الباصات الكهربائية في دمشق.. بين الوعد واختبار الجاهزية!

الكاتب: أحمد علي
تبدو دمشق اليوم كمدينة تختبر أعصابها اليومية على الأرصفة قبل أن تختبرها في الخطط الحكومية، فساعات الانتظار الطويلة على مواقف النقل والازدحام الذي يبتلع وقت العمل والدراسة جعلا أي حديث عن توسيع الأسطول العام يتجاوز كونه خبراً خدمياً إلى سؤال عن شكل الحياة في العاصمة نفسها. ومن هنا يلفت مشروع إدخال الباصات الكهربائية الأنظار، لا لأنه يعد فقط بمركبات أحدث وأهدأ، بل لأنه يضع المدينة أمام امتحان أشد صعوبة، هل تملك الشبكة الكهربائية ومراكز الشحن وورش الصيانة القدرة الكافية لتحويل الإعلان إلى خدمة مستقرة.
الباصات الكهربائية في دمشق واقعاً
حين يُتداول رقم يتجاوز مئتي باص كهربائي خلال أشهر قليلة، يصبح من الضروري التمييز بين ما هو خطة عامة وما هو إعلان تنفيذي مفصل. فالمعطيات المعلنة حتى الآن تشير إلى مستويين، الأول حديث إداري عن خطة لتجهيز 200 باص للعمل على خمسة خطوط رئيسية في دمشق، والثاني إعلانات مزايدات منشورة لتشغيل ثلاثة خطوط بباصات كهربائية يصل مجموعها إلى 150 باصاً. هذا الفارق لا يعني تناقضاً بالضرورة، لكنه يكشف أن الرقم المتداول أوسع من التفصيلات المنشورة حتى لحظة إعداد التقرير.
الأهم من الرقم نفسه أن المدد الزمنية المطروحة لبعض الخطوط تتراوح بين 120 و180 يوماً من أمر المباشرة، وهو ما يجعل الحديث عن أربعة أشهر ممكناً بوصفه الحد الأدنى المتفائل لا القاعدة المضمونة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل تستطيع دمشق إعلان المشروع، بل هل تستطيع ضغط مراحل التجهيز والربط الكهربائي والتشغيل التجريبي والتدريب الفني ضمن نافذة زمنية قصيرة من دون أن يتحول الاستعجال إلى مصدر أعطال مبكرة. فالباصات الكهربائية في دمشق لن تُقاس قيمتها بعدد الآليات التي تصل إلى المدينة فقط، بل بعدد الآليات التي تدخل الخدمة يومياً وتحافظ على مستوى مقبول من الاعتمادية.
الكهرباء أول امتحان حقيقي
أي نقاش جدي حول الباصات الكهربائية في دمشق يصطدم مباشرة بملف الكهرباء، فالمشهد في قطاع الطاقة تحسن في بعض المحطات مع الإعلان مطلع هذا العام عن بدء استلام الغاز عبر الأردن لتوليد الكهرباء، لكنه بقي هشاً أمام الاضطرابات. وخلال آذار الجاري عادت الجهات الرسمية لتوضح أن انخفاض ساعات التغذية مرتبط بتراجع إمدادات الغاز الواردة عبر الأردن وتوقف ضخها أحياناً، بينما أظهرت أخبار الصيانة المحلية استمرار الأعطال في بعض محطات التحويل نتيجة الضغط الكبير وتقادم التجهيزات.
وهذا يعني أن الشبكة لا تعمل في بيئة مستقرة تماماً، وأن أي مشروع شحن واسع يحتاج إلى معاملة خاصة لا إلى الاكتفاء بما هو متاح أصلاً للأحياء والخدمات.
من الناحية العملية، لا تحتاج الباصات الكهربائية في دمشق إلى كهرباء وفيرة فقط، بل إلى كهرباء مستقرة وقابلة للتخطيط… هناك فرق كبير بين مدينة تشحن مركبات متفرقة، ومدينة تريد شحن أسطول نقل عام يجب أن يكون جاهزاً قبل الفجر. وهنا تظهر الحاجة إلى مغذيات مخصصة للكراجات ومحطات شحن محسوبة على أساس الأحمال الفعلية، ومن دون ذلك قد يتحول الوفر البيئي النظري إلى عبء تشغيلي يومي، لأن أي تأخير في الشحن سيعني باصاً أقل في الخط وراكباً أكثر على الرصيف.
الصيانة أكثر من ورشة
الانطباع الشائع يقول إن الباص الكهربائي أقل حاجة إلى الصيانة من باص الديزل، وهذا صحيح جزئياً إذا اقتصر الحديث على الزيوت وبعض الأجزاء الميكانيكية، لكن الصيانة هنا تصبح أكثر تخصصاً، لأنها تنتقل إلى منظومة تعتمد على البطاريات وأنظمة الجهد العالي والبرمجيات ووحدات التبريد وشواحن تحتاج بدورها إلى فحص ومعايرة.
وتؤكد الأدلة التشغيلية الدولية الخاصة بالحافلات الكهربائية أن البنية التحتية للشحن نفسها أصل تشغيلي يحتاج إلى صيانة وقوى بشرية مدربة ومساحة كافية داخل الكراجات.
لهذا تبدو الجاهزية الفنية في دمشق مرتبطة بسؤالين متلازمين، هل توجد ورش قادرة على العمل الآمن مع أنظمة الجهد العالي، وهل توجد سلسلة توريد واضحة لقطع التبديل والبطاريات ووحدات الشحن. فالعطل في الباص قد يُحتوى، أما العطل في الشاحن أو في توريد القطعة فقد يوقف عدداً من الباصات دفعة واحدة. وهنا لا تكفي فكرة شراء مركبات حديثة، بل يجب أن يرافقها عقد صيانة محكم وتدريب للكوادر ومخزون تشغيلي من القطع الحساسة وباصات احتياطية تمنع الخطوط من الانكشاف عند أول أزمة.
المدينة بين الجدوى والمخاطر
مع ذلك، لا ينبغي اختزال المشروع في قائمة مخاوف. فالباصات الكهربائية في دمشق تحمل فرصة حقيقية لتخفيف الضجيج والانبعاثات داخل المدينة، وتقليل الارتهان اليومي لأزمات الوقود، ورفع جاذبية النقل العام إذا ترافق التحديث مع انتظام المواعيد وتحسن الراحة داخل المركبات.
كما أن اختيار البدء بخطوط محددة يبدو منطقياً، لأن التحول المتدرج يسمح باختبار الأحمال والمسارات وكفاءة الشحن قبل الانتقال إلى توسع أكبر.
لكن الجدوى لا تتحقق تلقائياً، فالتجارب الدولية توضح أن نجاح التحول إلى الحافلات الكهربائية يعتمد على اختيار المسارات المناسبة وتقدير المسافة اليومية بدقة وربط سعة البطارية بنمط التشغيل والازدحام. مدينة مثل دمشق تحتاج إلى تشغيل منضبط وإدارة بيانات أكثر من حاجتها إلى خطاب متفائل.
وإذا أضيف إلى ذلك أن المحافظة أعلنت إعفاء المستثمرين الفائزين في بعض المزايدات من عوائد الاستثمار بهدف تخفيض التعرفة وتحسين الخدمة، فإن التوازن المالي للمشروع سيحتاج إلى متابعة صارمة حتى لا ينعكس الضغط على الجودة أو الصيانة بعد أشهر من الانطلاق.
ماذا يلزم قبل الانطلاق
الخلاصة أن دمشق ليست غير جاهزة بالكامل، وليست جاهزة تماماً أيضاً، فهي تبدو مهيأة لمرحلة أولى مدروسة من تشغيل الباصات الكهربائية، لكنها ليست في موقع مريح يسمح بالقفز السريع إلى أكثر من 200 باص خلال أربعة أشهر من دون تحصين البنية التحتية أولاً. وما يلزم قبل الانطلاق الواسع هو التعامل مع المشروع بوصفه منظومة مترابطة لا صفقة شراء، أي ربط كل خط بكراج شحن واضح، وتخصيص قدرة كهربائية محمية، وإقرار برنامج صيانة وقائي، وتدريب فرق فنية وسائقين ومشرفين، ونشر مؤشرات معلنة عن الجاهزية والتشغيل الفعلي والأعطال.
بهذا المعنى، يمكن القول إن سؤال الجاهزية لا يُجاب عنه بنعم أو لا، بل بدرجة الانضباط في التنفيذ. فإذا تحولت الباصات الكهربائية في دمشق إلى مشروع مرحلي شفاف يبدأ بعدد محسوب ويكبر على أساس الأداء الفعلي، ففرص النجاح معقولة وقد تفتح باباً مختلفاً للنقل الحضري في سوريا. أما إذا جرى التعامل معها كحل سريع لأزمة مزمنة، من دون شبكة شحن مستقرة وصيانة متخصصة وعقود تشغيل دقيقة، فإن المدينة قد تربح عنواناً لامعاً وتخسر الخدمة التي ينتظرها الناس.
اقرأ أيضاً: الخضار بالحبة في دمشق: الخبراء يحذرون من القادم، هل تتحول السلطة إلى رفاهية؟









