نفي التدخل في الشؤون اللبنانية.. ما الرسائل التي أراد الشرع إيصالها؟

بقلم: ديانا الصالح
في منطقة لا تزال تعيش خضّات الحروب المفتوحة والحدود الهشّة، يأتي نفي الرئيس السوري أحمد الشرع وجود أي نية بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية كرسالة سياسية تحمل أكثر من اتجاه، لا مجرد رد على شائعات متداولة.
وقد جاءتِ التصريحات ضمن كلمة ألقاها الشرع خلال لقائه وفداً من وجهاء وأعيان محافظة ريف دمشق في العاصمة دمشق، وبينما أعاد الحديث عن التدخل السوري في الشؤون اللبنانية إلى الواجهة ذاكرة مثقلة بتاريخ طويل من التعقيدات بين دمشق وبيروت، حرص الشرع على تقديم موقف واضح يقوم على احترام سيادة لبنان ورفض الانجرار إلى أي دور عسكري أو أمني.
نفي التدخل السوري في الشؤون اللبنانية
أكد الشرع أن سوريا لا تفكر بالتدخل في لبنان تحت أي ظرف، نافياً بشكل مباشر وقاطع ما يُتداول خلال الأيام الماضية حول وجود توجهات سورية للدخول في المشهد اللبناني، مؤكداً أن موقف دمشق يقوم على دعم الاستقرار في لبنان لا الانخراط في أزماته، وقال إن سوريا تدعو باستمرار إلى وقف الحرب وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وتوسيع مجالات الربط الاقتصادي بين البلدين إلى جانب العمل على تهدئة الأوضاع قدر الإمكان.
وتأتي تصريحات الشرع في وقت تتقاطع فيه مع مواقف أميركية أثارت تساؤلات بشأن الدور الذي قد يُطلب من دمشق أداءه في الساحة اللبنانية، خاصة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد ألمح مؤخراً إلى إمكانية الاستعانة بسوريا في مواجهة حزب الله قائلاً إنه يريد أن يحظى لبنان بـ”حياة أفضل” وإن واشنطن يمكن أن تساعد في ذلك أو “توصي سوريا” بالقيام بدور في هذا الاتجاه.
إلا أن حديث الشرع كان بمثابة تأكيد على تمسك دمشق بموقفها الرافض لأي تدخل سوري في الشؤون اللبنانية والتركيز بدلاً من ذلك على دعم الاستقرار والتعاون الاقتصادي، معتبراً أن شعوب المنطقة تحتاج إلى الاستقرار أكثر من حاجتها إلى المزيد من الصراعات.
إشارات أميركية متتالية تربط بين سوريا ولبنان
لم يوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب طبيعة المقصود بـ “المساعدة” التي ألمح إليها عن الملف اللبناني وما إذا كانت تتعلق فقط بضبط الحدود السورية اللبنانية وقطع طرق التهريب أو تتطور إلى دور سياسي أوسع يهدف إلى الضغط على حزب الله في لبنان.
إلا أن تصريحات ترامب جاءت ضمن حلقة من الإشارات الأميركية خلال الأشهر الماضية والتي ربطت بين الملفين اللبناني والسوري وسط تصاعد الضغوط الدولية التي تنادي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ومنع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية.
ففي وقت سابق كان المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص حينها توم باراك قد حذر من أن لبنان قد يواجه “تهديداً وجودياً” في حال فشلت الدولة في التعامل مع ملف سلاح حزب الله قائلاً في تصريحات صحفية: “إذا لم يتحرك لبنان فسيعود إلى بلاد الشام من جديد”، ثم عاود باراك الحديث عن ضرورة مقاربة لبنان وسوريا ضمن سياق واحد واصفاً البلدين بأنهما يشكلان سوية “حضارة رائعة” في إشارة اعتبرها محللون أنها تعبير عن رؤية أميركية أوسع للمنطقة.
أما في آذار الماضي فنقلت وكالة رويترز أن الولايات المتحدة شجعت سوريا على دراسة إمكانية إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، إلا أن دمشق أبدت تحفظاً واضحاً خشية الانزلاق ضمن صراع إقليمي وتفاقم التوترات الطائفية.
لاحقاً، نفى باراك تلك الروايات واصفاً ما يُتداول حول تشجيع واشنطن لسوريا على إرسال قوات إلى لبنان بأنه “غير دقيق وكاذب”، فيما يرى المدير التنفيذي لمركز جسور للدراسات وائل علوان في حديث صحفي له أن ما تم تداوله خلال الأشهر الماضية يحمل قدراً من المبالغة بشأن حجم الدور السوري المحتمل إلا أنه اعتبر أن تصريحات ترامب الأخيرة أظهرت أن الحديث عن “دور” دمشق ليس مجرد شائعة.
لماذا اكتسب نفي التدخل في الشؤون اللبنانية هذه الأهمية؟
تنبع أهمية التصريحات بمضمونها الآني والخلفية التاريخية للعلاقات السورية اللبنانية، فمجرد طرح فكرة التدخل السوري في الشؤون اللبنانية يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين البلدين، وذلك لما تحمله من أبعاد سياسية وتاريخية لا تزال حاضرة في الذاكرة اللبنانية والسورية على حد سواء.
ومن هذا المنطلق، حرصت دمشق على أن يكون النفي بشكل مباشر وغير قابل للتأويل في محاولة لقطع الطريق أمام أي قراءات تربط السياسة السورية الحالية بأدوار سابقة أو تفسر أي حالة من الصمت الرسمي على أنه قبول ضمني بالروايات المتداولة.
كما أن توقيت التصريح يكتسب دلالة إضافية فهو يأتي ضمن مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل التوازنات والعلاقات السياسية والحدود أيضاً، مما يجعل أي موقف صادر عن دمشق تجاه لبنان محط متابعة دقيقة بشكل محلي وإقليمي.
تأجيل ترسيم الحدود
إلى جانب نفي التدخل السوري في الشؤون اللبنانية تحدث الشرع عن ملف ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان، موضحاً أن هذا الملف ليس مطروحاً كأولوية في الوقت الراهن، على الرغم من أنه يعتبر من أكثر الملفات تعقيداً بين البلدين.
وصرّح الشرع: “في موضوع الحدود مع لبنان، لابدّ أولاً من الإشارة إلى أن لبنان يمر بمرحلة حساسة للغاية في ظل الضغوط المرتبطة بالحرب الإسرائيلية وتداعياتها، وهذا ينعكس بطبيعة الحال على سورية كما ينعكس كثيراً على الوضع اللبناني نفسه”، مضيفاً أن “ترسيم الحدود بين سورية ولبنان مشكلة عالقة منذ عام 1946، أي منذ قيام لبنان بصيغته الحالية، وهو ملف بالغ التعقيد”.
وإلى ذلك أوحى حديث الرئيس الشرع بأن دمشق تفضل التركيز حالياً على القضايا التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر وأبرزها الاستقرار والتعاون الاقتصادي والتنمية.
عقدة مزارع شبعا
رأى الشرع أن ملف مزارع شبعا يعتبر من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقة بين سوريا ولبنان خاصة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة وتباين المواقف حول تبعيتها السيادية، معتبراً أن الخوض في مسألة الملكية أو التبعية في الظروف الحالية لا يبدو واقعياً ما دامت المنطقة لا تزال خارج السيطرة الفعلية للدولتين.
وأشار إلى أن الطبيعة الجغرافية المتداخلة للقرى والمناطق الحدودية تفرض قدراً كبيراً من الحذر في التعامل مع الملف، محذراً من أن أي نقاش متسرع من شأنه أن يفتح الباب أمام خلافات جديدة في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التهدئة ومعالجة الملفات الأكثر أهمية بدلاً من إضافة بؤر توتر جديدة.
على الرغم من أن التصريحات جاءت رداً على شائعات محددة، فإن مضمونها حمل أبعاداً سياسية أوسع، لاسيما في ظل التشديد المتكرر على رفض التدخل في الشؤون اللبنانية وربط ذلك بأولويات تتصل بالاستقرار والتنمية وتعزيز التعاون بين البلدين.
اقرأ أيضاً: زيارة نواف سلام إلى دمشق: هل تفتح صفحة سورية – لبنانية جديدة في الأمن والتجارة؟









