الاقتصاد السوري من النمو إلى إدارة الأزمات: ماذا ينتظر البلاد؟

بقلم: ديانا الصالح
من طموح الاستقرار والتنمية المستدامة إلى معركة البقاء، هذا هو النهج القسري الذي سلكه الاقتصاد السوري تحت وطأة سنوات الصراع الطويلة، ما أدى إلى دمار هائل طال كافة المقومات، محولاً البلاد إلى بنية هشّة اقتصادياً واجتماعياً، وفي هذا السياق يثور تساؤل هام: كيف تحول دور الدولة من قيادة النمو إلى مجرد إدارة للأزمات؟ وإلى متى سيبقى الاقتصاد يدور في نفس الدائرة؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
انهيار الاقتصاد السوري بعد الحرب
تدرّجت مراحل التحول من اقتصاد نمو وآفاق إنتاجية طموحة معتمدة على نظام مالي مركزي قوي (قادر على تغطية كافة الجوانب والخدمات كالأجور والكهرباء والماء مع الصحة والتعليم)، إلى إدارةٍ للأزمات (إدارة الموارد المحدودة لسد العجز المالي عبر رفع رسوم الخدمات والتوجه للاقتصاد غير الرسمي وغيرها من الإجراءات الإدارية)، عبر سلسلة من الأزمات التي عصفت بكيان مختلف القطاعات الإنتاجية الرئيسية.
ويعود هذا الانهيار إلى ضرب عصب قطاعي الزراعة والصناعة، إضافة إلى تدمير البنية التحتية والتوجه نحو الاقتصاد الريعي الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات الخارجية عموماً والنفطية خصوصاً دون أي تقدم إنتاجي ملحوظ، حيث وصلت نسبة واردات النفط إلى 95%، أي ما يقارب 5 ملايين برميل شهرياً وفقاً لتقديرات رسمية، لتتجاوز بذلك آثار الحرب المجالات القتالية، وتخلق واقعاً مأساوياً للانهيار الاقتصادي والبنيوي.
وتشير بيانات حديثة صادرة عن منظمة (الإسكوا) إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي السوري منذ سنة 2011 بمعدل 64%، كما تدهورت قيمة العملة السورية لتفقد ثلثي قيمتها خلال سنة 2023 وحدها، الأمر الذي رفع معدل التضخم في عام 2024 ليصل إلى 40%، فيما تؤكد البيانات حاجة ما يزيد عن 16.7 مليون سوري للإغاثات الإنسانية.
إلا أن اختزال التدهور البنيوي للاقتصاد السوري بسنوات الحرب، لا تعطي الصورة الشاملة لمسار التدهور، فهناك العديد من الدراسات الاقتصادية التي تربط بداية التراجع الإنتاجي بالثمانينات، حيث عانى الاقتصاد بالفترة ما بين 1984-1990 من أسوأ أزمة في تاريخه، لتلحقه أزمة تاريخية أخرى بين عامي 2000-2004، التي شهدت شللاً إنتاجياً ملحوظاً ضمن القطاعات الإنتاجية الرئيسية.
وتؤكد التقارير الدولية انخفاض نسبة النمو الاقتصادي القائم ليبلغ 2.9% خلال الفترة 1997-2004، مقارنة بمعدل 5.8% خلال 1990-1996، وذلك دون احتساب نسبة النمو السكاني.
والجدير بالذكر أن ظاهرة الفقر والمؤشرات الدولية لم تكن مشهداً جديداً على سوريا، فقد أشارت تقارير للأمم المتحدة إلى بلوغ نسبة الفقر لتصل إلى أكثر من 33% قبل عام 2011، فيما ارتفعت بعد الصراع لتتخطى 90%، الأمر الذي يعكس الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية السورية حتى قبل سنوات الحرب.
كما يؤكد خبراء اقتصاديون التأثير الكبير لضعف مؤسسات الدولة وغياب رؤيتها الاقتصادية بعيدة المدى، واقتصارها على الخطط الآنية قصيرة الأجل، كمحاولات ترقيعية وتيسير ليوميات اقتصادية ليس إلا، لا سيما في ظلّ ممارساتها الحالية المتمحورة حول تعديل قانون من هنا وفصل موظفين من هناك، إلى جانب تطرقها لتبني السوق الحر وما رافقه من قرارات تنفيذية كتوسيع دور القطاع الخاص وما إلى ذلك، فضلاً عن القرار الأخير حول السماح للأجانب بالتملك الكامل لمشاريعهم دون شركاء سوريين ما يفتح ألف باب للتساؤل حول كيفية إدارة تلك المشاريع بما يخدم مصلحة البلد دون الوقوع في مصيدة الغرق بالاقتصاد الريعي.
وفي هذا الصدد، تؤكد بيانات الأمم المتحدة أنه ببقاء الاقتصاد السوري على وتيرة نموه حالياً، لن يستعيد مستوياته الإنتاجية المحلية التي كان عليها خلال السنوات السابقة للصراع السوري، قبل سنة 2080، مشيرة إلى حاجة النمو الاقتصادي للارتفاع حوالي 6 أضعاف سنوياً، حتى يتمكن من تقليص المدة المحددة للتعافي إلى 10 أعوام.
متى تُطوى صفحة إدارة الأزمات؟
على الرغم من المؤشرات الدولية القاتمة ورؤيتها المستقبلية الحذرة، لم تتوقف وتيرة التفاؤل الحكومي بالخلاص من العزلة العالمية، مقابل تذبذب الثقة الشعبية وفقاً لخبراء محليين، حيث أشاروا إلى أن انعدام النتيجة الملموسة على الحياة المعيشية للمواطنين ولّدت نوعاً من الاحتقان الشعبي إزاء السياسات الحكومية القائمة.
ويرى اقتصاديون أن ما تنادي به الحكومة من بداية التعافي والنهضة الحقيقية لوتيرة نمو الاقتصاد السوري لم تتعدَّ كونها حبراً على ورق دون أثر ملموس، أو ترجمة واقعية لتحسين الوضع السوري المتدهور، مشيرين إلى أن الإجراءات الحكومية حتى الآن حملت تفاؤلاً أكبر من مخرجاتها على مدار سنة كاملة، فمن الاتفاقيات الخليجية المليارية إلى تخفيف العقوبات الخارجية وإعادة ربط النظام المالي السوري بالعالم عبر نظام SWIFT، وصولاً للعقود الاستثمارية السياحية والبنى التحتية والتي تُقدر بمليارات الدولارات، تبقى الأنظار متجهة نحو الواقع السوري لا الصورة الخارجية.
ما بين الأرقام الدولية والوضع المعيشي السوري، تكمن عدة تساؤلات حول موعد طيّ صفحة إدارة الأزمات، والتحول نحو الاقتصاد التنموي، وفي هذا السياق يرى سياسيون محليون أن ذلك يعتمد على الإرادة السياسية القوية والخطى الإصلاحية الجذرية للسياسات الاقتصادية وهيكلها العام، والتي تُترجم عبر تنمية الإنتاج المحلي من خلال دعم مختلف القطاعات الزراعية والصناعية والبنى التحتية، إضافة إلى التوجه الحكيم نحو الاستثمارات المستدامة للمجالات الرئيسية في البلاد.
في النهاية، تبقى مسألة عودة سوريا لاقتصاد النمو والإنتاج، مرهونة بمدى قدرة صنّاع القرار على خلق حقبة اقتصادية جديدة، قادرة على انتشاله من قاع “إدارة الأزمات” المرهونة بالاقتصاد الريعي.
اقرأ أيضاً: حين لا تكون الطائفية هي المشكلة: قراءة في أصل المأساة السورية









