المجتمع السوري

البحارة السوريون يستنجدون… إليك القصة الكاملة

بقلم هلا يوسف

في عالم البحار يتجاوز الخطر الأمواج العالية، إلى وجود قطاع طرق لكن بشكل مختلف نسميه عادة القراصنة. لكن الفرق بين الاختطاف على اليابسة والماء، أنه في الماء لا مفر من الخطف، خصوصاً في ظل تسلح القراصنة بأفضل أنواع الأسلحة. وعليه يعيش 16 بحاراً سورياً ممن كانوا يعملون على متن سفينة الشحن “سورد” لحظات عصيبة عقب اختطافهم من قبل القراصنة الصوماليين منذ 61 يوماً من الاحتجاز، وسط ظروف يومية صعبة، ونداءات استغاثة يتم إطلاقها عبر فيديوهات تشعل السوشال ميديا بانتشارها، ويحملون عبرها رسالة تقول: “أنقذونا قبل فوات الأوان”.

من رحلة بحرية عادية إلى أزمة إنسانية

بدأت القصة في 26 نيسان الماضي، عندما كانت سفينة الشحن “سورد” تتجه نحو ميناء مومباسا في كينيا عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب ثم خليج عدن، بعدما انطلقت من ميناء الأدبية في مصر يوم 9 نيسان. إلا أن الرحلة كُتب لها طريقاً آخر عندما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) أن نحو عشرة مسلحين كانوا يستقلون ثلاثة زوارق صغيرة هاجموا السفينة على بعد ستة أميال بحرية شمال شرقي منطقة غاراكاد الصومالية، قبل أن يجبروا طاقمها على تغيير المسار والتوجه نحو المياه الإقليمية الصومالية.

طمأنت نقابة البحارة السوريين العاملين في أعالي البحار أهالي طاقم السفينة في الساعات الأولى للاختطاف، وأكدت أنها تتابع القضية بشكل مباشر مع مالكي السفينة، مع الإشارة إلى أن أفراد الطاقم كانوا جميعاً بخير ولم يتعرضوا لأي إصابات أو سوء معاملة في ذلك الوقت.

لكن مع مرور الأيام بدأت الصورة تتغير شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى وضع وصفه البحارة من خلال الفيديو المنتشر بأنه يهدد حياتهم. وناشدوا عبر هذا الفيديو الحكومة السورية والمنظمات البحرية الدولية والمؤسسات الإنسانية التدخل العاجل لإنقاذهم. إذ قال أحد أفراد الطاقم إنهم يعيشون عزلة كاملة من شهرين تقريباً، بعدما فقدوا أي وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي، حيث لا توجد لويهم لا هواتف، ولا اتصال بالإنترنت، ولا يستطيع أي منهم طمأنة أسرته أو معرفة ما يجري خارج السفينة.

وتعدت المخاطر حالة العزلة فقط لتشمل التهديد المباشر للحياة. فمخزون الطعام بدأ يتناقص، وكذلك مياه الشرب، بينما أصبحت الأدوية الأساسية غير متوفرة، مع التأكيد أن بعض البحارة يعانون من أمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.

ويؤكد أفراد الطاقم أن الضغوط النفسية أصبحت لا تقل خطورة عن الجوع أو المرض، إذ يعيش الجميع في حالة انتظار دائمة، من دون أي معلومات واضحة عن مستقبلهم أو موعد انتهاء احتجازهم.

ويعتقد مراقبون أن الخاطفين سمحوا بتصوير هذه المقاطع ونشرها من أجل زيادة الضغط في القضية، رغم أن المحتجزين يقولون إنهم لا يملكون وسيلة للوصول إلى شبكة الإنترنت.

أين وصلت التحقيقات؟ وأين توجد السفينة الآن؟

تشير المعلومات أن سفينة “سورد” لا تزال في مكانها بعد شهرين من الاختطاف. فبحسب منصة “مارين ترافيك” (MarineTraffic)، المتخصصة في تتبع حركة السفن حول العالم، فإن آخر موقع معروف للسفينة كان في خليج عدن قبالة السواحل الشرقية للصومال.

كما أظهرت صور التقطها القمر الصناعي الأوروبي “سينتينال-2” خلال شهر حزيران وجود سفينة في الموقع الجغرافي نفسه الذي تم رصد فيه آخر إشارة ملاحية  للسفينة “سورد”، وهذا ما عزز الاعتقاد بأن السفينة لا تزال محتجزة هناك. حيث تحمل السفينة علم دولة سانت كيتس ونيفيس، ويبلغ طولها نحو 100 متر، وعرضها 18.8 متراً، وتحمل الرقم التعريفي البحري الدولي 9174244.

لماذا عادت القرصنة إلى الواجهة؟

حادثة “سورد” لم تكن الوحيدة خلال الفترة الأخيرة، إذ هناك ثلاثة سفن مخطوفة أخرى ومن بينها ناقلة النفط “M/T EUREKA” التي ترفع علم توغو، والتي تعرضت للاختطاف، بعدما كانت قد غادرت ميناء الفجيرة في الإمارات، قبل أن يتم اقتيادها نحو سواحل إقليم بونتلاند الصومالي، وفق بيانات “مارين ترافيك”.

وهنا قد يُطرح سؤال منطقي: لماذا انتشرت فجأة عمليات خطف السفن خلال الفترة الحالية؟ أجاب على هذا السؤال البروفيسور إبراهيم فهمي، الأستاذ الزائر في جامعة ستراثكلايد بمدينة غلاسكو وزميل المعهد البريطاني للهندسة البحرية والعلوم والتكنولوجيا، الذي يرى أن السواحل الصومالية أصبحت اليوم واحدة من أخطر المناطق البحرية في العالم.

ويشرح فهمي أن السبب الأول يعود إلى وجود شبكات قرصنة تمتلك خبرة طويلة في خطف السفن، وهو نشاط وصل إلى ذروته عام 2011، أما السبب الثاني فهو التوترات الأمنية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، والتي جعلت السفن التجارية تواجه مخاطر متعددة في الوقت نفسه.

ويضيف أن هذه الظروف دفعت بعض شركات الشحن خلال الأشهر الأخيرة إلى تغيير مسارات سفنها والإبحار عبر طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور في بعض الممرات البحرية التقليدية، خاصة مع التوترات التي شهدها مضيق هرمز، وهو ما يعني رحلات أطول وتكاليف أعلى.

أما البروفيسور كريستيان بوغر، أستاذ الأمن البحري في جامعة كوبنهاغن ومؤلف كتاب “فهم الأمن البحري”، فيرى أن القرصنة الصومالية لطالما ظهرت على شكل موجات.

ويشير إلى أن أولى تلك الموجات بدأت عام 2005، ثم جاءت الموجة الأكبر بين عامي 2008 و2012، قبل أن تتمكن قوات بحرية دولية من الحد منها عبر مرافقة السفن بحراس مسلحين، وتعزيز الدوريات البحرية، والاستثمار في دعم المجتمعات الساحلية داخل الصومال.

لكن بوغر يعتقد أن الحوادث التي بدأت منذ نهاية عام 2023 ثم تكررت خلال عامي 2024 و2025 قد تكون بداية موجة جديدة، محذراً من أن نجاح القراصنة في تنفيذ عمليات اختطاف جديدة سيشجعهم على تكرارها للحصول على فديات مالية كبيرة.

لماذا تهم هذه الحوادث العالم كله؟

قد يظن البعض أن ما يحدث لسفينة واحدة في خليج عدن لا يخص إلا طاقمها، لكن الواقع مختلف تماماً. فكل عملية اختطاف ترفع قيمة التأمين على السفن التجارية، وتجبر الشركات على إنفاق ملايين الدولارات على الحراسة الأمنية، كما تدفع كثيراً من السفن إلى اختيار طرق بحرية أطول، وبالنتيجة زيادة في استهلاك الوقود وارتفاع تكلفة نقل البضائع.

ويحذر البروفيسور إبراهيم فهمي من أن استمرار هذه العمليات لن يؤثر على شركات الشحن وحدها، بل قد يمتد تأثيره إلى أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد بين الشرق والغرب، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك في مختلف دول العالم.

في النهاية، مع جميع الانعكاسات السلبية لعودة القرصنة الصومالية، يبقى مصير البحارة السوريين وسلامتهم هو الخبر الأهم. فالقضية تجاوزت أهمية تأمين طريق ملاحي إلى سباق مع الزمن لإنقاذ بحارة يواجهون معركة يومية للبقاء على قيد الحياة.

اقرأ أيضاً: لماذا ما تزال الملاحة الصوتية غائبة عن الطرق السورية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى