المجتمع السوري

التدخين يسرق براءة أطفال سوريا!

إعداد: لمى ابراهيم

تعدّ ظاهرة التدخين بين الأطفال إحدى أخطر المشكلات المجتمعية التي تتفاقم يوماً في الكثير من دول العالم وفي سوريا تحديداً، وعلى الرغم من أن الموضوع ليس جديداً أبداً وتم تسليط الضوء عليه من قبل لآلاف المرات إلّا أنه ما زال يتطور دون أن يجد حلّاً جذرياً أو رادعاً، لذا، من الضروري أن نذكّر به لعل النقاش المستمر يساهم في وضع حد لهذه الظاهرة المقلقة.

التدخين بين الأطفال في سوريا

ظاهرة التدخين بشكل عام هي أمر خطير على الصحة سواء عند الكبار أو الصغار، ولكن بالطبع عند الأطفال تتعدى الأضرار الصحية لتصل إلى نفسيته، التي تؤثر على الظاهرة وتتأثر بها… والتدخين بين الأطفال السوريين زاد كثيراً في آخر 14 عاماً، خصوصاً مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحرب المتواصلة منذ عام 2011، وعليه، أصبحت مشاهد الأطفال المدخنين مألوفة في الطرقات والأسواق والحدائق العامة في العديد من المناطق السورية..

إحصاءات عام 2021 أشارت إلى أن نحو 24.5% من الشباب السوري يستهلكون منتجات التبغ، من بينهم أطفال تقل أعمارهم عن 13 عاماً بحسب منظمة الصحة العالمية، وتظهر تقارير أخرى أنّ واحداً من كل ستة أطفال في شمال سوريا يدخن.

أسباب الظاهرة

يوجد أسباب عديدة وعوامل أثرت في انتشار التدخين بين الأطفال وكون الموضوع متركز على أطفال سوريا لا بد من ذكر الحرب على رأس القائمة، فالحرب في سوريا أثرت بشكل بالغ على كل جوانب الحياة، وساهم النزوح وفقدان المعيل والاضطرابات السياسية في تدمير البنية الأسرية والاجتماعية.

كما أدت الحرب إلى ارتفاع نسب القلق، الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، وبالطبع أدت إلى توقف التعليم عند الكثير من الأطفال بسبب الأوضاع الأمنية والمعيشية، وكل هذه العوامل كان لها دور كبير في لجوء الأطفال إلى تدخين التبغ، وأوصلت البعض منهم إلى المخدرات.

الأسرة هي سبب مهم جداً تدفع الطفل للانحراف أو الانضباط، فهي قدوتهم بالمرتبة الأولى، ويعد تقليد الكبار من أهم دوافع الطفل ليدخن، إذ ينظر إليه أنه رمز للنضج أو القوة.

كما أن غياب الرقابة الأسرية نتيجة مشاغل الحياة الصعبة أو بسبب الطلاق وغياب أحد الوالدين، وضعف العلاقة بين الأهل والطفل وفقدان الحوار، كلها من العوامل المؤثرة التي قد تدفعه للقيام بأمور منحرفة سلوكياً.

ومن بعد الأسرة تأتي البيئة والمجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي التي باتت بمتناول يد الأطفال بطريقة ليست منطقية، على سبيل المثال الترويج للتدخين في المسلسلات والدراما والسوشال ميديا حيث يتم تقديم الشخص كشخص قوي الشخصية وجذاب.

أما بالنسبة للمجتمع فإن عدم تطبيق القوانين الرادعة، وسهولة الحصول على السجائر من الأكشاك، وانتشار ظواهر مثل شراء “السيجارة الواحدة” وتساهل البائعين من الأطفال الذي يشترون السجائر كل هذا يزيد من انتشار الظاهرة.

جدير بالإشارة إلى أنه إلى جانب التبغ العادي يوجد في مجتمعنا عادة تدخين الأرجيلة والتي باتت جزءاً من العادات الاجتماعية اليومية في سوريا، ما يخلق بيئة مشجعة على التدخين.

كما أن دخول منتجات جديدة مثل السيجارة أو الأركيلة الإلكترونية سهّل على الأطفال تجربة التدخين بوسائل مغرية وحديثة.

اقرأ أيضاً: الفيب في سوريا: كل ممنوع مرغوب!

الأضرار الصحية والنفسية

يؤثر التدخين على الطفل بأشكال عدة سواء على صحته الجسدية أو النفسية، وتنقسم أضرار الصحة الجسدية إلى قصيرة المدى مثل السعال المستمر وضيق التنفس وارتفاع الضغط واضطراب التركيز وضعف التحمل الجسدي، وإذا استمر الطفل بالتدخين حتى يكبر قد تظهر لديه الأعراض طويلة المدى مثل الربو وأمراض القلب ومشاكل بالجهاز العصبي والسرطان وضعف المناعة وغيرها من الأمراض المقلقة.

ويتعدى التأثير الجسد ليصل إلى الروح والنفسية، فغالباً ما نجد الطفل المدخن سراً يميل لسلوكيات منحرفة أخرى مع الوقت مثل السرقة والكذب والانعزال أو الميل إلى العنف أو الإدمان على مواد أخرى، وأيضاً هذا الأمر يؤدي إلى ضعف العلاقة الأسرية التي يحتاج إليها كثيراً في هذا الوقت.

ولكن هل يوجد علاج لهذا الإدمان وطريقة للتعامل مع الطفل المدمن؟ وهل يوجد قانون رادع؟

بالطبع يوجد قانون في سوريا ينظم بيع السجائر والتدخين في الأماكن العامة، وكان هذا القانون قد صدر عام 2009، حيث حظر بيع السجائر بشكل كامل لمن هم دون 18 عاماً، وكان البائع لا يمكنه بيع السجائر لأي شخص تحت هذا السن ويمكن أن يطلب هوية المشتري ليتأكد من سنه إن شعر أنه تحت السن القانوني.

وأيضاً منع القانون التدخين في الأماكن العامة، وفرض قيوداً على تقديم الأراجيل في الأماكن المغلقة والعامة كالمقاهي وفرض عليهم تخصيص مساحة من الأماكن غير المغلقة للمدخنين.

وبالفعل عندما صدر القانون تم تطبيقه في البداية فرأينا مقاهٍ يمكن الجلوس بها دون دخان، ومؤسسات حكومية ملتزمة بالقرار، وباعة لا يبيعون السجائر للأطفال، ولكن مع ذلك استمر الآباء بإرسال أطفالهم لشراء السجائر ولو أن الأمر يبدو غير مهم ولكنه مؤثر جداً، وقد انحسر تطبيق القانون يوماً بعد يوم حتى أصبح حبراً على ورق.

جدير بالذكر أنه ظاهرة الأراجيل للأطفال في سوريا انتشرت كثيراً في الأماكن العامة والمقاهي واتخذت الحكومة قراراً جيداً بإغلاق المحال التي قدمت الأراجيل للأطفال في خطوة مهمة لا بد أن تترك أثراً وتمنع باقي المقاهي من القيام بنفس الفعل.

اقرأ أيضاً: إصلاح السجون: حكاية تبدأ فيها وتنتهي في المجتمع.. هل نبالغ في الحلم؟!

أما بالنسبة لعلاج الطفل المدخن فهناك عدة أمور يمكن القيام بها أهمها العلاج السلوكي عبر الحوار البنّاء والنصح اللطيف والتشجيع والمكافآت، والابتعاد عن العقاب والتوبيخ العنيف.

ويمكن إدماج الطفل بأنشطة رياضية أو فنية أو ثقافية إن كان الأمر ممكناً، فهذه الأنشطة تعيد بناء ثقته بنفسه وتبعده عن بيئة التدخين.

أيضاً يمكن في بعض الحالات استخدام منتجات نيكوتين مساعدة مثل اللصاقات أو العلكة تحت إشراف مختصين.

وترى الخبيرة الاجتماعية غدير النجار والتي أفادت في تصريح إعلامي أن للمؤسسات التربوية والاجتماعية دور مهم في الحد من ظاهرة التدخين، فدور الأسرة لا ينفصل عن دور المدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية التي يجب أن تعمل على توعية الأطفال والأسر بمخاطر التدخين من خلال برامج تثقيفية ولقاءات ونشرات توعوية ووسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز الوعي الجمعي والحد من انتشار هذه الظاهرة المقلقة.

في النهاية لا بد من القول أن معالجة ظاهرة التدخين بين الأطفال أمر ضروري خاصة وأنه يفتح الباب لإدمان أكبر مثل شم الشعلة -وهو منتشر منذ سنوات بين الأطفال السوريين-، وقد يصل إلى المخدرات.

فالمخدرات، والتي باتت في متناول الكثير من الناس منذ سنوات عموماً، وخاصة بعد سقوط النظام وفتح مستودعات المخدرات التي كانت تابعة له وللمقربين منه، وبسبب الفوضى التي حصلت لم يتم التخلص منها بطريقة مناسبة لذا أصبح الوصول إلى الكبتاغون أمراً سهلاً ويباع بأسعار رخيصة أحياناً ما يمكن أي أحد من شرائه حتى الأطفال.

وعليه، لا بد من تكاتف الأسرة والمدرسة، الحكومة والإعلام، من أجل حماية الأجيال القادمة من الانزلاق في دوامة التدخين وما بعدها من مخاطر أشدّ تودي بهم إلى مكان لا يليق بهم.

اقرأ أيضاً: اتفاقية سورية تركية.. أمل جديد لمرضى السرطان والقلب في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى