المجتمع السوري

التأخر التقني في سوريا نعمة! العالم يستبدل موظفيه بالذكاء الاصطناعي

هل ستبقى سوريا تراقب الذكاء الاصطناعي وهو يغير سوق العمل في العالم؟

بقلم: ريم ريا

قال “بيل غيتس” قبل سنوات في حديثٍ له عن مستقبل العمل، “إذا حلّت الآلة مكان الإنسان في أداء مهمة ما، فلا بد أن نعاملها كما نعامل العامل البشري، حتى في الضرائب”.

جملةٌ صنع منطقيتها تسارع الأتمتة حول العالم، لكنها تختزل الإنسان وتحوله لمجرد “أداة إنتاج”، يمكن أن يتم استبدالها بآلة تؤدي المهام نفسها، في تجاهلٍ فاقع لقيمة الإنسان المعنوية والفكرية وفي إشارة إلى أن الإنسان (عبد) فقط ينفذ ما يطلب منه ويبخس حقه وتفرض عليه الضرائب، والتجاهل الآخر تجلى في أن السيد “بيل” لم يفرق بين العمل كوظيفة مفروضة والعمل كقيمة اجتماعية واقتصادية معاً.

اليوم يواجه العالم موجات من التسريح تضرب أكبر شركات التكنولوجيا. ويبدو أن رؤية السيد “بيل” تحققت، لكن على نحوٍ مقلق. ففي أمريكا وحدها تم الاستغناء عن أكثر من عشرة آلاف موظف في قطاع البرمجة خلال النصف الأول من العام الحالي 2025، بسبب غزو الذكاء الاصطناعي لسوق العمل وتوسعه فيه، بينما تخطى العدد عالمياً 180 ألف وظيفة في قطاع التكنولوجيا وفقاً لتقارير عالمية.

ليفرض السؤال التالي نفسه بالنسبة للحالة السورية: هل يمكن أن نرى هذا المشهد في سوريا؟  

في هذا البلد الذي يعاني من هشاشة البنية التحتية الرقمية وضعفها، وبطء بالإنترنت وانقطاع دائم فيه، فضلاً عن غياب منظومات الدفع والخدمات الإلكترونية عن البلاد، هل هذا التهديد العالمي بعيد عنها أم مؤجل فقط؟

كل شيء في الحياة ينافس الإنسان السوري، فهل تزاحمه الآلة أيضاً، هل الذكاء الاصطناعي يستعد لدخول السوق السورية بصمت، ثم يبدأ الضجيج؟ وإن حدث، ما الكلفة وما الزمن، وهل تسمح البنية الرقمية في سوريا بذلك؟ سنجيب عن هذه الأسئلة في المقال وفق الأرقام العالمية والمحلية، ووفق تقديرات مبنية على المعطيات المطروحة.

الذكاء الاصطناعي يغزو العالم وسوريا لا زالت تتفرج

تشير تقارير إعلامية عالمية أنه خلال الأشهر الأولى من العام 2025، أعلنت العديد من كبار شركات التكنولوجيا في أميركا عن تسريح أكثر من عشرة آلاف موظف في قطاع التكنولوجيا بسبب التوسع بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. لكن عالمياً كَبُرت الارقام واتسعت رقعة التسريح أكثر لتبلغ في القطاع التقني حتى مطلع شهر تشرين الأول الجاري ما يقارب 180 ألف موظف، بينهم 50 ألف موظف تم الاستغناء عنهم بشكل مباشر بسبب استبدال أعمالهم بأنظمة الأتمتة والذكاء.

رصد من خلال التقارير أن الوظائف الأكثر تضرراً من عملية الاستبدال، كانت الوظائف ذات الطابع الروتيني أو الإداري، مثل: إدخال البيانات، خدمة الزبائن وبعض تخصصات البرمجة الرئيسية. مع محافظة المهن التي تتطلب تفاعل إنساني مباشر ومهارات إبداعية بشرية صرفة على مكانتها، وبقيت أقل عرضة للخطر التقني ولو بشكل مؤقت، لأن كل التغيرات في العالم توحي بأن الذكاء الاصطناعي وبشكل واضح بدأ يأخذ مكان الإنسان في سوق العمل.

أمام أرقام التسريح هذا العام.. ماذا عن سوريا؟

من الطبيعي أن يتبادر للأذهان بعد قراءة تلك الأرقام السؤال التالي: هل يمكن أن تشهد سوريا موجات التسريح هذه؟

الإجابة، أنه من حيث الواقع المعاش يبدو أن البلاد بعيدة عن هذه الموجات لعوامل عدة، أولها الشبكات التقنية المتهالكة، ضعف الاستثمار بالبحث والبرمجة، غياب شركات التقانة الفعالة والكبرى. كل هذه عوامل يستند إليها الذكاء الاصطناعي في وجوده، لكن في سوريا ونظراً للوضع المعاش، الذكاء الاصطناعي لا يعدو كونه ترفاً أكثر من كونه تهديداً.

مع ذلك، من قال أن كل السوريين بمنأى عن هذا التهديد؟ فهناك شريحة من السوريين تعمل عن بعد (أونلاين) مع شركات خارجية في مجالات عديدة (الترجمة، التصميم) وغيرها. وقد بدأت تتأثر فعلاً، فبعضهم استُغني عنه لأن الشركات الخارجية لجأت إلى الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص أو ترجمتها وبكلفة أقل من اليد العاملة البشرية. التأثير على السوريين موجود حتى ولو بشكل غير مباشر.

اقرأ أيضاً: مع انطلاق مؤتمر الذكاء الاصطناعي بدمشق.. تحديات كبيرة وفرص واعدة

حال البنية التحتية الرقمية في سوريا

تشير الأرقام  أن البنية التحتية الرقمية في سوريا تعاني من الضعف والتخريب، حيث يبلغ استخدام الإنترنت حوالي 35.8 من السكان للعام الحالي، وتعتبر جودة الخدمة سيئة في معظم المناطق. في عام 2023 وحده، تم سرقة ما يقرب من 57,079 متر من الكابلات المسلحة وغير المسلحة، و209,922 متر من الكابلات المعلقة، مما يشير إلى استمرار مشاكل البنية التحتية.

تعاني سوريا غياباً شبه تام للبنية التحتية الرقمية، وتفتقر مؤسساتها إلى قواعد بيانات موحدة ومنظمة. البيانات المتعلقة بالصحة، والتعليم، والاقتصاد، وحالة البنية التحتية، إما مشتتة أو غير متوفرة أو غير موثوقة. وهو ما يجعل عملية اتخاذ القرار مبنية إلى حد بعيد على الحدس والتقدير الشخصي لا على الوقائع والأرقام.

تشير التقديرات إلى أن حوالي نصف البنية التحتية في سوريا “مدمر أو معطل”، بما في ذلك شبكات الاتصالات والإنترنت، مما أثر بشكل كبير على جودة الخدمة ووصولها. هذا الدمار ناجم عن الصراع والنهب والاعتماد على شبكات نحاسية قديمة عمرها أكثر من 20 عاماً، مما يتطلب جهود إعادة إعمار واسعة النطاق. كما بلغت خسائر قطاع الاتصالات في سوريا جراء الحرب ما يقارب نصف ترليون ليرة سورية.

من أجل أن يعمل الذكاء الاصطناعي في أي بلد، فإنه يحتاج إلى أرضية تقنية متينة، وسوريا تفتقد إلى الانترنت السريع والمستقر، الذي يسمح بتشغيل الأنظمة الذكية، فلا تزال مقومات الإنترنت في سوريا محدودة وغير مستقرة فمتوسط سرعة الإنترنت في أغلب المناطق لا تتجاوز 8 – 10 ميغابت/ ثانية، وفي أغلب الأحيان يعاني المستخدمون من انقطاع خدمة الإنترنت أو بطئها.

كما تغيب عن سوريا ميزات أنظمة الدفع الإلكتروني، والتي تمكن المؤسسات من شراء البرمجيات والاستفادة من الخدمات الحسابية. فبالرغم من الخطوات الأخيرة للدولة نحو الرقمنة والوعود بمفاجآت في مطلع العام 2026، ما زال التطبيق محصوراً ضمن نطاق ضيق وضعيف إلى حد الآن. إضافةً إلى أن التشريعات السورية متأخرة جداً عن جانب التقانة في العالم فهي حتى الآن غير داعمة للتحول الرقمي، والخدمات الحكومية الرقمية لا زالت تتصارع مع العقبات التقنية في البلاد. مؤخراً تم تحديث خدمات إدارة القنصلية العامة وجعلها منسجمة مع الرقمنة نوعاً ما، على أمل أن تصبح جميع الخدمات الحكومية مرقمنة في البلاد.

من الواضح من خلال عرض البنية التحتية الرقمية في سوريا، أن الذكاء الاصطناعي حتى الآن ما زال بعيداً عن غزو سوق العمل في سوريا، في القريب العاجل على الأقل.

الآلة بمواجهة العامل السوري من ناحية التكاليف

بعد مرسوم الرئاسة السورية الأخير بزيادة رواتب العاملين في الدولة ارتفع الحد الأدنى لرواتب الموظفين الحكوميين إلى 750 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 75 دولاراً، بعد أن كان الحد الأدنى للأجور يساوي نحو 250 ألف ليرة سورية “نحو 25 دولاراً”.

من الناحية الاقتصادية، العامل البشري في سوريا كتكلفة أرخص بكثير من نظيره في الغرب، إذ تعتمد الشركات الغربية على الذكاء الاصطناعي لتقليل نفقات الرواتب العالية، في حين أن القطاعات الحكومية والشركات الخاصة في سوريا، وحسب نسبة الرواتب فيها، ليس لها مبرر حقيقي في الوقت الحالي لاستبدال العامل البشري بالذكاء.

حسب تحليل لـ AltCutMan لنفقات تنفيذ حلول الذكاء الاصطناعي: للشركات الصغيرة (5-25 موظفاً) قد تبدأ تكلفة التنفيذ بحدود $15,000-$45,000 لمرة واحدة، ثم صيانة وتشغيل شهري بين $500-$1,500.

حسناً، لنقم بحساب صغير بناءً على الأرقام التي أمامنا، حسب فرضية أن متوسط دخل العامل السوري شهرياً هي 750 ألف ليرة أي ما يعادل 75 دولاراً لكل موظف، ولنفرض معه أن الذكاء قد دخل سوق العمل في سوريا وبلغت تكلفة نظام تشغيله مع تبسيط التكلفة 500 دولار شهرياً (هذا الرقم تقديري ربما يكون أكثر أو أقل حسب حجم السوق وتطور البنية الرقمية).

ففي حال كانت الشركة تحتاج 10 موظفين فتكلفة العامل البشري ستكون 750 دولار شهرياً أما تكلفة الذكاء ستكون 500 دولار ويمكن له أن يقوم بمهام عشرة موظفين مجتمعين، ويكون حجم التوفير ما يقارب 750 – 500= 250 دولار بشكل شهري، أي 33 % هو ما سيبلغه حجم التوفير.

أما في حال كانت الشركة تحتاج 100 موظف لمهامها، فتكلفة البشر ستكون 7.500 دولار شهرياً، وتكلفة الذكاء ستبقى 500 دولار، والتوفير سيكون 7.500 – 500= 7.000 دولار شهرياً، أي ما يقارب 93% تقريباً من حجم التوفير.

من خلال الأرقام والنتائج التي ظهرت أمامنا، وهي مجرد فرضيات ربما تتفاوت مستقبلاً، نخلص إلى أنه في حال كان عدد موظفي الشركة 10 وما فوق، وكانت مهام الموظفين كبيرة وتكرارية أو كانت الشركة كبيرة فسيكون الذكاء موفراً بشكل أكبر من العامل البشري.

المهام التي يمكن أن تشهد استبدالاً بالآلة الذكية في الوقت الحالي في سوريا، هي (إدخال البيانات الروتينية، والردود عبر خدمة العملاء للشركات أو صفحات التسويق على الإنترنت) وغيرها، والتي باتت الآن تستبدل (بالبوت)، كذلك مهن الترجمة وتحرير النصوص البسيطة أو المهن المتعلقة بأرشفة المستندات وتنظيم البيانات الرقمية.

أما في الشركات الخاصة والتي شهدت ارتفاعاً في الأجور في عام 2024، يبرز جدل حول مدى جدوى استبدال العامل البشري بالآلة الذكية. فحسب دراسة صادرة في شهر آب من العام الفائت 2024، تراوحت رواتب الموظفين في القطاع الخاص بين 900 ألف ليرة سورية لموظف إدخال البيانات و10 ملايين للمدير المالي، أما مساعدو الموارد البشرية بلغت رواتبهم حوالي 1.2 مليون ليرة أي ما يعادل 120 دولاراً.

فإذا ما أردنا مقارنة أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة حالياً في السوق مثل (بوتات المحادثة، برامج إدارة البيانات، أدوات التصميم المؤقتة) بكلفتها الحالية التي تتراوح بين 250 – 400 دولار شهرياً، مع العامل السوري في حالات التشغيل الفردية أي (في حالة تشغيل موظف واحد) تُرجح الكفة للعامل السوري بأنه أرخص تكلفه من الذكاء.

لكن عندما تصبح الحاجة إلى التشغيل تتطلب عدة موظفين بشريين لأداء نفس المهام فيطل الذكاء الاصطناعي هنا ليصبح أكثر توفيراً. يمكن لنظام ذكاء واحد أن يؤدي مهام 10 موظفين أو أكثر، محققاً بذلك توفير بنسبة تتراوح بين 40 – 90%. لتكون الوظائف المهددة في سوريا في ظل الوضع التقني الحالي، (السكرتاريا، المحاسبة المبدئية، الدعم التقني البسيط)، لتبقى الوظائف الإدارية المتقدمة والأقل تكرارية محمية حتى الآن من غزو الذكاء.

اقرأ أيضاً: التحول الرقمي في سوريا.. هل يقود إلى مستقبل ذكي في النقل والخدمات؟

لا بدّ أن تقتحم الآلة الذكية سوق العمل في سوريا.. فما المدة؟

عاجلاً أم أجلاً لن يدوم الحال في سوريا هكذا، فمن المتوقع أن يدخل الذكاء الاصطناعي سوق العمل السوري ولو بوتيرة أبطأ مقارنةً بالأسواق العالمية والعربية، التي على ما يبدو لا نستطيع عرض مدة دخول الذكاء الاصطناعي إليها ومقارنتها مع سوريا لأن ذلك سيكون غير متكافئ، نظراً لما مرّت به سوريا خلال أكثر من عقد من الزمن.

استناداً إلى وتيرة غزو الذكاء الاصطناعي لسوق العمل عالمياً وبفعل انتشار الأتمتة، إضافةً إلى خفض كلفة الأنظمة الذكية وتوسيع خدمات الإنترنت، يمكن تقدير بدء انتشار الأنظمة الذكية في السوق السورية خلال 5 – 7 سنوات. هذا التقدير ليس من محض فراغ، بل مستند إلى عدة عوامل منها نية سوريا واتجاهها إلى التحول الرقمي، وتحسين بنية الاتصالات وشبكات الانترنت، إضافةً إلى رغبة الشركات السورية بالتعامل بأدوات الدفع الالكتروني واتجاهها نحو المعاملات الرقمية، وهذا ما تركز عليه اليوم الدوائر الحكومية: انخفاض تكلفة الاشتراك في برمجيات الذكاء الاصطناعي عالمياً ما يسهل البدء في الاستثمار فيها ولو بشكل تدريجي.

بالمحصلة، سوريا ليست في منتصف الطريق، بل في بدايته. لتبقى سرعة انتشار الذكاء الاصطناعي في سوق العمل السوري مرهونةً بسرعة تطور البنى التحتية الرقمية في سوريا، ومدى استجابة المجتمع السوري للتغيرات التي تفرضها الأتمتة وتأقلمه معها.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى