التحول الطبقي في سوريا: كيف غير الغلاء مفهوم الرفاهية؟
ماذا خسر المجتمع السوري من التحول الطبقي الأخير في البلاد؟

بقلم: ريم ريّا
خلال السنوات الأخيرة شهدت سوريا منعطفاً مفصلياً في التحول الطبقي، انعكس بوضوح على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم، فالبنية الطبقية الاجتماعية في البلاد تحولت جذرياً وباتت شبه منهارة. بعد أن كانت شريحة واسعة من السوريين، تحديداً في المدن الكبرى، تنتمي إلى طبقة وسطى قريبة إلى حدٍ ما من الرفاهية، استطاعت لعقود أن تؤمن حياةً مستقرةً من التعليم الجيد إلى الخدمات المقبولة.
بدأت الطبقات في سوريا تتآكل تدريجياً تحت ضغط الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والحرب الطويلة التي استنزفت البلاد على مدار عقدٍ من الزمن. تدهورت قيمة الليرة السورية بشكل سريع، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني وغير مسبوق بالتزامن مع تقلص في فرص العمل، ما انعكس على تراجع القدرة الشرائية. كل تلك العوامل دفعت المواطن السوري إلى مواجهة واقع اقتصادي مرير وغير مسبوق، جعل من الحفاظ على مستوى المعيشة السابق أمراً شبه مستحيل. فاليوم يعيش معظم السوريين حالة من القلق المعيشي، بعد أن تراجعت الطبقة الوسطى خلال سنين الحرب واقتربت من حدود الفقر، وتحول مفهوم “الرفاهية” إلى حلم بعيد المنال أو قصة من الخيال يصعب تحقيقها في مشهد يصف أحد أبرز التحولات الاجتماعية التي عَصفت بالمجتمع السوري في تاريخه الحديث. في هذا المقال سنعرض بشكل بسيط حال الطبقات في السنوات الماضية مروراً بما قبل عام 2011، لنشير إلى معيار قياس الطبقات في البلاد، وكيف انتقلت سوريا من الكماليات إلى الضروريات وأُعيد تعريف مفهوم الرفاهية بالوعي الشعبي، وصولاً إلى الهوية الطبقية الحالية للبلاد.
الصراع الاجتماعي المستتر في سوريا .. بوابة التحول الطبقي
السياسة السابقة في سوريا كانت تعمل على إنتاج الطبقات والتوازنات فيما بينها، وحتى داخل كل وحدة منها، وذلك من أجل ضمان تبعية القطاعات الشعبية عن طريق استمرار السيطرة على ممثلي الطبقات الاجتماعية.
اعتمد النظام السابق سياسة “الليبرالية” و”النيو ليبرالية” الاقتصادية البطيئة المختلطة مع الفساد، وغياب الربح وسوء الإدارة، ما أدى إلى تحويل القطاع العام إلى قطاع منهوب من طبقة معينة مقربة من السلطة، مع الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة بطريقة شكلية. استمرت سياسة التخريب المتبعة من النظام السابق وإطلاقه سياسة النيو ليبرالية الاجتماعية، لصالح البرجوازية الكبيرة السورية تحت مسمى “اقتصاد السوق الاجتماعي”، واستخدم الخصخصة لسرقة لقمة العيش، وإثراء أشخاص مقربين منه على حساب شعب بأكمله. فالحراك الشعبي في سوريا عام 2011 كان في بعض جوانبه انعكاساً للتفاوت الحاد بين الطبقات الاجتماعية، والتهميش الكبير لبعض فئات المجتمع.
بالرغم من أن الطبقة الوسطى في سوريا آنذاك كانت تضم المعلمين والمهندسين والأطباء وغيرهم من النخب المجتمعية، وكانت تشكل عامود المجتمع السوري، ورغم توفر سبل الحياة إلا أنها كانت تكافح من أجل العيش ولو بمستويات أقل من باقي الطبقات.
قبل عام 2011 لم تكن الحياة وردية والمستوى الاجتماعي عالٍ جداً والرفاهية متراكمة، كما كانت تسوق رواية النظام السابق لإحباط وتبديد مطالب الحراك الشعبي بالعدالة الاجتماعية والمساواة. فوفقاً لتقرير أورده مركز السياسات الدولية من أجل النمو الشامل، كانت نسب الفقر في سوريا قبل عام 2011 متزايدة، خاصة في السنوات القليلة التي سبقت الأزمة، حيث شهد عام 2004 معدل فقر عام بلغ حوالي 30.1%، بينما معدل الفقر المدقع فقد بلغ 11.4%. وبعد ذلك ارتفعت هذه المعدلات، لتصبح 33.6% و12.3% لكل من الفقر العام والفقر المدقع على التوالي، أما عن عام 2009 فتشير التقديرات إلى أن نسبة الفقر المدقع ارتفعت إلى 14.85%.
بين عامي 2000 و2010 شهد اقتصاد سوريا ارتفاعاً في الناتج المحلي الإجمالي بلغت نسبته 4.3%، ولكن الأمر المهم هو أن معدل التضخم السنوي كان أكبر من هذا الرقم حيث بلغ 4.9%. أما الميزان التجاري فقد كان يواجه عجزاً متزايداً في تلك الفترة، حيث وصل العجز في الميزان التجاري خلال عام 2006 إلى 26.3 مليار ليرة سورية، واستمر في التزايد ليبلغ 131 مليار ليرة في عام 2008.
في عام 2000، كانت هناك فجوة كبيرة بين الأجور وتكاليف المعيشة، حيث كان الحد الأدنى الرسمي للأجور يبلغ 3,045 ليرة سورية، بينما كان الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الشهرية لأسرة من خمسة أفراد تصل إلى 18,180 ليرة سورية، أي ما يُعادل ستة أضعاف. ويشار أيضاً إلى أن هذه الفجوة بدت جلية في توزيع الدخل الوطني، حيث كانت الأجور تحظى بنسبة 21% فقط، مقابل 79% لصالح الأرباح، وفي الفترة بين 2004 و2009 ازداد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً، وذلك على حد وصف الاتحاد العام لنقابات العمال حينها، وكان السبب في ذلك هو انخفاض حصة الأجور، والتي تمثل معظمها عمالة ريفية، من الدخل القومي: من 41% في عام 2004 إلى 33% في عام 2009.
أما عام 2010 الذي سبق الحراك، كانت نسبة البطالة في البلاد بحدود 25%، وذلك خلافاً لما أعلنت الدولة عنه حينها والتي قدرتها بـ 8.6%، في حين بلغت نسبة البطالة بين فئة الشباب في حينها حوالي 48% والتي تركز معظمها في المناطق الريفية. وكنا قد أفردنا مقالاً كاملاً عن كيف تسبب الفقر بإشعال شرارة الحراك الشعبي في البلاد.
اقرأ أيضاً: سوق العمل في سوريا بين الواقع والاحتمالات المستقبلية
من الكماليات إلى الضروريات.. كيف تغير المناخ الطبقي في البلاد
التحول العميق الذي ضرب سوريا في بنيتها الطبقية والاجتماعية، أدى إلى تحول في درجات المقاييس التي ترسم شكل الطبقة الاجتماعية وتحددها. فباتت الطبقات تحدد بمدى قدرة الناس على التحمل لا بمستوى الدخل أو نوع المهنة كالسابق أو حتى نمط الاستهلاك. فامتلاك منزل أو سيارة أو حتى دخل ثابت، لم تعد مقاييساً للانتماء إلى الطبقة الوسطى، بل أصبح هذا المقياس يُختزل في قدرة الأسر السورية على الصمود أمام الغلاء الفاحش الذي استباح جيوب السوريين، ومعركة الاستمرارية في شراء الحاجات دون السقوط في فخ العوز.
مع انهيار الليرة السورية وقيمتها بشكل غير مسبوق ومتسارع، والارتفاع الجنوني بالأسعار إلى مستويات خيالية، تلاشت الفوارق الطبقية بين “الطبقة الدنيا” و”الطبقة المتوسطة”، بل إنها تبخرت حتى صار الحد الفاصل ما بينها “القدرة على العيش” أو “العجز عن الاستمرار”.
المنعطف الأبرز في هذا التحول الطبقي هو عام 2020، بعد سنوات الحرب والهدوء على محور القتال وأطنان من الضغوط الاقتصادية، دخلت البلاد مرحلة الانهيار الفعلي، فالعقوبات تم تشديدها عبر قانون قيصر، المصادر الإنتاجية تقلصت والاستيراد تعرقل، أما القدرة الشرائية للمواطن السوري فانهارت إلى حدود لم تكن مسبوقة على الإطلاق.
بحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء لعام 2023، ارتفعت تكاليف المعيشة في سوريا بنسبة 1920 في المئة مقارنة بعام 2020، حيث أنفقت الأسرة السورية، التي تتكون من 5 أفراد، يوميا ًحوالي 59,842 ليرة سورية على استهلاك السلع والخدمات، ما يعادل 1,795,252 ليرة شهرياً.
فأصبح المواطن السوري وسط السلع المفقودة أو الشحيحة والدخل المنخفض، والضربات الاقتصادية المتتالية يقيس رفاهيته بقدر ما يستطيع أن يؤمن من كفاف يومه. فالأمور التي كانت في سنوات خلت من الكماليات وخارج حسابات أغلب المواطنين في البلاد، من البنزين المتوفر على الدوام، والكهرباء التي لا تنقطع إلا لحالات الطقس العاصف أو الأعطال المتفرقة، وطبق اللحوم ضيف المائدة في مرات متعددة من الشهر … كلها تبخرت وباتت ضروريات يسعى المواطن السوري بأقصى ما يملك للحصول عليها. فاصطف بالساعات من أجل ليتر من البنزين، وسعى جاهداً لتأمين بدائل عن الكهرباء واستبدل اللحوم بأطباق بسيطة تكفي يومه. هكذا أعيد تعريف “الرفاهية” في الوعي الشعبي السوري، ليصبح مفهوم الرفاهية مرادفاً للحد الأدنى من العيش بكرامة.
فالرفاهية في هذه البلاد باتت فضفاضة عليها، ولم تعد رمزاً للاستهلاك المفرط بل دليلاً للبقاء في وجه واقع اقتصادي خانق، ومؤشراً على الصمود في وطنٍ انقلبت فيه الموازين حتى بات امتلاك الأساسيات حلماً مؤجلاً.
اقرأ أيضاً: أزمة السيولة في سوريا مستمرة.. هل تتولى العملة الجديدة الإنقاذ؟
ثقافة البدائل تَلبست المجتمع.. وماذا خسر من انهيار طبقاته؟
نشأت “ثقافة البدائل” في سوريا نتيجة الانهيار الاقتصادي العميق، وهي ثقافة جديدة فرضتها الضرورة وأصبحت روتيناً جديداً في حياة الشعب السوري اليومية. فاستبدل هذا الشعب الكثير من حاجاته ليعيش، وانتقل من معايير الراحة والجودة إلى معايير البقاء والاستمرارية. فالقهوة المستوردة استبدلت بالبن المحلي المخلوط، والقيم الغذائية كاللحوم والأسماك استبدلت بالحبوب والبقوليات التي بتات وجبة رئيسية لمختلف الأسر، والثياب الفارهة والماركات الأجنبية القيّمة استبدلت بالمحلية أو المستعملة. حتى التدفئة التي كانت من أقل المسلّمات في فترة من الفترات باتت تعتمد على بدائل توفرها الطبيعة والمخلفات: من الخشب إلى البلاستيك المحروق وحتى قشور الفستق لم تسلم من إعادة التدوير. البدائل لم تقتصر على سبل العيش بل وصلت إلى الخدمات كالتعليم والطب وحتى المواصلات، كلها استبدلها المواطنون ببدائل تتماشى مع قدرتهم المالية.
فوُلدت هوية طبقية جديدة في سوريا من ركام الأزمات، وهي ليست طبقة بالمعنى الاقتصادي، بل أقرب إلى أن تكون حالة اجتماعية تجمع السوريين الذين يتشاركون المعاناة ذاتها والسباق اليومي لابتكار طرق للعيش. فلم يعد هناك فرق بين صاحب المهنة الحرة أو الموظف أو العامل البسيط فكلهم يتساوون أمام انقطاع الكهرباء، وغلاء الوقود، وشح الغذاء.
مُني المجتمع السوري بخسارة كبيرة جراء هذا التحول الطبقي، خسارةٌ تتعدى تراجع مستوى المعيشة لتمس بنيته وقيمه ووعيه. فمع تآكل الطبقة الوسطى، لم يختفِ الدخل المتوسط فقط، بل انهار العامود الفقري الذي كان يحافظ على توازن المجتمع، فكانت هذه الطبقة الخزان الثقافي والأخلاقي للبلاد، وكانت توازن بين الغنى الفحش والفقر المدقع. طبقة تقوم على “الاستقرار”، ومع تراجعها تفكك المجتمع.
ناهيك عن تأثير هذا التحول على منظومة القيم اليومية التي تراجعت، فكثير من الجيل الجديد بات ينظر للاجتهاد على أنه مضيعه للوقت والطموح الفردي تحول من السعي إلى تحقيق الذات إلى محاولة النجاة وأول سبيل لذلك الهجرة، فكان انهيار هذه الطبقة من أحد الأسباب المشجعة على الهجرة. إلى جانب تأثر الروابط الاجتماعية والعائلية بانهيار هذه الطبقات، فباتت علاقات الناس تقاس بما يمكن أن يقدمه الآخر من دعم مادي لا بما يجمع البشر من علاقات إنسانية قائمة على العاطفة والتضامن. فانكفأ كلٌّ على نفسه، يلاحق لقمة عيشه وسط دوامة معيشية تبتلع كل شيء.
أما على مستوى الوعي السوري، فالمجتمع خسر ثقته بذاته ومستقبله، فلم يعد الحلم الجمعي يتمحور حول الازدهار، بل حول البقاء ضمن الحدود الدنيا للكرامة. التحول الطبقي وَلّد انكساراً داخلياً وإن لم يكن ملموساً مادياً، لكنه واضح وجلي في سلوكيات المواطنين في سوريا. وهذا أخطر ما تركه التحول الطبقي وانهيار الطبقات في البلاد، فحوّل السوريين من فاعلين إلى متلقين، ومن طامحين مثابرين إلى متأقلمين خامدين، ومن أصحاب مشاريع إلى منقبين عن حلول آنية للإنقاذ.. فبذلك كله ذَبلت روح المجتمع السوري.









