سياسة

التدخل السوري في لبنان.. مصيدة أم مصلحة؟!

الكاتب: أحمد علي

أعاد دونالد ترامب في 17 حزيران 2026 طرح فكرة لم تكن دمشق ولا بيروت بحاجة إلى سماعها في لحظة كهذه، حين قال إنه ناقش مع الرئيس السوري أحمد الشرع إمكان مواجهة حزب الله داخل لبنان، ثم اقترح أن يترك كيان الاحتلال الإسرائيلي هذا الملف لسوريا. جاء الكلام بعد حرب دفعت أكثر من 1.2 مليون شخص إلى النزوح في لبنان بحلول مطلع حزيران، وفي وقت كانت الدولة اللبنانية تبحث عن انسحاب إسرائيلي وعن طريقة لحصر السلاح بيد مؤسساتها.

تجاوزت الفكرة مستوى التصريح العابر، لأن وكالة رويترز كانت قد نقلت في 17 آذار عن خمسة مصادر مطلعة أن واشنطن شجعت دمشق على دراسة عملية في شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله. المبعوث الأميركي توماس باراك نفى لاحقاً صحة هذا التقرير، فيما أكدت دمشق أن التعزيزات على الحدود دفاعية وأنها لا تخطط للدخول إلى لبنان. وهذا التناقض بين التسريبات والنفي والتصريحات العلنية أبقى الاحتمال حاضراً في النقاش السياسي، حتى من دون وجود قرار أو خطة معلنة.

التدخل السوري في لبنان يعود إلى النقاش

عاد الملف إلى الواجهة مجدداً خلال لقاء الرئيس اللبناني جوزاف عون بترامب في واشنطن في 21 تموز. ناقش الطرفان انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح حزب الله ودعم الجيش اللبناني، ثم أشار ترامب إلى أن سوريا قد تؤدي دوراً من دون أن يشرح طبيعته. المعلن حتى الآن لا يتضمن طلباً لبنانياً لدخول قوات سورية، ولا اتفاقاً عسكرياً يحدد مهمة أو زمناً أو غطاءً قانونياً.

الموقف السوري المعلن اتجه في مسار آخر. فقد نفى أحمد الشرع الشائعات عن دخول قوات سورية إلى لبنان، وأبلغ المسؤولين اللبنانيين أن دمشق تحترم سيادة بلدهم ولا تريد التدخل في شؤونه الداخلية. وعندما زار وزير الخارجية أسعد الشيباني بيروت في 2 تموز، تحدث عن تعاون مؤسسي بين البلدين، وقال إن سوريا مستعدة للقاء حزب الله إذا اقتضت المصالح ذلك. ودلالة الزيارة كانت سياسية، لأنها أعادت الاتصال المباشر مع الدولة اللبنانية وقدمت الحوار بديلاً عن التحرك العسكري.

توجد بين البلدين مصالح أمنية لا يمكن تجاهلها. والحدود الطويلة استُخدمت خلال سنوات الحرب لتهريب السلاح والمقاتلين، وأي انهيار أمني في البقاع أو في المناطق الحدودية يمكن أن ينتقل سريعاً إلى الداخل السوري. لكن معالجة هذه المخاطر تبدأ بالتنسيق بين الجيشين وضبط المعابر وتبادل المعلومات، ولا تستدعي تلقائياً عبور قوات إلى الأراضي اللبنانية.

ذاكرة التدخل وحدود القرار

تحمل عبارة التدخل السوري في لبنان معنى ثقيلاً لدى اللبنانيين والسوريين معاً. إذ دخلت القوات السورية لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، ثم استمر وجودها ونفوذها السياسي والأمني إلى أن اكتمل الانسحاب العسكري في 26 نيسان 2005. أكد مجلس الأمن في القرار 1559 احترام سيادة لبنان ووحدته واستقلاله السياسي، ودعا إلى انسحاب القوات الأجنبية، ثم تحققت الأمم المتحدة من خروج القوات والمعدات العسكرية السورية.

هذه الذاكرة تضع أي حكومة سورية جديدة أمام مسؤولية مضاعفة. فالدولة التي تقول إنها تريد تغيير علاقتها بجيرانها لا تستطيع التعامل مع لبنان باعتباره مجالاً تابعاً لها، حتى عندما تكون المخاطر الأمنية مشتركة. كما أن الجيش السوري ما زال منشغلاً بإعادة تنظيم نفسه وضبط الداخل وحماية حدود البلاد، بينما تتواصل التوغلات والضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. فتح جبهة خارجية في هذا الوضع يضيف التزامات لا تملك دمشق التحكم بمسارها أو توقيت انتهائها.

في حلقة من برنامج «وسط البلد» مع زيدون الزعبي، وضع الدكتور عبيدة نحاس النقاش ضمن هذا الحد الفاصل. قال نحاس: نحن في سوريا نرى لبنان في قلوبنا، ولا تملك سوريا رفاهية التفرّج على لبنان، لأننا أمة واحدة ومطالبنا الواحدة هي أن البلدين يبحثان عن الاستقرار. نحن في سوريا يجب أن نحتضن لبنان وأنا ضد التدخل العسكري لسوريا في لبنان.

وأضاف نحاس: أخطر فكرة يطرحها ترامب هي التدخل العسكري لسوريا في لبنان. وأي دخول عسكري سوري للبنان هو عملياً حمل لجزء من العبء الاسرائيلي في لبنان. صانع القرار الأمريكي يتعامل معنا كأوراق. مشيراً إلى أن التورط السوري في أي ملف خارجي هو عودة للعقيدة السياسية التي خرج السوريون ضدها. «النظام السابق أجرم في عدة دول (منها لبنان). وأهم تغير جرى في سوريا بعد سقوط النظام هو تغيير العقيدة السياسية وينبغي الالتفات لشؤوننا ومصالحنا وشعبنا وحماية جيراننا».

وميّز الدكتور عبيدة ما بين التدخل العسكري والسياسي لسوريا في لبنان، فبينما رفض الأول رأى أن الثاني ممكن عبر ما اعتبره تيسير للحوار بين الأطراف اللبنانية.

التحذير نفسه ظهر بصيغ مختلفة لدى مشاركين آخرين في الحلقة. رأى عضو الرئاسة في حزب الإرادة الشعبية مهند دليقان أن دخول الجيش السوري يمكن أن يعيد شحن الانقسام المذهبي داخل البلدين ويوسع المواجهة إلى ساحات أخرى وأنه مصيدة ومقتلة لشعوب المنطقة بما فيها الشعبين السوري واللبناني.

واعتبر الدكتور ربيع بركات أن أي ترتيب أمني لا يضع انسحاب إسرائيل وسيادة لبنان في مركزه قد ينقل الصراع إلى الداخل اللبناني.

أما الكاتب اللبناني أسعد بشارة فقبل بدور سوري سياسي يساعد على الحوار وضبط الحدود، شرط أن يقوم على احترام سيادة لبنان والتخلي عن ممارسات المرحلة السابقة.

الدور الممكن دون عبور الحدود

يعطي الإطار القانوني القائم الأولوية للدولة اللبنانية. القرار 1701 ينص على نشر الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة في الجنوب، وعلى خلو المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني من السلاح والقوات غير التابعة للدولة اللبنانية أو اليونيفيل. كما شدد جوزاف عون أمام ترامب على أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ضروري لكي تبسط الدولة سلطتها بواسطة قواتها. إدخال جيش دولة أخرى إلى هذه المعادلة يحتاج إلى قرار لبناني صريح وترتيب معلن، وهو أمر غير موجود في المعطيات المنشورة.

تستطيع دمشق حماية مصالحها من دون عملية عسكرية. يبدأ ذلك بإغلاق طرق التهريب من الجانب السوري ووضع آلية ثابتة للتنسيق الحدودي مع بيروت، بحيث تعالج الحوادث قبل أن تتحول إلى اشتباكات. ويمكن للدبلوماسية السورية أن تساعد في فتح قنوات بين الأطراف اللبنانية عندما تطلب الدولة اللبنانية ذلك، خصوصاً أن دمشق تملك معرفة مباشرة بتوازنات البلد وبالعلاقة المعقدة بين حزب الله ومؤسسات الدولة.

يبقى العامل الأميركي جزءاً من المشكلة. واشنطن تبحث عن جهة تتحمل المهمة الصعبة المتمثلة في نزع سلاح حزب الله، بينما تريد إسرائيل الاحتفاظ بحرية العمل العسكري إلى أن تعتبر التهديد منتهياً. تكليف سوريا بهذه المهمة يمكن أن يخفف العبء عن الطرفين، لكنه ينقل الكلفة السياسية والعسكرية إلى بلد يحاول الخروج من حرب طويلة. كما يمنح التدخل الإسرائيلي في لبنان غطاءً غير مباشر، لأن القوات السورية ستجد نفسها تقاتل خصماً يتعرض في الوقت نفسه لضربات إسرائيلية.

الضغط الإقليمي سيستمر ما دام الاتفاق بين لبنان وإسرائيل متعثراً وما دام سلاح حزب الله خارج تسوية داخلية مقبولة. ومع ذلك، لا يظهر في الوقائع المتاحة أن التدخل السوري في لبنان أصبح سياسة رسمية أو خياراً قريباً. الموجود هو طرح أميركي متكرر، وتحفظ سوري معلن، ورفض لبناني لأي وصاية جديدة، إلى جانب حاجة حقيقية إلى تعاون أمني وسياسي بين البلدين.

ختاماً، التعاون بين دمشق وبيروت ضروري لحماية الحدود ومنع انتقال الحرب، لكن عودة الجيش السوري ستعيد إنتاج مشكلة أقدم من الأزمة الحالية. مسؤولية حماية لبنان تقع على مؤسساته، ومصلحة سوريا تقتضي أن تركز مواردها على استعادة سيادتها وبناء دولتها. أي دور يتجاوز ذلك يحتاج إلى موافقة لبنانية واضحة ومصلحة سورية مثبتة، لا إلى رغبة أميركية في توزيع أعباء الصراع.

اقرأ أيضاً: وضع حد أقصى لأجرة العامل السوري في لبنان: العودة أم تحمل العنصرية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى