الاستثمار في سوريا: ما الفرق بين المستثمر التركي والسعودي والإماراتي؟

الكاتب: أحمد علي
في البداية، ينبغي أن يكون واضحاً أن ليس كل استثمار خارجي إنقاذاً، وليس كل استثمار خارجي نهباً، فالمشكلة تبدأ حين يجري الحكم على المستثمر بناء على جواز سفره لا على عقده، وبناء على صورته السياسية لا على أثره الفعلي على الإنتاج والعمل والسوق. من هنا بالضبط يفتح النقاش حول المستثمر التركي والسعودي والإماراتي في سوريا سؤالاً أكبر من المفاضلة بين دول.. أي اقتصاد تريد سوريا أن تبنيه بعد الحرب؟!
أعاد الخبير الاقتصادي جورج خزام طرح هذا السؤال بصيغة حادة، وذلك عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك». في رأيه، يميل المستثمر التركي إلى القطاعات السيادية والرابحة، من الكهرباء والاتصالات والطرق والمطارات والمناطق الحرة إلى المصانع العامة، ويريد توسيع تصريف البضائع التركية، بما قد يضغط على المنتج الوطني.
في المقابل، يرى أن المستثمر السعودي والإماراتي أقرب إلى دعم الاقتصاد السوري عبر المصانع، المدن الصناعية، العقارات، التشغيل، وتمويل مشاريع تساعد على إعادة البناء.
الاستثمار في سوريا بين الجار القريب والمال البعيد
يختلف المستثمر التركي عن الخليجي قبل كل شيء في الموقع، فتركيا جارة مباشرة، وتملك حدوداً طويلة مع سوريا، ومعابر نشطة، وشبكات تجار ومقاولين ومصانع قريبة، وسوقاً ضخمة تبحث عن منافذ. لذلك يظهر الحضور التركي سريعاً في التجارة واللوجستيات والكهرباء والغاز والبنوك، لا لأنه بالضرورة أكثر شراً أو أكثر خيراً، بل لأن الجغرافيا تجعل كلفة دخوله أقل وسرعته أعلى.
ولكي لا يبدو الحديث نظرياً بالمطلق، فإن الأرقام والاتفاقات تعطي صورة أوضح عما نتحدث عنه. في كانون الثاني 2025 أعلنت أنقرة أن السلطات السورية قررت خفض الرسوم على 269 منتجاً تركياً، بينها البيض والطحين والذرة والحليب وبعض المنتجات الغذائية والحديد والصلب ومواد النظافة. وفي الشهر نفسه تحدثت مصادر تركية عن إعادة تقييم الرسوم الجمركية وإمكان إعادة تفعيل اتفاق التجارة الحرة المعلق منذ 2011. ثم أعلنت تركيا وسوريا لاحقاً فتح عبور تجاري مجاني على مدار 24 ساعة عبر بوابتين حدوديتين، ما يعني أن العلاقة التجارية لم تعد تفصيلاً جانبياً.
وتبدو هذه النقطة جوهر القلق عند جزء من الاقتصاديين السوريين. فعندما تدخل البضاعة التركية بتسهيلات واسعة، بينما لا تملك الصناعة السورية قدرة مشابهة على الدخول إلى السوق التركية، يصبح الانفتاح غير متكافئ.. وليس لأن كل منتج تركي خطر، بل لأن الصناعة السورية ضعيفة ومكلفة ومثقلة بالطاقة والتمويل والنقل، والمنافسة هنا لا تجري بين قوتين متساويتين.
لكن الصورة لا تقف عند البضائع بطبيعة الحال، فتركيا حاضرة في الطاقة أيضاً، وكانت نقلت رويترز في أيار 2025 عن وزير الطاقة التركي أن بلاده ستزود سوريا بنحو ملياري متر مكعب من الغاز سنوياً. وتحدثت تقارير أخرى عن اتفاق لاستيراد الكهرباء من تركيا عبر خط 400 كيلوفولت، وعن سفن توليد من تركيا وقطر بطاقة إجمالية تبلغ 800 ميغاواط. كما دخلت شركات تركية، بينها كاليون وجنكيز، ضمن كونسورتيوم تقوده قطر في مشروع طاقة بقيمة 7 مليارات دولار يتضمن أربع محطات غازية بإجمالي 4000 ميغاواط ومحطة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط.
هنا يصبح كلام خزام عن القطاعات السيادية مفهوماً من زاوية معينة، الكهرباء، الغاز، المطارات، البنوك، والعبور التجاري ليست قطاعات عادية. فمن يمسك بها يؤثر في كلفة الإنتاج، وسعر السلعة، وحركة السوق. لكن هذا لا يعني أن دخول المستثمر التركي مرفوض بذاته، لكن المعنى الأدق أن دخوله يحتاج إلى شروط عامة لا إلى باب مفتوح على مصراعيه بلا قياس أو مراقبة.
الخليج: تمويل أكبر لا يعني خطراً أقل
يتحرك الاستثمار السعودي والإماراتي من زاوية مختلفة، لا يقوم على الجوار المباشر، بل على المال السياسي والمالي الكبير، وعلى رغبة خليجية واضحة في أخذ موقع داخل إعادة الإعمار السورية.
فالسعودية أعلنت، وفق رويترز، حزمة استثمارات كبرى في شباط 2026 بقيمة تقارب ملياري دولار في الطيران والطاقة والعقارات والاتصالات، وتضمنت تطوير مطارين في حلب عبر صندوق إيلاف، وإطلاق شركة طيران مشتركة باسم فلاي ناس سوريا، واستثماراً بقيمة 800 مليون دولار من شركة الاتصالات السعودية في شبكة الألياف الضوئية.
وقبل ذلك، تحدثت رويترز عن استثمارات سعودية بأكثر من 6 مليارات دولار، منها 2.93 مليار دولار للعقارات والبنية التحتية، ونحو 1.07 مليار دولار للاتصالات وتقنية المعلومات. هذه أرقام كبيرة، وهي توحي بأن الرياض لا تريد مجرد حضور رمزي، بل تريد موقعاً في قطاعات تربط الاقتصاد السوري بالمطارات، الاتصالات، المدن، الخدمات، والبنية التحتية.
أما الإمارات، فدخلت من بوابة مختلفة لكنها قريبة في الجوهر، إذ قالت رويترز إن التجارة غير النفطية بين الإمارات وسوريا بلغت 1.4 مليار دولار عام 2025، بزيادة 132 في المئة عن العام السابق. وفي منتدى الاستثمار السوري الإماراتي الأول، جرى الحديث عن اتفاقات أولية في السياحة والبناء والبنية التحتية والطيران والزراعة واللوجستيات، وعن اهتمام شركات كبيرة، بينها إعمار، بمشاريع قد تصل قيمتها إلى 19 مليار دولار.
كما أعلن رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور سابقاً خططاً لمشروع نقل عام قد يشمل حتى 3000 حافلة ويوفر نحو 30 ألف فرصة عمل، وفق وكالة أسوشيتد برس.
هذه الوقائع تدعم جزءاً من الرأي الذي يرى في المستثمر الخليجي قدرة أكبر على ضخ المال وتشغيل العمالة وتحريك قطاعات الإعمار. لكنها لا تثبت تلقائياً أن الاستثمار الخليجي أنقى أو أكثر محبة للشعب السوري. فالاستثمار يبقى استثماراً، ويبحث عن ربح، وعن ضمانات، وعن مواقع نفوذ في السوق. وإذا غابت الدولة المنظمة، يمكن للعقار أن يتحول إلى مضاربة، ويمكن للبنية التحتية أن تتحول إلى احتكار طويل، ويمكن للمشاريع الكبرى أن تبني واجهات جميلة لا إنتاجاً حقيقياً.
لذلك لا يكفي أن نقول إن الخليجي يبني مصانع والتركي يبيع بضائع، فالواقع أكثر تعقيداً. وبعض الاستثمار الخليجي يذهب إلى العقار والطيران والاتصالات، وهي قطاعات رابحة وحساسة أيضاً. وبعض الاستثمار التركي يدخل في الطاقة والمطارات، مع شركاء قطريين وأمريكيين، ولا يمكن فصله عن حاجة سوريا الفعلية للكهرباء والنقل والتمويل.. فالفرق الحقيقي ليس في الهوية، بل في الشروط.
المعيار: ماذا تربح سوريا؟
السؤال الصحيح ليس من يحب سوريا أكثر؟ هذا سؤال لا يصلح لبناء سياسة اقتصادية، السؤال هو ماذا تربح سوريا من كل عقد؟ كم فرصة عمل حقيقية؟ كم نسبة مكوّن محلي؟ هل توجد نقل تقنية؟ هل يحمي العقد القطاع العام أم يحوله إلى واجهة؟ هل يسمح بدخول بضائع بديلة عن المنتج الوطني بلا حماية؟ هل يعطي الطرف السوري حق الرقابة والمراجعة؟ وهل توجد معاملة بالمثل في التجارة؟
إذا دخل المستثمر التركي عبر التجارة من دون سياسة صناعية تحمي المنتج المحلي، فقد يتحول السوق السوري إلى امتداد لسلاسل الإنتاج التركية. وإذا دخل المستثمر الخليجي عبر العقار والمشاريع الكبرى من دون شروط اجتماعية وسكنية واضحة، فقد يتحول الإعمار إلى سوق مرتفعة الكلفة لا يصل إليها من خسر بيته أو عمله.
هناك رأي آخر في المقابل يقول إن سوريا لا تملك ترف الاختيار الصافي، فالكهرباء مدمرة، والبنوك ضعيفة، والمرافئ والمطارات تحتاج إلى مليارات، والصناعة المحلية لا تستطيع النهوض بلا تمويل خارجي.
وأصحاب هذا الرأي يرون أن فتح الباب أمام تركيا والخليج وأوروبا والولايات المتحدة معاً قد يخفف التبعية لطرف واحد، ويمنح دمشق هامش مناورة أكبر، وهذا الرأي له أساس عملي، لكن شرطه أن تكون الدولة قادرة على تنظيم التنافس لا أن تصبح موضوعاً له.
الخلاصة أن الفرق بين المستثمر التركي والسعودي والإماراتي موجود، لكنه ليس فرقاً أخلاقياً بسيطاً. فالتركي يدخل بقوة الجغرافيا والتجارة والربط اليومي، والخليجي يدخل بقوة التمويل الكبير والمشاريع الواسعة.
الأول قد يضغط على الصناعة الوطنية إذا فُتحت السوق بلا توازن، والثاني قد يصنع تشوهاً عقارياً وخدمياً إذا تُرك الربح وحده يحدد شكل الإعمار.
لهذا، فإن الاختبار في الدولة السورية نفسها، فإذا كانت ضعيفة، سيصبح كل مستثمر أكبر من المصلحة العامة، وإذا كانت واضحة في شروطها، يمكن تحويل التنافس الخارجي إلى فرصة داخلية.
والمطلوب ليس إغلاق الباب بالكامل، ولا فتحه بلا قفل إن صح التعبير، المطلوب سياسة تقول للمستثمر أياً كان اسمه: الربح مسموح، لكن على أرض إنتاجية، وبشروط تحمي العمل الوطني والسوق والقطاع العام وحق السوريين في بلادهم.
اقرأ أيضاً: المنافذ والجمارك تعفي سيارات السوريين المقيمين في تركيا من الرسوم









