البنك الدولي يدعم القطاع المالي بـ100 مليون دولار.. أين ستذهب المنحة؟

بقلم هلا يوسف
لا يمكن الحديث عن نهوض الاقتصاد السوري دون تضافر الجهود الدولية والإقليمية مع الحكومة السورية، وهذا التعاون هو الأساس الذي تثمر نتائجه في السوق السورية. ويعد القطاع المالي من أكثر القطاعات التي تتحكم بالأسواق، وتحدياته تنعكس بشكل واضح على حياة المواطنين. لذلك دعمه يمثل خطوة أساسية لضمان استقرار السوق المالية السورية.
في الحقيقة الجهود التي تبذلها وزارة المالية يمكن القول إنها جبارة، لأنها استطاعت تبديل العملة دون أن ترافقها أزمات كبيرة، وخصوصاً أنها ترتبط بشكل مباشر بالتعاملات المالية في البنوك والمصارف. فكيف يمكننا القول إن لدينا نظاماً مالياً قوياً دون وجود أنظمة رقمية تقلل من استخدام العملات الورقية؟ من هنا جاءت أهمية المنحة التي قدمها البنك الدولي لدعم القطاع المالي، والملفت في هذه المنحة أنها لن تصل لأشخاص وشركات، بل ستوجه بشكل مباشر لتطوير البنية التحتية الخاصة بالقطاع، مما يعطي مرونة كبيرة في تداول وتحويل الأموال.
لماذا يحتاج القطاع المالي السوري إلى التحديث؟
إذا أردنا فهم أهمية هذه الخطوة، علينا أن نعود قليلاً إلى الوراء. فبعد 14 عاماً من الصراع، يقول البنك الدولي إن القطاع المالي السوري ما زال صغيراً، وتتركز أنشطته بشكل أساسي في المصارف، بينما يعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على النقد. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من التعاملات ما زال يتم بالطريقة التقليدية، في وقت أصبحت فيه الخدمات المالية الرقمية جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية لكثير من دول العالم.
المشكلة لا تتعلق فقط بطريقة دفع ثمن سلعة أو تحويل مبلغ من شخص إلى آخر، بل تمتد إلى قدرة الشركات على الحصول على التمويل، وسرعة إنجاز المعاملات، وكلفة تحويل الأموال، ومدى سهولة الوصول إلى الخدمات المالية.
كما أن البنية التحتية القديمة للمدفوعات الرقمية، عدا عن التحديات المرتبطة بالرقابة والنزاهة والاستقرار المالي، تجعل تطوير القطاع حاجة أساسية في مرحلة التعافي.
ويعد ذلك مهماً لأن النظام المالي لا يعمل لوحده بعيداً عن بقية الاقتصاد. فعندما يكون أكثر كفاءة، يصبح دفع الرواتب والمعاشات والتحويلات أسهل، وتتمكن الشركات من إجراء معاملاتها بطريقة أفضل، كما يمكن أن تصبح التجارة والاستثمار أكثر سهولة.
حتى المساعدات الإنسانية والتنموية تحتاج إلى نظام مالي آمن وشفاف حتى تصل إلى مستحقيها، كما تحتاج الحكومة إلى أنظمة فعالة لتحصيل الإيرادات وتنفيذ المدفوعات. بمعنى ثانٍ، تحديث القطاع المالي ليس مجرد تحديث للبنوك، وإنما محاولة لبناء واحدة من الأدوات الأساسية التي يحتاجها الاقتصاد حتى يبدأ بالتحرك بشكل أكثر انتظاماً.
أين ستذهب الـ100 مليون دولار؟
قد يتساءل البعض هنا عن الجوانب التي ستدعمها منحة البنك الدولي؟ حيث فصل بيان البنك اتجاهات صرف الأموال، وفي أولها تحديث البنية التحتية للمدفوعات والأسواق المالية والبيئة التكنولوجية. كما تشمل أيضاً تطوير البنية التحتية الائتمانية، مما يساعد على إجراء التدفقات المالية بين مختلف القطاعات الاقتصادية بصورة أكثر أماناً وفعالية وشفافية.
كما سيجري العمل على تحديث النظام المصرفي الأساسي لمصرف سوريا المركزي، وتطوير أنظمة تكنولوجيا المعلومات، ورفع قدرات الأمن السيبراني، وهي أمور يصبح لها أهمية أكبر عندما يتم اعتماد الخدمات الرقمية.
أما المصارف العامة والخاصة، فسيجري إجراء مراجعات مستقلة وشاملة لجودة أصولها، بهدف معرفة وضع الجهاز المصرفي بشكل أكثر دقة، ووضع أساس يمكن البناء عليه في أي إصلاحات مصرفية مستقبلية.
ولا يتوقف الأمر عند المصارف، بل يتخطاها نحو تعزيز الرقابة القائمة على المخاطر، وتطوير استخدام التكنولوجيا في عمليات الرقابة، إضافة إلى تقوية قدرات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
كما سيتم دعم الأنظمة والأجهزة والأدوات التحليلية اللازمة لذلك، بالإضافة إلى تعزيز القدرة التشغيلية لمصرف سوريا المركزي ووحدة جمع المعلومات المالية. وهذا ما يجعل المنحة متكاملة من تحديثات البنية التحتية والمصارف، حتى الرقابة والأمن السيبراني وتحقيق النزاهة المالية.
15 مليون عملية دفع إلكترونية سنوياً
من المؤكد أن البنك الدولي لن يضع أمواله بشكل اعتباطي دون وجود خطة وأهداف محققة في النهاية، لذلك يهدف المشروع في النهاية إلى تفعيل الأنظمة الأساسية للقطاع المالي وتمكين تنفيذ ما لا يقل عن 15 مليون عملية دفع إلكترونية للأفراد سنوياً خلال فترة تنفيذ المشروع. وهذا الرقم كافٍ لأن يعطينا نظرة عن حجم التحول الرقمي الذي تسعى له الحكومة السورية بالتعاون مع البنك الدولي.
كما يستهدف المشروع دعم ما لا يقل عن 500 ألف شخص وشركة لاستخدام المدفوعات الرقمية بصورة فعالة عبر الأنظمة التي سيدعمها، من بينهم 150 ألف امرأة.
وهذا يرتبط أيضاً بفكرة الشمول المالي، أي أن تصبح الخدمات المالية متاحة أمام عدد أكبر من الناس والشركات، وليس فقط أمام من لديهم القدرة على الوصول إلى الخدمات المصرفية بسهولة.
إذا تحققت هذه الأهداف، فالمفترض أن يصبح القطاع المالي قادراً على خدمة الأسر والشركات بشكل أكبر، وأن تتحسن إمكانية الحصول على التمويل، وتصبح المدفوعات سريعة وآمنة، وهذا ما سيساعد في دعم التجارة والاستثمار والنشاط الاقتصادي.
منحة جديدة ضمن مجموعة دعم أوسع لسوريا
تعد منحة البنك الدولي واحدة من مشاريع كثيرة مترابطة قدمها البنك لدعم قطاعات مختلفة في سوريا. فبحسب وزير المالية محمد يسر برنية، فإن منحة تحديث القطاع المالي هي المنحة الخامسة التي يوافق عليها البنك الدولي، بعد منح أخرى تم تخصيصها للكهرباء والصحة والمياه والإدارة المالية العامة.
وبذلك يصل إجمالي قيمة المنح المعتمدة حتى الآن إلى 491 مليون دولار، بينما يجري العمل على إعداد مشاريع جديدة يمكن أن تشمل التعليم والزراعة والنقل والنفايات الصلبة والحماية الاجتماعية.
والنقطة المهمة التي أوضحها وزير المالية هي أن هذه الأموال منح وليست قروضاً، وبالتالي لا يتوجب على سوريا ردها، وأكد على ضرورة إدارتها وتنفيذ المشاريع المرتبطة بها بطريقة فعالة ورشيدة.
وكان البنك الدولي قد وافق سابقاً على منحة بقيمة 146 مليون دولار لتحسين إمدادات الكهرباء ودعم التعافي الاقتصادي، كما شملت المشاريع الأخرى مشروعاً بقيمة 20 مليون دولار لتقوية الإدارة المالية الحكومية.
وفي قطاع المياه، وصلت قيمة أحد المشاريع إلى 150 مليون دولار لتحقيق هدف تحسين الوصول إلى المياه النظيفة وتأهيل شبكات الصرف الصحي في عدد من المحافظات، بينما خصص 75 مليون دولار لمشروع في القطاع الصحي، وركز على تطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية.
وفي النهاية، لا يمكننا أن نفصل الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء عن الخدمات المصرفية والمالية، فجميعها تشمل الاقتصاد السوري، وأي ضعف أو تقصير في أحد الخدمات السابقة، سيؤثر بالتأكيد على باقي القطاعات. لذلك جاءت منحة البنك الدولي للقطاع المالي في توقيت يحتاج فيه السوق السوري إلى أن يجاري ما يتم استخدامه في الدول الأخرى، خصوصاً وإننا في مرحلة بناء وإعادة إعمار.
اقرأ أيضاً: الإفصاح عن الأقارب حتى الدرجة الرابعة في وزارة المالية ما الذي سيتغيّر؟









