التحويلات الخارجية إلى سوريا: شريان نجاة أم قيدٌ على التعافي؟

الكاتب: أحمد علي
في الأزقة التي تعلّمت العيش على إيقاع الانقطاع، يصل صوت بعيد يشبه الخفقة الأولى للقلب: رسالة قصيرة تُعلن وصول حوالة. ليس مبلغاً كبيراً في العادة، لكنه كافٍ لتغيير مزاج بيتٍ كامل؛ يُشعِل المولِّد ساعةً إضافية، يملأ ثلاجةً ببعض الأساسيات، ويؤجِّل قراراً قاسياً كان على وشك أن يُتخذ. طيلة سنوات الحرب، صارت التحويلات الخارجية إلى سوريا أكثر من مجرّد تحويلات نقدية؛ تحوّلت إلى قصص يومية عن الصبر والبقاء، وإلى مرآة تعكس هشاشة الاقتصاد ومرونة المجتمع في آنٍ معاً.
التحويلات الخارجية إلى سوريا: كيف أبقت ملايين الأسر على قيد الحياة
لا يمكن فهم الاقتصاد المنزلي السوري من دون هذا الشريان اليوم. إذ تُظهر تقديرات البنك الدولي ومسوح الأسر أن ما يقرب من 37٪ من الأسر تلقّت تحويلات في عام 2022، بمتوسط يقارب 57 دولاراً شهرياً، وأن تلقي التحويلات ارتبط بانخفاض احتمالية الفقر المدقع بنحو 12 نقطة مئوية. وهذه ليست تفاصيل؛ بل إنها الفارق بين دواءٍ يُشترى وآخر يُؤجَّل، وبين وجبةٍ كاملة وأخرى مقتطعة.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، تشير قواعد بيانات التجارة والتنمية إلى أن نصيب التحويلات من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بلغ نحو 8.4٪ في 2023، ما يعني أنّ التحويلات لم تكن هامشاً صغيراً، بل جزءاً وازناً من الدخل القومي في ذروة الأزمة.
ماذا تغيّر بعد سقوط السلطة؟
بعد سقوط سلطة بشار الأسد في كانون الأول 2024، تبدّلت البيئة المالية سريعاً. خفّفت جهات دولية قيودها، وانفتح المسار المصرفي تدريجياً، وصولاً إلى إعادة ربط المصارف السورية بشبكة سويفت وإتمام أول تحويل مصرفي دولي منذ أعوام في منتصف 2025.
فتح ذلك الباب أمام انتقال جزء معتبر من التحويلات من القنوات غير الرسمية إلى القنوات المصرفية، بما يعني خفض كلفة التحويلات وارتفاع الشفافية وإمكانية تتبُّع التدفقات واستثمارها. ورغم أن قياس الأثر على الاستهلاك النهائي ما يزال مبكراً، توحي الدلائل بتحوّل تدريجي من إنفاقٍ يهدف حصراً إلى سدّ الجوع والطاقة نحو إنفاق يعيد بناء القدرة المعيشية: تصليح المعدات المنزلية، شراء الأدوات الإنتاجية الصغيرة، والاستثمار في تعليم الأبناء. ونجاح هذا المسار يظل مرهوناً باستدامة الانفراج المالي واستقرار سعر الصرف.
دروس من لبنان ومصر والفلبين
ليست سوريا وحدها التي اعتمدت وتعتمد على التحويلات بظل واقع اقتصادي صعب. ففي لبنان مثلاً، تلقّى البلد في عام 2023 نحو 6.7 مليارات دولار من التحويلات، بما يعادل 30.7٪ من ناتجه – ثالث أعلى نسبة في العالم – وهو مثال صارخ على كيف يمكن أن تتحوّل التحويلات إلى «قارب نجاة» جماعي، لكنه أيضاً مثال على هشاشةٍ تجعل الاقتصاد رهينة لدورات الهجرة وأسواق العمل في الخارج. في مصر، وصلت التحويلات في 2023 إلى نحو 29 مليار دولار، أي قرابة 5٪ من الناتج، ومع التحوّل إلى القنوات الرقمية صارت التحويلات أداةً لتعزيز الشمول المالي وخفض الكلفة على المرسلين والمتلقين.
أما الفلبين، فاستقبلت نحو 39 مليار دولار في 2023، وبقيت التحويلات عند نحو 8–9٪ من الناتج لاحقاً، لتغدو جزءاً بنيوياً من الطلب المحلي وتمويل التعليم والصحة والإسكان، مع سياسات عامة تسعى لتوجيه جزء من التدفقات نحو الادخار والاستثمار الأسري.
وهنا يكمن مكمن الخطر: حين تتجاوز التحويلات نسباً عالية من الناتج، يصبح الاقتصاد الوطني حساساً لتقلبات لا يملك التحكّم بها – تباطؤ عالمي، تغيّر سياسات الهجرة، ركود في دول المقصد. ورغم بطئها في 2023، ما تزال التحويلات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل أكبر من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات مجتمعة، ومن المتوقع أن تبلغ نحو 671 مليار دولار في 2024 ثم 690 ملياراً في 2025. أما متوسط كلفة إرسال 200 دولار عالمياً فيدور حول 6.4٪ بنهاية 2023، مع تباينات إقليمية تصل إلى نحو 5.8٪ في جنوب آسيا. وهذه الفروق في الكلفة تتحوّل مباشرةً إلى دخلٍ إضافيّ للأسر عندما تُخفَّض عبر سياسات التنافسية والرقمنة.
كيف نحوِّل التدفق إلى استثمار؟
الخطوة الأولى هي تثبيت مسار «التطبيع المالي» بعد الانفتاح: إذ إن إتاحة التحويلات الخارجية إلى سوريا عبر المصارف المرخّصة والقنوات الرقمية يُقلِّص الاعتماد على الحوالة التقليدية، ويخفض الكلفة، ويزيد الأمان. كل نقطة مئوية تُقتطع من الكلفة تتحوّل مباشرةً إلى إنفاق محليّ أو ادخار. ومع إعادة فتح القنوات، يمكن للسلطات النقدية أن تطوّر آلية شفافة لسعر الصرف الخاص بالتحويلات، تضمن وصول كامل المبلغ إلى الأسر، وتدمج جزءاً من التدفقات في الاحتياطي من دون فرض اقتطاعات جبرية تُقوِّض الثقة.
الخطوة الثانية هي الانتقال من «الاستهلاك الوقائي» إلى «الاستثمار المنزلي الصغير». يمكن أن تقدّم المصارف والمؤسسات متناهية الصغر منتجاتٍ مرتبطة بالتحويلات: حسابات ادخار مضمونة بالدخل المنتظم من الخارج، قروضاً إنتاجية صغيرة تُسدَّد من التحويلات، وتأميناً صحياً وتعليمياً مُدعَّماً. التجارب الإقليمية تُظهر أن ربط التحويل بمنتجات مالية بسيطة يرفع الشمول المالي ويخلق أثراً تراكمياً يتجاوز الاستهلاك اليومي.
الخطوة الثالثة هي تعبئة المغتربين كقوة استثمارية: سندات ادخار للمغتربين بقيم صغيرة وبعوائد سوقية، وصناديق مشتركة للمشاريع المحلية في القطاعات كثيفة العمالة كالأغذية والمواد الإنشائية والخدمات، مع ضمانات ائتمانية جزئية من شركاء دوليين لخفض المخاطر. ويمكن للحكومات المحلية والبلديات أن تلعب دور «المنسّق» عبر حاضنات أعمال تستقبل تحويلات المغتربين كمبالغ تأسيسية لمشاريع صغيرة، فتُخلق وظائف غير قابلة للاستيراد.
الخطوة الرابعة هي الحوافز الذكية: إعفاءات ضريبية جزئية على أرباح المشاريع المموّلة بتحويلات موثّقة، وبرنامج مطابقة «دولار مقابل دولار» في المحافظ الفقيرة لتوجيه التحويلات الخارجية إلى سوريا نحو مشاريع بنى أساسية مجتمعية صغيرة – شبكات مياه محلّية، أسواق شعبية حديثة، معامل توضيب زراعي – على أن تُربط الحوافز بمؤشرات أداء واضحة مثل عدد الوظائف واستدامتها.
وأخيراً، الشفافية. نشر بيانات شهرية عن التدفقات عبر القنوات الرسمية، وتكاليف التحويل بحسب القنوات، وحصص الادخار والاستثمار، يخلق حلقة ثقة بين المُرسِل والمتلقي وصانع السياسات، ويتيح تصحيح المسار قبل أن تتصلّب الأعراف. لا يكفي أن تتدفّق الأموال؛ الأهم أن يثق الناس بأن إدارة هذه الأموال عادلة وفعّالة.
ختاماً، وبحكم عمق الازمة التي تعيشها سوريا ستظلّ التحويلات الخارجية إلى سوريا لزمن قادم شرياناً ضرورياً يربط الداخل بالشتات.
لكن السؤال الحقيقي ليس كم يدخل، بل كيف يُستخدم. فحين تتحوّل الحوالة من «أكسجين» يومي إلى «عضلة» إنتاجية تُبنى عليها قدرة الأسر على الاستقلال، يتحوّل التدفق من قيدٍ على التعافي إلى قوة تعافٍ بحد ذاته. والفرصة موجودة: قنوات مصرفية تتوسع، أدوات رقمية تنخفض كلفتها، ومغتربون راغبون فيما هو أبعد من الاستهلاك الوقتي.. على أمل أن تنهض البلاد مجدداً وأن يستطيع من يسكنها أن يعيش دون سند خارجي، فهذا الأهم والأفضل للبلاد والعباد!
اقرأ أيضاً: حذف صفرين من الليرة السورية: خطوة رمزية أم إصلاح نقدي فعلي؟!









