أعمال واستثمار

«البحر نو»؟ لغز استيراد الأسماك المجمدة في سوريا!

أمسيةٌ خانقة في حيّ الرمل الجنوبي باللاذقية، الهواء محمّلٌ بملح البحر وروائح الأسواق، فيما تتجاور صناديق السمك الطازج وأكياس المجمّد المستورد على الأرصفة نفسها. فبين صياد يَنفض شباكه ومالك مسمكة يقيس حرارة ثلاجاته، تتردد الأسئلة ذاتها: لماذا يتدفّق السمك المجمد اليوم إلى الأسواق السورية؟ فهل «البحر نو» أي خيره ومردود صيد الأسماك قليل؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها من سياسات وأسعار ومصالح؟ من هنا يبدأ مقالنا، بعيداً عن الانفعال، قريباً من الأرقام والسياسات، ليفكّك الظاهرة من جذورها ويضعها في سياقها المحلي والعالمي.

استيراد الأسماك المجمدة في سوريا: من سؤال الشارع إلى أرقام الموازين

الخطوة الأولى لفهم موجة الاستيراد هي وضع حجم الإنتاج المحلي تحت المجهر. فوفق تصريحات مدير الهيئة العامة للثروة السمكية، بلغ إنتاج سوريا من الأسماك عام 2024 نحو 19,185 طناً، بينها 2,787 طناً من المصايد البحرية، وقرابة 11,365 طناً من الاستزراع، و4,865 طناً من الصيد في المسطحات العذبة.

ورغم زيادة الإنتاج مقارنةً بـ 17,006 أطنان في 2023، تظل الكميات غير كافية لتغطية الطلب، لذا يُعوَّض النقص بالاستيراد على حدّ تعبير مدير الهيئة.

لكن ما حجم الاستيراد فعلياً هذا العام؟ تصريح مباشر لمدير الثروة السمكية يوضح أن قرار منع استيراد الأسماك المجمّدة أوقف «مع بداية التحرير»، وأن الكميات المستوردة خلال 2025 قاربت 5 آلاف طن من مختلف الأنواع لتأمين توازن العرض والسعر. وهذا الرقم يمنحنا أول تقدير ملموس لوزن الملف في السوق.

وللإشارة، فإنه حتى اليوم 20 تشرين الأول 2025 لا يوجد رقم نهائي مُعلَن لإجمالي الإنتاج المحلي لهذا العام. فآخر ما صدر رسميّاً هو المستهدف في خطة 2025 وقد حدّدته الهيئة العامة للثروة السمكية بـ 18,150 طنّاً.

هل الاستيراد جديد على سوريا؟ الإجابة التاريخية تعود بنا إلى 2013: موافقات الاستيراد بلغت حينها نحو 11 ألف طن، بينما دخل فعلياً 4,360 طناً من 41 بلداً، بحسب المدير العام للهيئة وقتها. أي أن الاستيراد جزء قديم من صندوق أدوات السياسات الغذائية، لكنه عاد اليوم إلى الواجهة بزخم أكبر تحت ضغط العجز الداخلي وسلوك الأسعار.

ما الذي يدفع إلى الاستيراد الآن؟

كما يتضح، فإن عاملان رئيسيان يتقدمان المشهد: قصور العرض المحلي وموسمية المصايد. مؤخراً، تحدّثت الهيئة عن تحديات «تغيّر مناخي» وانخفاض مناسيب المياه وجفاف في بعض الأنهار والسدود، وخروج مزارع من الخدمة، إضافة إلى الصيد الجائر وارتفاع تكاليف مستلزمات المزارع البحرية.

وهذه العوامل تقلّص مرونة العرض الداخلي وتزيد تقلباته؛ فتتحول الحكومة والقطاع إلى الاستيراد لسد فجوة متكررة بين مواسم الذروة وفترات الشح.

من جهة الطلب، تُظهر تصريحات رسمية أن نصيب الفرد من استهلاك السمك في سوريا لا يتجاوز كيلوغراماً واحداً سنوياً – وهو رقم متواضع قياساً بالمتوسطَين العربي والعالمي – لكن توفّر المجمّد بأسعار أدنى نسبياً يحفّز مزيداً من الطلب ويخفف أثر الغلاء على الأسر، وهو أحد أهداف الاستيراد المعلَنة.

صوت البحر: صيادون بين قرار المنع ومنافسة المجمّد

على الرصيف ذاته، للصيادين رواية لا تقل وجاهة. إذ تعالت شكاوى ميدانية من صيّادي اللاذقية تحدثت عن خسائر خلال فترة منع الصيد لشهر كامل (من 15 تموز إلى 15 آب) بدعوى حماية مواسم التكاثر.

ويُجمِع الصيادون على أن وقف الصيد يضرب دخلهم مباشرة، وأن دخول المجمّد بسعر أقل يضغط على تسعير المنتج المحلي في بقية الشهور. إذاً المشهد مركب: حماية المخزون تتطلب نوافذ منع للصيد، بينما لقمة الصياد تحتاج سوقاً لا تُغرقه البدائل الرخيصة.

في سهل الغاب، ذهب مربّو الأسماك أبعد من ذلك بطلباتٍ علنية لوقف استيراد المجمّد مؤقتاً حتى تصريف المنتج المحلي، ودعم المُربين المتضررين وتأمين إصبعيات بأسعار مدعومة—في إشارة إلى أن كلفة مدخلات الإنتاج ما تزال مرتفعة، وأن السوق لا يكافئ الجودة بالضرورة عند تعاظم فجوة الدخل لدى المستهلكين.

هل تجاوزنا «الحدّ المنطقي» للاستيراد؟

بيانات تجارة خارجية مستقلة تلمّح إلى قفزة لافتة: فئة «الأسماك المجمّدة (غير الفيليه)» كانت الأسرع نمواً في واردات سوريا لعام 2024، ما يوحي بتحول حقيقي في سلوك السوق نحو أصناف كاملة مبرّدة ومجمّدة، وليست فيليه فقط. وهذا يعزّز رواية زيادة الاعتماد على المجمّد لتعويض فجوات العرض الداخلي بسرعة وبسلاسة لوجستية.

ومع ذلك، لا تُشير المعطيات إلى «طوفانٍ» بلا ضوابط؛ فالسياسة التجارية العامة تميل إلى ترشيد الاستيراد والتركيز على الأساسيات، وقد أعلنت الحكومة أكثر من مرة وقف استيراد مجموعات سلع زراعية أو لحوم أخرى (مثل الفروج المجمد) لحماية المنتج المحلي عندما يستدعي الأمر. أي أن بوابة الاستيراد تُفتح وتُغلق وفق مزيج من ضرورات الأمن الغذائي وأوزان جماعات المنتجين.

أيّ أنواع تُستورد؟ ولماذا هذه الأنواع تحديداً؟

التصريح الرسمي الأخير يتحدث عن «مختلف الأنواع»، من دون قائمة تفصيلية. لكن تتبّع حركة التجارة الإقليمية وأنماط التسعير عالمياً يقدّم قرائن: أسماك الفيليه منخفضة الكلفة مثل الباسا (pangasius) القادمة أساساً من فيتنام، تجد رواجاً في الشرق الأوسط لثبات توريدها وانخفاض سعرها مقارنةً بالبلطي في مراحل معيّنة، فيما تُستورد أيضاً أسماك كاملة منخفضة السعر ومتينة التحمل لسلاسل التبريد مثل الماكريل والسردين.

اختيار هذه الأصناف منطقي لأنها تُحافظ على «سعر طبق» مناسب لشريحة واسعة، وتتحمل مسافات الشحن الطويلة ولا تتطلب مهارات تجهيز استثنائية في متاجر التجزئة. (هذا استدلالٌ اقتصادي تدعمه بيانات تجارة إقليمية وعالمية، وليس إفصاحاً سورياً رسمياً بأصناف محددة).

في المقابل، يدفع المُنتِج المحلي بأن الجودة الطازجة وتنوع الأصناف البحرية السورية يجب أن تنعكس سعراً أعلى وتفضيلاً أكبر في السوق، وهو ما يتعطل عندما تتوسع «فجوة القدرة الشرائية» لدى المستهلك. وهنا، تتقاطع أهداف الأمن الغذائي مع سياسات دعم الإنتاج: كيف نوازن بين حماية المربي والإبقاء على طبق سمك في متناول الأسرة؟

اقرأ أيضاً: الثروة السمكية في سوريا: يمكن الرهان على السمك في الماء!

الأسعار، السلاسل الباردة، وما يقوله العالم

سلوك الأسعار في الأسواق السورية يتأثر بتكاليف العلف والطاقة والنقل الداخلي، ومع توسّع البيع عبر الإنترنت بين الساحل والداخل ترتفع هوامش النقل وتُدفَع إلى المستهلك النهائي – حتى لمنتجات بحرية محلية مثل السكمبري والقجاج. في المقابل، يسمح الاستيراد بتوفير بدائل أرخص نسبياً في مواسم الشح.

عالمياً، تفوّق الاستزراع السمكي للمرة الأولى على المصايد التقليدية كمصدر رئيسي للأسماك؛ ما يعني وفرة منتجات مستزرعة بأسعار تنافسية وتدفّق متزايد للفيليه إلى أسواق الاستهلاك. هذه الخلفية تجعل ظهور الباسا والفيليه المستزرع في سلال التسوق السورية واقعاً مفهوماً اقتصادياً، لا شذوذاً.

هل نحتاج الاستيراد فعلاً؟

إذا جمعنا معادلة العرض (19 ألف طن سنوياً مع تحديات مناخية وهيكلية) والطلب (تحسين الوصول إلى البروتين البحري بسعر معقول)، نجد أن الاستيراد ليس بديلاً دائماً، لكنه أداة توازن مرحلية لتسوية فجوات موسمية وهيكلية. فالـ «الحدّ المنطقي» يُقاس بقدرة الاستيراد على سد العجز من دون إغراق السوق أو خنق المنتج المحلي. هذا يتطلب ثلاثية سياسات عملية:

  1. نوافذ موسمية للاستيراد تُفتح حين تدنّي المعروض المحلي وتُغلق مع ذروة الإنتاج، بما يشبه «صمام الأمان».
  2. حصص أو رسوم مرِنة على الأصناف التي تزاحم المنتج المحلي مباشرة، مع إعفاءات لأصناف لا تُنتَج محلياً بكميات تجارية.
  3. شفافية بيانات شهرية عن كميات وأنواع الاستيراد وأسعار الاستيراد CIF وهوامش التوزيع، إلى جانب تشديد الرقابة الصحية على السلاسل الباردة.

تاريخياً، عندما احتاجت السوق للأسماك كان الاستيراد حاضراً—من 4,360 طناً فعلياً سنة 2013 إلى قرابة 5,000 طن هذا العام (ملاحظة: لم نتمكن من الحصول على بيانات لأرقام دقيقة وموثقة لأرقام الاستيراد ما بين العامين المذكورين) – لكن ضبط الإيقاع هو الفارق بين سياسة تسوّي الفجوات وأخرى تُفاقِمها.

خلاصة

البحر ليس بخيلاً، والسوق ليس بلا ذاكرة. فيبدو بصورة موضوعية أن استيراد الأسماك المجمدة في سوريا ردّ فعلٍ على عجز موضوعي في العرض وتقلّبات مناخية ومالية، وعلى طلبٍ يحتاج إلى أسعارٍ «تتنفّس». وفي الوقت نفسه، هو تحدٍّ مفتوح للمنتِج المحلي الذي يطالب بممرّاتٍ عادلة لتصريف إنتاجه، وبسياسات تعوّضه عن تكاليف العلف والطاقة.

بين هذين القطبين، يقف صانع القرار أمام امتحان المعادلة الأصعب: حماية المزرعة والمرفأ من دون أن يخسر المطبخ طبق السمك.

اقرأ أيضاً: إنعاش قطاع الثروة السمكية في سوريا.. خطة لإنتاج 10 ملايين إصبعية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى