباشر بين جيشي البلدين في الساحة السورية. ويمكن القول إن سوريا ما بعد الأسد أصبحت ساحة تجاذب بين رؤيتين: الرؤية التركية التي تريدها حليفة مستقرة في محورها، والرؤية الإسرائيلية التي تفضّلها ضعيفة مفككة بلا تهديد. وضربة مطار حماة جسّدت بوضوح تصادم المشروعين؛ فـ«إسرائيل» رسمت ما تسميه «خطوطاً حمراء» لمنع أي وجود عسكري تركي دائم بالقرب من حدودها، وأعلنت صراحة أنها لن تسمح بإقامة قواعد جوية أو بحرية تحت مظلة تركية في سوريا. وهكذا أضاف المشهد السوري فصلاً جديداً من التنافس الإقليمي الحاد بين أنقرة وتل أبيب، وإن كان الطرفان حريصيْن حتى الآن على إبقاء صراعهما بارداً خلف الكواليس وتحت سقف التنسيق مع واشنطن، تفادياً لمواجهة مباشرة لا تحمد عقباها.

اقرأ أيضاً: رويترز: القيادة السورية أخطأت في قراءة الموقف الأمريكي والإسرائيلي

 أهداف إسرائيل من الضربة وتداعياتها على توازن القوى

في ضوء ما سبق، يمكن تلخيص أهداف إسرائيل من قصف مطار حماة في جملة نقاط رئيسية. أولاً، حرمان خصومها الجدد في سوريا من أية قدرة جوية أو بنية تحتية عسكرية ثقيلة يمكن أن تشكل تهديداً لأمنها أو تحدّ من حرية تحركها العسكري. تدمير مطار حماة وغيره من القواعد جاء استكمالاً لخطة إسرائيلية أوسع لتجريد الجيش السوري من وسائل القوة الكبرى التي خلفها نظام الأسد. فمنذ سقوط الأسد في كانون الأول 2024، كثفت «إسرائيل» ضرباتها ضد ما تبقى من ترسانة الجيش السوري الثقيلة من طائرات وصواريخ ومدرعات، بهدف إبقاء الدولة السورية الجديدة ضعيفة عسكرياً ومعتمدة على دعم خارجي. وقد ذكرت تقارير أن «إسرائيل» مارست ضغوطاً على واشنطن لمنع إعادة بناء جيش مركزي قوي في دمشق، مبررةً ذلك بخشيتها من توجهات الرئيس الجديد للبلاد. لذلك تأتي ضربة حماة في سياق هذه الإستراتيجية الإسرائيلية لضمان تفوقها النوعي المطلق في الأجواء وعلى الحدود الشمالية.

ثانياً، توجيه رسالة ردع لتركيا وباقي الأطراف الإقليمية مفادها أن «إسرائيل» لن تسمح بتغير قواعد اللعبة في سوريا دون موافقتها. فاستهداف قاعدة كانت تركيا تخطط لاستخدامها يعبّر بوضوح عن رفض «إسرائيل» تمدد النفوذ التركي عسكرياً إلى عمق يفترض أن يكون ضمن دائرة التأثير الإسرائيلية الأمنية. أرادت تل أبيب أن تثبت أنها حاضرة بقوة في المعادلة السورية الجديدة، وقادرة على إفشال أي ترتيبات لا تراعي مصالحها الأمنية المباشرة. وقد نجحت الضربة في فرض واقع ميداني يعقّد خطط أنقرة بإنشاء قواعد في حماة وحمص، ما اضطرها للجوء إلى مسار التهدئة الدبلوماسية مع «إسرائيل» تفادياً للتصعيد. بهذا المعنى، حققت «إسرائيل» هدفاً سياسياً أوسع من مجرد تدمير هدف عسكري، عبر فرض نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه في رسم مستقبل سوريا الاستراتيجي.

ثالثاً، سعت إسرائيل من خلال هذه الضربة إلى تعزيز قوة الردع الإسرائيلية على كافة الجبهات، الداخلية والإقليمية. فبعد سلسلة حروب ومواجهات خلال 2023-2024 (من غزة إلى لبنان وربما اشتباكات في الجولان)، رأت القيادة الإسرائيلية ضرورة استعراض جاهزيتها للقتال على عدة جبهات في آن واحد. ضرب مطار حماة – بعيداً عن حدود إسرائيل – يبعث برسالة إلى خصومها التقليديين (إيران وحلفائها) بأن يد «إسرائيل» طويلة ويمكنها الوصول لأي هدف ترى فيه خطراً. كما يطمئن داخلياً الشارع الإسرائيلي القلق من محيطه المضطرب بأن الجيش ما زال ممسكاً بزمام المبادرة وقادراً على توجيه ضربات استباقية ناجحة.

أما على مستوى توازن القوى في سوريا، فمن المبكر الحكم على التأثير الكامل لهذه الضربة. لكن يمكن رصد بعض الملامح الأولية. فمن جهة، أضعفت الضربة الجيش السوري بحرمانه من واحدة من أهم قواعده الجوية ومجموعة من الطائرات الحربية، ما يجعل تفوقه على خصومه الداخليين (خلايا داعش وغيرها) أقل وضوحاً. وربما تُغري الضربة بعض القوى المناوئة للحكومة الجديدة – كجيوب الموالين للسلطة السابقة أو بعض الفصائل لمحاولة استغلال الوهن الناتج عنها للتمرد أو تنفيذ عمليات تخريبية. كما أن رسالة الخوف التي انتشرت بين المدنيين قد تضر بعملية كسب القلوب والعقول التي يحتاجها الحكم لترسيخ شرعيته. من جهة أخرى، قد تدفع الضربة سوريا الجديدة لمزيد من الارتماء في أحضان أنقرة طلباً للحماية، وهذا يُكسب تركيا دوراً أكبر كضامن أمني – وإن كان دوراً مستفزاً لـ«إسرائيل». كذلك يمكن أن تؤدي إلى تسريع جهود التسوية بين دمشق وتل أبيب عبر قنوات غير معلنة، حيث يدرك الطرفان مخاطر التصعيد المفتوح. وبالفعل كشفت تقارير في أيار 2025 أن الإمارات رتّبت اتصالات سرية بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين لبحث إجراءات بناء ثقة وتجنب صدامات مستقبلية. هذه التطورات تشير إلى أن الجميع يسعى لتفادي انفلات الوضع نحو حرب شاملة، ما يعني أن ميزان القوى سيظل محكوماً بخطوات مدروسة من كل طرف لتجنب كسر التوازن تماماً.

في المحصلة، مثّل قصف إسرائيل لمطار حماة في نيسان من العام الجاري 2025 علامة فارقة في مرحلة ما بعد الأسد. فهو حدث عسكري في ظاهره، لكنه شديد الدلالة سياسياً واستراتيجياً. أرادت منه «إسرائيل» تكريس معادلة ردع جديدة في سوريا مفادها أنها صاحبة الكلمة العليا أمنياً، سواء تعلق الأمر بإيران أو تركيا أو غيرهما. وبالنسبة لسوريا الجديدة، ورثت هذه الأخيرة صداع التعايش مع «الجار الإسرائيلي» القوي الذي لن يتوانى عن استخدام القوة لمنع بروز أي تهديد عبر حدودها. وبينما يعاد تشكيل المشهد الإقليمي حول سوريا – من تراجع دور إيران بفعل انكسار حلفائها، إلى تصاعد نفوذ تركيا الساعية لتثبيت مكاسبها، مروراً بـبراغماتية روسيا المنشغلة بأولويات أخرى – سيكون على دمشق الجديدة السير بحذر. فهي مطالبة ببناء جيش وطني قوي لحفظ أمنها الداخلي، وفي الوقت نفسه طمأنة «إسرائيل» ربما بأن هذا الجيش لن يتحول لمنصة تهديد لها. تلك معادلة صعبة، قد تتطلب حلولاً خلاقة كتوسيط أطراف دولية (مثل واشنطن والإمارات) للوصول إلى تفاهمات ضمنية تحفظ لكل طرف مصالحه الأساسية. وعلى المدى القريب، يبدو أن ميزان القوى في سوريا يميل لصالح «إسرائيل» التي أثبتت قدرتها على التدخل الحاسم، فيما ستسعى دمشق وحلفاؤها لاستيعاب الضربة وتجنب خسارة المزيد، ريثما ترسم ملامح نظام إقليمي جديد قد يحمل معه توازنات مختلفة في قادم الأيام، وهي على الأرجح ليست في صالح كيان الاحتلال…

اقرأ أيضاً: هآرتس: «اجتماع سوري – إسرائيلي في باكو لمناقشة قضايا أمنية وسياسية»

اقرأ أيضاً: «حركة التجديد الوطني» تدين العدوان الإسرائيلي وتدعو إلى عودة الدولة والحوار الوطني

اقرأ أيضاً: إعادة بناء القوة العسكرية السورية ما بعد الحرب.. دراسة شاملة!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى