سياسة

الانتقال السوري: هل تؤجل الأولوية الأمنية أسباب الانفجار المحتملة؟

الكاتب: أحمد علي

في سوريا اليوم، يبدو الأمن كأنه الباب الأول للانتقال السياسي، وهذا مفهوم بعد حرب طويلة وسلاح كثير وذاكرة مثقلة بالخوف. لكن السؤال الذي يسبق الناس إلى يومهم ليس سؤال الدستور وحده، ولا الحكومة وحدها، والأمن وحده بوصفة مسألة أمنية، السؤال الذي بدا فاقعاً خلال الأسبوع الفائت كان كيف نعيش؟

وهنا بالضبط يصبح الخبز جزءاً من الأمن، والأجر جزءاً من الاستقرار، والكهرباء شأناً سياسياً لا خدمة مؤجلة. فالانفجار لا يعود دائماً من فوهة بندقية؛ بل في كثير من الاحيان يعود من بيت لا يجد ما يكفيه.

يدور الانتقال السوري اليوم بين حاجتين لا يمكن الفصل بينهما. الأولى ضبط السلاح، واحتواء الثأر، وبناء مؤسسات قادرة على منع عودة الفوضى. والثانية إعادة الحد الأدنى من القدرة على العيش. الخطر يبدأ حين تُعامل الحاجة الثانية كملف ينتظر هدوء الملف الأول. التجربة السورية تقول شيئاً آخر. الجوع لا ينتظر اكتمال الدولة.

تشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن 15.6 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى مساعدة إنسانية في 2026. ويقول برنامج الأغذية العالمي إنه خفّض مساعداته الطارئة في أيار 2026 بنسبة 50 في المئة، من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفاً، وأوقف برنامج دعم الخبز الذي كان يصل عبر أكثر من 300 مخبز إلى ما يصل إلى أربعة ملايين شخص يومياً. هذه أرقام ثقيلة. وهي لا تصف فقراً عادياً، بل تصف انتقالاً سياسياً محمولاً على ظهر مجتمع منهك.

الانتقال السوري ومعادلة الأمن والعيش

أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في آذار 2025 حكومة انتقالية مؤلفة من 23 وزيراً، بعد أشهر من سقوط سلطة بشار الأسد في كانون الأول 2024. وقبل ذلك صدر إعلان دستوري يحدد فترة انتقالية من خمس سنوات. على الورق، تبدو الخريطة واضحة. مرحلة انتقال، مؤسسات جديدة، محاولة اعتراف خارجي، ومسار تدريجي لإعادة بناء الدولة.

المسألة لا تتعلق بجدل نظري حول أولوية الأمن أو الاقتصاد. الأمن ضروري، فلا دولة بلا احتكار منضبط للسلاح، ولا انتقال بلا عدالة ومحاسبة، ولا استقرار مع عمليات قتل وخطف واعتقال خارج القانون. أحداث الساحل في آذار 2025 أظهرت حجم الخطر، إذ ذكرت لجنة تقصي حقائق سورية أن 1,426 شخصاً قتلوا في هجمات على قوى الأمن وما تلاها من عمليات قتل جماعية طالت علويين. هذا رقم لا يمكن تجاوزه في أي قراءة جادة للمرحلة.

ما لا تعنيه هذه الحقيقة أن الأمن يستطيع أن يتقدم وحده إلى النهاية. فالدولة التي تنجح في ضبط الشارع بالقوة، ثم تفشل في ضبط سعر الخبز، ستجد نفسها أمام غضب من نوع آخر. أقل صخباً أحياناً، لكنه أوسع. الموظف الذي لا يكفيه راتبه، والعامل الذي لا يجد عملاً ثابتاً، والنازح العائد إلى بيت مهدّم، هؤلاء ليسوا هامشاً في الانتقال. هم مادته الأساسية.

البنك الدولي يقدّر الأضرار المادية المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار، ويقدّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار. الرقم الأخير يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي المتوقع لعام 2024 وفق تقديرات البنك. معنى ذلك بسيط وقاس. الدولة الجديدة لا تبدأ من اقتصاد ضعيف فقط، بل من اقتصاد مكسور، ومن مجتمع دفع ثمن الكسر سنوات طويلة.

عندما تصبح المعيشة ملفاً أمنياً

تظهر المفارقة أكثر في تقديرات 2026. البنك الدولي يتحدث عن مؤشرات انتعاش أولي مع تحسن الأمن ورفع بعض العقوبات وعودة جزء من الحركة الاقتصادية. يقدّر أن التضخم انخفض إلى 11.5 في المئة في 2025 بعدما بلغ 72.1 في المئة في 2024. ويتحدث أيضاً عن ارتفاع في حركة الطيران والموانئ، وعن عودة لاجئين ونازحين، وعن تحسن نسبي في الكهرباء. هذه إشارات لا ينبغي إنكارها.

لكن الإشارة ليست حلاً. التقرير نفسه يضع فوق هذا التحسن قائمة طويلة من القيود، العنف المحلي، كلفة المعيشة العالية، محدودية المساعدات، قيود النظام المصرفي، ومخاطر الأمن. يقول البنك الدولي إن 1.5 مليون سوري عادوا من دول الجوار منذ كانون الأول 2024 حتى آذار 2026، وإن 1.7 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم حتى شباط 2026. العودة خبر جيد. لكنها تتحول إلى ضغط إضافي إذا لم تجد عملاً، ومدرسة، وماء، وكهرباء، وسقفاً آمناً.

هنا يصبح الاقتصاد جزءاً من السياسة. لا يعود السؤال عن سعر السلعة وحده، بل عن علاقة المواطن بالدولة الجديدة. هل يشعر أن المرحلة الانتقالية تعني شيئاً في حياته؟ هل يلمس فرقاً في الخدمة العامة؟ هل يجد جهة يسمع منها جواباً؟ أم يرى أن لغة الأمن تكبر، بينما لغة المعيشة تبقى مؤجلة؟

شهدت سوريا خلال 2026 موجة احتجاجات مطلبية ومهنية في محافظات متعددة، شملت عمال نقل ومزارعين وممرضين ومدرسين ومحامين وطلاب جامعات وموظفين بلديين، وفق تحليل لمعهد واشنطن. هذه الاحتجاجات، بحسب القراءة نفسها، ليست حركة معارضة موحدة ولا حملة موالية للنظام السابق، بل تعبير عن مجتمع يحاول محاسبة السلطة الجديدة عبر القناة المتاحة له. هذا تفصيل مهم. فالناس الذين يطالبون بالأجر والخبز والعدالة في الرسوم ليسوا بالضرورة ضد الانتقال، بل قد يكونون من أكثر من يريد له النجاح.

خطورة تجاهل هذه المطالب أنها تترك فراغاً واسعاً. والفراغ لا يبقى فارغاً. تملؤه السوق السوداء، والواسطة، والفساد الصغير المتولد من الفساد الكبير، والمجموعات المحلية، والمخاوف الطائفية، والحنين الكاذب إلى أشكال قديمة من السيطرة. الفقر لا يشرح كل شيء، لكنه يفسد كل شيء إذا تُرك بلا علاج.

الاختبار في التنفيذ

لا يكفي القول إن الأولوية أمنية لأن البلاد خارجة من حرب. هذا صحيح، لكنه ناقص. فالأمن الذي لا يفتح طريقاً إلى تحسين المعيشة يتحول إلى إدارة انتظار. والانتظار في الحالة السورية ليس زمناً محايداً. كل شهر بلا دخل كاف يضعف الثقة، وكل خدمة منهارة تعيد إنتاج الإحباط، وكل عودة بلا قدرة على الاستقرار تفتح باب نزوح جديد، داخلياً أو خارجياً.

الجهات الدولية بدأت تتحرك بحذر. الاتحاد الأوروبي أعلن دعماً مالياً للتعافي والمساعدات، واتخذ خطوات لإعادة العلاقات وتخفيف بعض القيود، والبنك الدولي عاد إلى تمويل مشروع للكهرباء بعد انقطاع طويل. هذه خطوات مهمة، لكنها لا تنفي أن حجم الاحتياجات أكبر بكثير. كما أن التمويل الخارجي لا يعوض غياب سياسة داخلية واضحة للعدالة الاجتماعية، وللأجور، وللإنتاج، ولإعادة تشغيل المؤسسات العامة والخاصة على أساس يخدم المجتمع لا شبكات النفوذ.

التحدي الحقيقي أن لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى إدارة أمنية للفقر. المطلوب ليس وضع الاقتصاد في مواجهة الأمن، بل إخراج الأمن من ضيقه. الأمن الحقيقي يعني أن لا يخاف المواطن من المسلح، ولا من الجوع. يعني أن يجد راتباً يحميه من الذل، وخدمة عامة لا تتركه وحيداً، وقضاءً يطمئنه، وإدارة لا تبتزه. عند هذه النقطة فقط يصبح الانتقال أكثر من ترتيبات حكم.

الخلاصة أن الأولوية الأمنية مفهومة، بل ضرورية، لكنها تصبح خطرة إذا ابتلعت كل ما عداها. فأسباب الانفجار لا تختفي لأنها أُجّلت. بل قد تسكن تحت السطح، ثم تعود من باب الأسعار، أو الطوابير، أو الاحتجاجات، أو الهجرة، أو العنف المحلي. ولذلك، فإن الانتقال السوري لن يُقاس بقدرته على ضبط الخطر فقط، بل بقدرته على تقليل الحاجة التي تصنع الخطر. وبكلمة أخيرة، فإن الأمن يبدأ من الشارع نعم، لكنه لا يكتمل إلا على مائدة الناس..

اقرأ أيضاً: كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى