التبغ “ذهب الساحل” بين رياح الأزمات وأوتاد الخصخصة .. هل من مُستقر؟

إعداد: ريم ريا
التبغ من المحاصيل الاستراتيجية في سوريا والمُدرّة للأرباح، بأصنافه المختلفة يَفرض التبغ نفسه بأنه أحد المحاصيل المميزة ذات الأهمية الاقتصادية. انتشرت زراعته منذ بداية القرن الماضي في سوريا، وقطعت الزراعة شوطاً كبيراً للوصول لإنتاج يتلاءم مع المجهود المبذول في الرعاية. تركزت زراعته بشكل أساسي في الساحل السوري حيث تتزين الأراضي الزراعية الساحلية بشتلات التبغ المتلألئة تحت أشعة الشمس لتصبغ مناطق زراعتها بلَون كَلون الذهب، ليكون التبغ “ذهب الساحل”.
ومع إحداث المؤسسة العامة للتبغ التي تشرف على زراعة وتسويق المحصول من المناطق المختلفة حسب خُطط وبرامج معدّة مسبقاً، ازدهرت زراعة هذا المحصول وانتعش إنتاجه تبعاً لها، فالتبغ بمجمل أصنافه ساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في البلاد من خلال تشغيل اليد العاملة ورفع مستوى المعيشة الاجتماعية، وما عزز من دفعه للحركة الاقتصادية قابليته للزراعة في أراضي متباينة الخصوبة والبيئات.
يصنف التبغ على أنه من المحاصيل ذات الثقل الاقتصادي، فعندما يُلقى بالتبغ في مهب الأزمات والتحولات السياسية والاقتصادية، فإنه يضع أمامنا تساؤلات منهمرة تبحث عن أرضٍ عطشى للإجابة تَروي بها تَوهان التبغ وما عاناه خلال سنوات الصراع، ويَفرض علينا تحليلات ومناقشات ترشدنا للخروج من متاهة الخصخصة التي فرضت على التبغ حتى بات إنتاج هذا القطاع مترنحاً بين سنوات فائتة من الازدهار وماضٍ قريب متخبط، وحاضرٍ تائه، ومستقبلٍ مجهول.
في مقالنا هذا سنسلط الضوء على واقع التبغ وما رافقه من إشكاليات في الزراعة وغيرها، وموقعه من تجار الحرب، وعن حال المزارعين ما قبل الخصخصة وما بعدها، وهل يمكن أن يعاد لهذا المحصول دوره الوطني الاقتصادي في البلاد بعد أن أنهكتها الحرب؟
مناطق تركز زراعة التبغ في سوريا وما أنواعه؟
تبدأ زراعته مع بداية فصل الربيع، وتتنوع بين المحلي والمستورد وما يناسب طبيعة المنطقة المزروع فيها. يحتل التبغ المرتبة الرابعة في قائمة المستوردات السورية، وشَاطَرَ الساحل السوري كل من سهل الغاب ومصياف وحمص ودرعا زراعته. في حين أوضح مدير التخطيط والإصلاح الزراعي الدكتور سعيد إبراهيم في آخر تصريحاته الإعلامية أن زراعة المحصول تتركز أبرزها في طرطوس بنسبة 81.4% من إجمالي المساحة المزروعة، تليها اللاذقية بنسبة 9.9% ثم الغاب بنسبة 5% فحماة بنسبة 2.4% وحمص 0.7% وحلب بنسبة 0.6%. أما من ناحية الإنتاج سَجل الغاب أعلى إنتاجية 3.1 طن بالهكتار، بينما باقي المحافظات تراوحت إنتاجيتها بين 0.6 – 2.2 طن بالهكتار، موضحاً نسبة الأراضي المروية المزروعة بالتبغ بلغت 14% أما الأراضي البعل التي تعتمد على الأمطار “المطرية” بلغت 86%.
بدوره لفت إلى أن المساحة المخططة للمحصول بلغت “8678” هكتاراً، فيما بلغت المساحة المزروعة لتاريخه “3666” هكتاراً، أي أن نسبة التنفيذ 42 بالمئة علماً أن الزراعة ما تزال مستمرة، عازياً انخفاض نسبة التنفيذ إلى موسم الجفاف هذا العام الذي يعصف بأغلب المحاصيل الزراعية في البلاد، بالإضافة إلى عدم نجاح زراعته في جميع المحافظات.
كما يوجد في سوريا سبعة أصناف رئيسية من التبغ مختلفة ومتنوعة حسب وظيفتها ومذاقها وقوتها وامتصاصها وهي: “شك البنت ،تنباك ،فرجينيا، برلي، بصما، بربلين، كاتريني”. ويقال محلياً أن نوع “شك البنت” هو أفضلها في الزراعة والإنتاج.
اقرأ أيضاً: التدخين يسرق براءة أطفال سوريا!

أبرز الإشكاليات التي واجهت زراعته عبر السنوات
لنعرض تلك الإشكاليات ونرافق شتلة التبغ في مِحنتها بدءاً من غرسها بالأرض وما تعانيه من مشاكل زراعية مروراً بكمّاشة الدولة وإطباقها على رقبة المزارع بفكّي تسعير المحصول، وصولاً لتَركه معلّقاً بين الإهمال الممنهج ونقص الدعم المالي والفنّي.
على شتلة التبغ الصغيرة أن تصارع الأمراض الفيروسية (فيروس فسيفساء التبغ) التي تشوه أوراقها وتغير لونها، وأن تتغلب على الأمراض الفطرية (العفن الأزرق) ببقعه الصفراء التي تغزو أعلى الورقة وعفنه الزغبي الذي يحاصر أسفلها، وعلى المزارعين الهرع لتأمين مصدر “ريّ” للمحصول يكفيه في ظل التقلبات المناخية التي تشهدها البلاد وحالة الجفاف التي أرخت بثقلها على مختلف المحاصيل وأنهكت عقول المزارعين لتَدّبر حلول لها قبل أن تُنهِك جيوبهم في معالجتها لتجنب الكوارث التي تلحقها بمحاصيلهم وباب رزقهم.
وكان قد أوجز “هيثم سليمان” رئيس الرابطة الفلاحية في منطقة “القدموس” سابقاً التحديات التي تواجه هذه الزراعة بقوله: “تواجه زراعة التبغ صعوبات الطبيعة والمناخ القاسي، وانقطاع الأمطار، ومن جانب آخر تساقط البَرد وما يسببه من كوارث، أيضاً غلاء مستلزمات الإنتاج من أدوية ومبيدات وأسمدة ونايلون وخيوط ومرشات، بالإضافة إلى أجور الفلاحة المرتفعة جداً، كذلك غلاء الشتول وتكلفة تحضير المساكب، وعدم توافر مياه الري خاصةً في القرى الجبلية، وعدم توافر مستلزمات الإنتاج في التوقيت المناسب كالأسمدة والوقود، وعمليات التسعير غير العادلة في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج”.
ليَرزح المزارع تحت نار جديدة تشعلها مؤسسة التبغ في تخمينها وتسعيرها لمحاصيلهم، ليحترق التبغ بأسعار بَخسه لا تتوازى مع جودته والجهد المبذول بإنتاجه قبل أن يَصل للمستهلك ليحترق مرّة أخرى بنار سيجارته، فيقف المزارع ملتاعاً أمام الإجحاف بحقوقه وإهدار تعبه.
وكانت المؤسسة العامة للتبغ تشترط على المزارعين بيعها القطفة الأولى، ثم بيع ما تبقى للتجار في السوق المحلية. وقبل اندلاع الصراع كانت تتشدد في تغريم المخالفين، ثم تغاضت عن المخالفات بعد العام 2011 كمنح مساحات جديدة دون ترخيص. واعتادت المؤسسة العامة، تقديم الدعم لزراعة التبغ بوصفه محصول استراتيجي اقتصادي هام، فتقدم البذار والأدوية والمبيدات ومستلزمات الزراعة، من خلال سِلفة دون فوائد تسدد بعد تسليم المحاصيل لمراكز تتبع المؤسسة، وفق أسعار تحددها الحكومة مسبقاً بحسب الأصناف والجودة، تتولاها لجان مختصة بتخمينها عند التسليم.
وتصاعدت في سنوات الأزمة شكاوى المزارعين من إجحاف لجان التخمين، خاصة أن أسعار الحكومة لا تراعي الارتفاع المتواصل في تكاليف الإنتاج، ما عزز الفساد والتواطؤ بين المزارع ولجان التخمين، للحصول على أعلى تقييم بغض النظر عن الجودة، لتتسلل القطفة الأولى والأصناف عالية الجودة إلى السوق الموازية في الطريق إلى التهريب خارج البلاد. وقلة الدعم الحكومي في السنوات القريبة الماضية دفعت العديد من المزارعين للإقلاع عن زراعة هذا المحصول الاستراتيجي، بسبب غياب تأمين مستلزمات الإنتاج المختلفة، مع غياب طرق وحلول لتغطية التكلفة العالية للإنتاج، رغم منح قروض للمزارعين لكنها لم تكن توفي بالغرض. فالسياسات الحكومية التي كانت متّبعة تجاه هذا المحصول أفسدت إنتاجه ونَفّرَت مزارعيه وجعلته تحت رحمه السوق السوداء وسراديبها.
اقرأ أيضاً: الجفاف وقلّة القمح يحاصرون مربي المواشي والمزارعين في المناطق الشرقية

صراع التبغ على محاور تجار الحرب وصولاً لمحاور الخصخصة الضبابية
تجار الحرب في سوريا أنهكوا البشر والحجر والزرع، فانسحاب مزارعي التبغ القسري من هذه الزراعة لم يكن بريئاً، بل جرى بتنسيق غير معلن مع شبكات تهريب باتت تتحكم اليوم بسوق الدخان المحلي، تنهب المستودعات، وتملأ السوق بمنتجات مهربة ومنخفضة الجودة، فيما بقيت السلطة في الماضي بموقع المتفرّج، وربما “الشريك الصامت”.
هناك من خطط ونسق ليربح من خراب هذا القطاع. فكل تراجع في زراعة التبغ يعني فرصاً أكبر لمهربي الدخان، ومزيداً من الأرباح السريعة الخاطفة دون رقابة أو ضرائب. ليترك التبغ السوري يقارع واقعه، دون معامل تصنيع حديثة، ودون اهتمام حقيقي بالإنتاج والتسويق والجودة.
وبعد احتكار دام سنوات، أصدر النظام السابق المرسوم التشريعي الذي يحمل الرقم “16” لعام 2024 القاضي بفتح الباب أمام القطاع الخاص للدخول في استثمار التبغ بشكل محوكم ومدروس ومخطط، مرجعاً ذلك إلى ما يمتلكه هذا القطاع من مرونة وخبرة يمكن لها أن تساعد على تجاوز بعض المعوقات التي تؤثر على استثمار هذه الصناعة من خلال القطاع العام الاقتصادي، وفق نص المرسوم. لكنه صدر بعد تسليم المحصول في العام الماضي وآليه تطبيقه هذا العام لم تتضح معالمها بعد، فمازالت الضبابية تحوم حول موضوع خصخصة قطاع التبغ.
واستمر العمل بالخصخصة في ظل الحكومة الحالية في البلاد، لكن بعد منح الحكومة الحالية لشركة “المرسومي” ترخيص لصناعة وتجارة التبغ والمعسل داخل سوريا بموجب القرار “530” الصادر عن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في 11 شباط الماضي.
ثارت العديد من ردود الفعل المتباينة حول هذا القرار لتعلقه بالشركة المذكورة والتي يترأسها “فرحان المرسومي”، وهو الاسم الذي أثار جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تداول ناشطين لاسم “المرسومي” والتلميح حسب زعمهم بارتباطه بالنظام السابق وجهات خارجية كانت داعمة للنظام السابق، طارحين أسئلة على السلطة الحالية ما إذا كانت تعيد تدوير وتعويم رموز وشخصيات لها علاقة بالسلطة السابقة مقابل فوائد محتملة قد تجنيها على حد قولهم. ولم يتم التعقيب على الموضوع بشكل رسمي بل بقي محصوراً ضمن الضجة الإعلامية والآراء المتباينة فحسب.


ختاماً، قطاع التبغ يجب أن يلقى عناية مكثفة من الحكومة الحالية، فلا مصلحة للاقتصاد السوري في أن يُفرَّغ مساحة أحد محاصيله الاستراتيجي التي تمثل عصباً له، وتَدُر عليه أرباحاً هائلة، فيجب أن يُنظر إليه بعين الجدّية وأن تؤخذ مشاكله بعين الاعتبار، وتتوضح معالم خصخصته وأن تُسند لشركات ذات خبرة ودراية بالمحصول ومتطلباته وكيفية إدارته ووضع الخطط للنهوض بزراعته والاهتمام بشتلاته ومراحل نموها وصولاً للتغليف والبيع، والأهم وضع حد للسعر الذي كان مسلّط على رقاب المزارعين.









